إبراهيم محمود - نحن بؤساء التاريخ ذاتياً

حتى الآن نجد من يتحدثون من المنتمين إلى الآثاريين أو الضليعين في التاريخ، إلى مدى عراقة تاريخنا وعظمة أسلافنا فيه، مقارنة بالغرب وآثاره، وبشكل ببغاوي، أو أقرب إلى طريقة التلميذ في حفظ النشيد الصباحي لدولته، إلى إبراز مناقب هذه الحضارات في كل من بلاد ما بين النهرين، بلاد الشام، وبلاد النيل، ويشيرون بزهو فريد إلى عظمة الأهرام وبدعتها، ودون أن يسائلوا أنفسهم إجمالاً، حتى في النقطة هذه، أن هذه ما كان لها أن تكتشَف لولا أيادي الغرب المختصة وألسنتها المغامرة في البحث عن أعماق التاريخ، وتبيّن لغاته، وحتى حفظ الكثير من هذه الآثار في متاحف تسلم من أيدي المنتمين إلى منطقتنا، وهم أهلها ودعاة سلفيون ومتشددون في التعبير عنها .

حتى الآن نجد جموعاً غفيرة من المعتبَرين مثقفين ومفكرين، يلجئون إلى المقارنة بين الحضارة العربية- الإسلامية، والحضارة الغربية، لإظهار مدى تفوق الأولى على الثانية، بينما هم في واقع أمرهم، متطفلون على الثانية في طرز مأكلهم ومشربهم، وفي استهلاكهم لكل ما أنتجته الثانية، من الإبرة إلى الطائرة .

حتى الآن نجد من يتحدثون، من المعنيين، كما يُسمون أنفسهم: كتاب تاريخ مقارن، عن الفظائع التي ارتكبها الغرب " الكافر " والمستعمِر الجلاد في بلادنا، مقارنة بحديث " الفتوحات العربية- الإسلامية " التي لم تدخر جهداً في إعمال السيف في رقاب الآخرين، ولازال هذا قائماً إلى يومنا هذا وفي رؤوس المنتمين إليها، وتجاهل أن ليس من مضي بالسيف وتحت أية راية كانت، ومن قبل أي قوة كانت، مهما كان مبررها، إلى جهة جغرافية أخرى، وشعب آخر، إلا ويكون العنف سيد الموقف، إلا ويكون الاستعمار هو الوصف الأكثر دقة في التعبير عما يجري .

حتى الآن نجد، وفي ظل مشاهد القتل الجماعي، وخراب المدن، والملايين التي يعلَن عنها جائعة، ومشردة، وتحت خط الفقر، من يتحدثون عن الماضي المجيد، وسماحة الإسلام، وعدل الحكم المسلمين، في الوقت الذي لا نجد في سلوكياتهم، في أساليب كلامهم، وأزيائهم، ومقتنياتهم من حضارة " الآخر " أي صلة بما كان .

في حمّى الحديث عن العصور الذهبية الإسلامية، وإسهامات الإسلام كدين وثقافة في بناء الحضارة البشرية، ثم تعبير صارخ عن خبل التاريخ، وما يعنيه التاريخ في وضع كهذا، حيث القمع الذي يُسمّي أنظمته، والذين يعتبرون معارضة، شغال في طول المنطقة وعرضها .

الحديث المتواصل، وعبر قنوات فضائية، وفي المنابر العامة والخاصة، وفي مؤتمرات وندوات، ودعوات لازالت تعتمد الدين الإسلامي، حيث التشدديات الأصولية تثير رعب الأجنة في أرحامها، لا يفسّره سوى أمر واحد ، وهو العمى التاريخي والروحي الذي أصاب هؤلاء الذين ينبرون في الدفاع، في المحصّلة عمن يستبدون بهم، وحتى عن أولئك الذين يشكلون مجموعة حلقات " الفقهاء " الذين رسموا حدوداً للدين، والداخلين في نطاقه، كما هو مطلوب سلطانياً .

يتحدثون عن الماضي، كما لو أنه ملءالسمع والبصر، ومن خلاله تشتق أنظمة وقواعد سلوك ومعرفة، ومن ثم سبل العيش والتواصل مع الآخرين، وهم من حيث التصرفات مقطوعو الصلة بما كان كلياً، حيث إن مشهدية اللحية المشذبة أو الذقن، وغطاء الرأس، لا تخفي ما هو مفكَّر فيه داخلاً جهة التطفل على التاريخ والحياة بالذات .

في ضوء ما يجري، في ضوء ما نعيش ونفكر، وما نحيا ونموت طبعاً، في ضوء ما نستهلك ولا ننتج إلا حيوات مستباحة من قبل أنظمتنا وساسة أنظمتنا، وكتبة أعلمتنا، وإعلاميات تمجّدها، لا صلة لنا إطلاقاً بما كان، إنما هي غربة تطحننا وتمكر فينا، من قبل الذين يعرّفون بأنفسهم حماة الوطن والشعب .

تنظيمات، أحزاب، مؤسسات ذات أسماء، تكتلات، روابط ثقافية، اتحادات ، منظمات دينية، اجتماعية، نقابية وخلافها، لها شعاراتها المختلفة، وأنظمتها الداخلية، وتتباهى بانتمائها إلى " سقف " الوطن، إنما واقعاً يكون الوطن هو الضحية الأولى والأخيرة، وحتى الحاكم نفسه داخل في هذه " المذبحة " الوطنية، والانتحار الذاتي غير المعلوم بأمره .

ما نعيشه اليوم، على مختلف الأصعدة، لا صلة له البتة بما كان يجري حتى الأمس القريب جداً، وفي ظل غزو الفضائيات الكبرى، التي جلبها سدنة الشعارات الكبرى على مستوى حكام المنطقة، ودعاتهم وحماتهم، ومكننة البلاد بالطريقة التي تجرّدها من كل صيغة اجتماعية، مؤسساتية، وحياتية وطنية موحدة، أي بوصفها مكننة الأرواح وتزييف قواها .

في ظل ما نعيشه اليوم، لا صلة لنا إطلاقاً، بأي حضارة يكال لها المديح، حيث المدن تتحول إطلالاً دارسة، والبشر يساقون إلى الموت المجاني، والمرسوم له بدقة هنا وهناك، وجهات العالم ضجت من هروبهم من بلاد لم تعد بلاداً.

في ظل ما نعيشه اليوم، لا صلة لنا بأي دين، أشير إليه تاريخياً، وفي أمكنته، وأرضياته الاجتماعية والثقافية، إنما هو أي شيء آخر، إلا أن يكون الدين الذي يعيش مستجدات القائم، ويتفعل في ضوء ما يجري من قبل الآمرين به .

في ظل ما نعيشه اليوم، لا صلة لنا لا بالطبرى، ولا المسعودي، ولا اليعقوبي، ولا الواقدي، ولا النيسابوي " بمختلف أسمائه " ولا الرازي، ولا ابن الأثير، أو ابن كثير...الخ، لأن تحديات اليوم، وأنماط التفكير المعلومة، وضعت بيننا برازخ ملتهبة تحول بيننا، وبين أي تفكير فعلي فيما كان، وتحفّزنا بوجوب النظر في الجاري وكيفية الإقامة فيه .

لا صلة لنا اليوم، في ضوء التحديات المميتة التي نعيش أهوالها، ونشهد الموت بالجملة، بكل من الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن طفيل، الغزالي، ابن رشد، لا بابن حزم، ولا الشهرستاني، والتوحيدي الغريب المغترب في وجوده...فما نعيشه من سلوكيات في التفكير والنظر في العالم، وألوان الحياة والموت، يفصلنا عنهم كلياً، حيث أصبحنا غربيين، أو داخلين في " حيازة " ما هو غربي ، والتشبه به، دون أن نعترف بذلك، ودون امتلاك القدرة لمجاراته طبعاً .

لا صلة لنا اليوم كلياً، ببراعة الجاحظ وزئبقياته، وهو يتحدث في مزيا البيان والتبيين، و" فضل السودان على البيضان " وابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث "، وفصاحة المتنبي، ولا حَكَم المعري وسوداوياته، ولا تنظير ابن خلدون في التاريخ وله، لأن نُظَم التفكير، واستقصاءات النظر إلى الوجود، وما نستهلكه من " ثقافات الغرب " المادية والمعنوية، واقعاً، هو الذي يعلِمنا بذلك .

لا صلة لنا اليوم، لا بفروسيات عنترة بن شداد، ولا بشبق النابغة الذبياني، ولا الغزل النعظي لعمر بن أبي ربيعة، ولا مجون أبو نواس، أو زهد الشريف الرضي، ولا ياقوت الحموي في لغوياته، في ضوء ما نشهده من غزو جارف لأنظمة معلوماتية، وخرق الحدود، وأفلام البورنو، وفضائحيات أجهزة " التواصل " ومغامرات مقتنيها .

لا صلة لنا اليوم، بـ" ألف ليلة وليلة "، لأننا نعيش رعب أكثر من ألف نهار ونهار، والطغيان السياسي المميت يحصد الرؤوس والنفوس عربياً وإسلامياً على مدار الساعة.

لا صلة لنا اليوم، حتى بما سطّره وأثاره في كتاباته من أفكار، كل من الطهطاوي، محمد عبده، علي عبدالرازق، الكواكبي، قاسم أمين، البرت حوراني، طه حسين، عبدالله العلايلي، علي الوردي، الجابري، حسن حنفي، محمد أركون، وتيزيني...لأن تحديات الراهن في التفكير والتدبير تحيلهم إلى ماض، مجرد التفكير فيه، يزهق المزيد من الأرواح ويزيد في عتامة الظلام .

لا صلة لنا اليوم، بالأمس القريب جداً، وأعني بذلك، قبل عدة عقود زمنية، فمشاهد الموت والرعب في جهاتنا، تعطّل فينا كل محاولة تفكير بما كان، والنظر إلى ما هو كائن، وما يمكن أن يؤول إليه أمرنا، فلا زالت لغة السيف والسياف فاعلة في جنباتنا، وهناك من لا يتوقف عن الإشارة إليها، استخدامها، كما لو أن الزمن هو نفسه بأطواره الفولكلورية .

ويبدو أن لا صلة لنا بأنفسنا التي انقسمت في الداخل كثيراً، في مهب العنف المتعدد الأشكال والأوجه، فلم يعد هناك من أي أثر للانتماء المواطني، رغم بؤسه، وقد استفحل خطر الانقسامات والقيّمين عليها، كما لو أننا نشهد هلاميات تتحرك، وتتنشط، وتعدي محيطها الواسع، أكثر من كونها " كورونية " طالما أن ليس من تشريح ثقافي ونفسي لها، فلا يعود لدينا من وطن، وله حدوده، ولا هوية فعلية، ولها علامتها الفارقة على مستوى البلاد، ولا حتى كرسي انتظار، للانتقال إلى العالم الذي يخفّف عنا أوجاعنا التي لا قبَل لنا بها، نحن بؤساء التاريخ ذاتياً حقاً .


إبراهيم محمود

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى