جيل رونار Jules Renard - صائد الصور: نماذج من الحكايات الطبيعية.. ترجمة:عبد السلام بن خدة (قاص ومترجم من المغرب)

الإهداء إلى العزيزة شيماء بنخدة

من خلال حكاياته شبه الهايكو، يحضر الكاتب الفرنسي جيل رونار (1867-1910) كرائد من رواد المشهد الميكرقصصي المعاصر.في رائعته (حكايات طبيعية ( 1894) ، يتحول الكاتب إلى صائد صور طبيعية.في شباك عينيه المفتوحتين بسعة الحلم تنحبس حيوانات، طيورٌ،وأشجار حتى،في حركاتها،في ذبذباتها البرّاقة.الأسلوب الفني الذي تُصوّر به هذه الطرائد الحية،يتقلص من ورقة سردية إلى مجرد جملة.لنتابع...
ضفدع
مقدودا من حجر ، يعيش تحت حجر ، وفيه سيحفر قبره .
بشكل متكرر ، أقوم بزيارته ، وفي كل مرة أرفع حجره . أخشى أن أجده و أخشى أن لا يكون هناك بعد الآن .
هو هناك .
مخبأ في هذا الكوخ الجاف ، النظيف ، مرتاحاً يشغله بالكامل ، منتفخا كمحفظة بخيل.ما إن يخرجه المطر ، من تحت الحجر،حتى يبرز أمامي.
قفزات ثقيلة ، ثم يتوقف على فخديه ويرمقني بعينيه المحمرتين. إذا كان العالم الظالم يعامله كأبرص، فأنا لست خائفا من أن أقرفص بالقرب منه وأن أقرب وجهي الآدمي من وجهه.
ثم سأروض الباقي من اشمئزازي، وسألمسك بيدي ، يا أيها الضفدع. نحن ، في الحياة نتسامح مع الكثير ممن نتأذى منهم .
صديقي المسكين ، قلت له،لا أريد أن أأذيك ، لكن ، إلهي ، كم أنت قبيح. فتح فما صبيانيا وبدون أسنان ، مع تنفس دافئ ، وأجابني بلكنة إنجليزية طفيفة : وأنت؟
عائلة من الأشجار

بعد عبور سهل محروق بأشعة الشمس ، التقيت بها . لم تقطن بجانب الطريق ، بسبب الضوضاء . تعيش في الحقول غير المزروعة ، بجانب نبع ماء وحدها التي تعرفه .
من بعيد ، يبدو من الصعب اختراقها . ما إن أقترب منها ، حتى تخفق جذوعها ، ترحب بي بحذر . أستطيع أن أستريح ، أنعش نفسي ، لكن أظن أنها تراقبني وتتحداني . تعيش في جو عائلي ، الأكبر سِناً في العائلة في الوسط و الأحداث ، أولئك الذين ولدت أول أوراقهم للتو ، في كل مكان،دون أن يذهبوا بعيداً .
تأخذ وقتا طويلا لتموت ، وتحتفظ بالموتى منها واقفة حتى السقوط متلاشية .
تُسلي نفسها بالفروع الطويلة لتتأكد أن كل فرد من أفرادها هو هناك، كالعميان تمتلئ غضبا إذا ما حاولت الريح اقتلاعها من الجذور . لا تهمس إلا موافقة . أشعر أنه يجب أن تكون عائلتي الحقيقية . سوف أنسى الأخرى. هذه الأشجار ستجعلني واحدا منها تدريجيا ، ولأستأهل هذا الوضع أنا أعرف ما يتطلبه الأمر : أنا أتقن بالفعل مشاهدة السحب العابرة. أنا أعرف أيضا كيفية البقاء في (نفس) المكان . أنا أعرف تقريبا كيف أظل ساكتا .


الأيل

دخلت الغابة من جانب واحد من المسلك، في حين ، كان هو ،من المسلك الأخر، يتقدم .اعتقدت في البداية بأن شخصا غريبا يتقدم نحوي وعلى رأسه نبات .
ثم ميزت الشجرة الصغيرة القزمة ، ذات الفروع المتباعدة والخالية من الأوراق .
أخيرا ظهرالأيل بوضح وتوقفنا نحن الإثنان .
اقترب.لا تخف .لو كنت أملك بندقية حسب السعة ، فذلك مجرد تقليد للرجا ل الذين يأخذون أنفسهم بجدية. أنا لم أستخدمها أبدا ، وأترك خرطوشاتها في درجها .
كان الأيل يستمع ويستروح كلامي .بمجرد أن صمتت ، لم يتردد قط : تحركت رجلاه مثل سيقان قصب تشبكها وتفكها هبة ريح .
يا للأسف صرخت عليه ..كنت أحلم بالفعل ،بأننا سنسافر معا. أنا ،سأقدم لك، من يدي ، الأعشاب التي تحبها ، وأنت في الممشى ، تحمل بندقيتي على قرونك .

المازور

وأنا أرفع عصا الصيد الطويلة الممدودة جاء مازور و استقر فوقها . لا نملك طائرا براقا مثله .بدا كزهرة كبيرة في نهاية ساق طويلة .كانت العصا تنحني تحت وزنه.
لم أعد أتنفس ، وكلي فخر بأنه تم اتخادي كشجرة من طرف مازور .

اليعسوب
تداوي التهاب عينيها.
من جانب إلى آخر من النهر ، هي لا تكف عن غطس عينيها المنتفختين في الماء العذب.
وتَنُش كما لو كانت تطير بالكهرباء .


الزنبور

مع ذلك ، سوف ينتهي به الأمر إلى إتلاف قامته .


الخفافيش

الخفافيش ، هذه الكائنات ، هُن بنات الليل ، يكرهن الأضواء ،و، من اللمس الخفيف لشالاتهن الجنائزية ، يبحثن عن شموع للإطفاء .

العنكبوت
يد سوداء وكثيرة الزغب تشد شعرا .
طوال الليل ، و باسم القمر ، تضع أختامها .

الضفادع
عن طريق استرخاءات مفاجئة ، تُمَرن الضفدعات طاقتها . تستقر، كمضغط أوراق برونزي على أوراق زنبق مائي كبيرة .
واحدة ، تتجرع الهواء بالإمكان تمرير فلس عبر فمها ، في حصالة نقود بطنها .
تصعد ،كتنهدات ، بطنها .
قاعدة على الأرجل ، مذهولة ، تثاءب عند غروب الشمس .
ثم ، مثل الباعة المتجولين الذين يصمون الآذان في الشوارع ، تصرخ الضفادع بأحدث أخبار اليوم .
سيكون هناك استقبال في منازلهن الليلة ، هل تسمعهن يشطفن نظاراتهن ؟
في بعض الأحيان تتلقفن حشرة وأخريات تشتغلن بالحب فقط.
وجميعهن ، يغوين الصياد بالخيط ذي الصنارة .


الجرادة
هل ستكون دَرَكي الحشرات ؟
طول اليوم ، تقفز وتستبسل في إثر صيادين مخالفين غير مرئيين ،لاتدركهم . الأعشاب السامقة لاتقف حجر عثرة في وجهها .
لاشيء يخيفها ، لأنها تملك أحذية من سبعة أماكن ، عنق ثور ، وجبينا رائعا ، وبطن طائرة مائية ، وأجنحة من السلوليد ، وقرونا شيطانية وسيفا في الخلف .
كما لا يمكن للمرء أن يتمتع بفضائل دَرَكي بلا رذائل ، يجب القول ، إن الجرادة هي مضاغة تبغ.
إذا كذبت ، تابعها بأصابعك ، ِالعب معها في أربعة أركان ، وحين تتمكن من الإمساك بها ، بين قفزتين ، وعلى ورقة من البرسيم ، راقب فمها : فمن خلال فكيها المرعبين تُفرز رغوة سوداء مثل عصير تبغ . لكنك بعد الآن ، لم تعد تملكها بين يديك .غَضَبُها للقفز يتتجدد . بجهد مفاجئ ، الوحش الأخضر يهرب منك . وهشة ، ومُعَرضَة للتلف ، تترك لك فخدا صغيراً في اليد.

الغرغرة

إنها حدباء باحتي. هي تحلم فقط بالجروح بسبب سنمها .
الدجاجات لا تقول لها شيئا : فجأة ، تندفع نحوهن وتضايقهن .
ثم تخفض رأسها،تميل جسمها ، وبالسرعة القصوى لساقيها الهزيليين تجري لتضرب بمنقارها الصلب ، و بالضبط في وسط ريش ذيل الديك الرومي المنشور .
هذا المُدَعي يُزعجها .
لذلك ، الرأس مُزرَق ، العثنون حساس ، مختالة، تحتدم ، من الصباح إلى الليل. هي تقاتل من دون سبب ، ربما لأنها تتخيل دائما أن الآخرين يسخرون من حجمها .
من رأسها الأصلع وذيلها المنخفض .

الباز
يرسم أولا دوائر فوق القرية .
كأنه مجرد ذبابة ، حبة من السخام . يكبر كلما يضيق طيرانه .
في بعض الأحيان لا يزال بلا حراك .
الدواجن تستشعر علامات القلق . الحَمام يعود إلى مخابئه على السطح . دجاجة، وبصرخة قصيرة ، تستنفر صغارها وتسمع نقنقة الإوز اليقظة من فناء إلى آخر .
الباز يتردد ويحوم على نفس الارتفاع . ربما لا ينوي سوى التعرض لديك الجرس ؟
يبدو للعيان ، كأنه معلق في السماء بخيط . فجأة ينصرم الخيط ، يسقط الباز،على الضحية المختارة .
وحان الوقت لمأساة هنا في الأسفل ...



رابط النصوص المترجمة :

هذا النص

ملف
عبد السلام بن خدة
المشاهدات
223
آخر تحديث

نصوص في : ترجمات

أعلى