السيد نجم - 'تجربتان' في أدب الحرب العبري

تعد التجربة الحربية في الأدب من أهم التجارب الكاشفة عن الأبعاد الإيديولوجية والاجتماعية فضلا عن البعد النفسي للأفراد والجماعات، سواء كتبت قبل الحرب للتمهيد لها، أو أثناءها لحفز الهمم، أو بعدها لحصد النتائج. كما أن الكاتب الجيد والأدب الراقي الانسانى الباقي، هو الأدب الحربي الذي سرعان ما يتجاوز الجانب التعبوي/الدعائي/الايديولوجي، ليعبر عن تجربة إنسانية عامة معبأة بالقيم العليا التي تقرها الإنسانية والأديان السماوية. فالتجربة الحربية إنسانية الطابع والمغزى، لكونها ممارسة الإنسان من أجل الدفاع عن الحق والعدل والحرية، وربما الأعمال الأدبية الخالدة من كتابات "أدب الحرب" هي تلك التي ترفع من شأن الإنسان، وتحافظ على قيمه العليا في أشرس تجربة يمكن أن يتعرض لها أحد من البشر.
تلاحظ على الأدب الحربي العبري أنه تمحور حول تجربتين من تجارب الحرب: تجربة "الأسر" وتجربة "الطرد أو التهجير" وقد يصلح مصطلح "تجربة الاجتثاث" التي وردت في بعض القراءات العربية للأدب العبري، وهو الاصطلاح المعبر عن البعد الاستيطاني للهجمة الصهيونية على فلسطين. .. حول تجربة "الأسر" في التجربة الحربية" العبرية

قصة "على حد رصاصة" بقلم الكاتب "ليتسحاق أورباز" (روسي المولد في عام 1923م- هاجر إلى فلسطين عام 1938م – كتبت القصة بعد حرب 1956م).
موجز القصة: "الجندي الاسرائيلي يعرض تقريره على قائده، يقول أنه دخل مغارة، رأى فيها ما يريبه، فقد خرج له فجأة عربي ضخم الجثة، يحمل مسدسا ويهتف "الله أكبر"، ويعيد الهتاف. لكنه وما أن يرى الجندي الاسرائيلى حاملا مدفعه الرشاش حتى يلقى مسدسه وينبطح على الأرض، يمرغ رأسه في التراب، ويظل يتوسل إلى الجندي الاسرائيلى كي لا يقتله. يفكر الجندي، ويشك في أن يكون التفكير عرف طريقه إلى الفدائي العربي، يقسم العربي أنه يحب اليهود، فيسوقه الجندي أسيرا، إلا أنه يفكر في عادة الغدر عادة عربية دنسة. فأمره بالانبطاح وبدأ يضربه، يبين له قدرا كبيرا من القاذورات على جلده، ويرى أسنانه السوداء. يسمع الجندي قصة أخيه الذي قتله اليهود، لكنه لا يعترض على مشيئة الله التي جعلت أخاه يموت في الحرب، وجعلت اليهود ينتصرون في حروبهم على المسلمين... كما سمع من العربي، أنه كان يفكر في بيع سلاحه حتى يصبح بمقدوره جمع الأموال اللازمة لدفع مهر عروسته، كما يحدثه عن الشجرة والأرض في المكان الذي كان له ولأبيه ولأجداده. فيحدث الجندي نفسه: "أن هؤلاء الأوغاد يعرفون جيدا كيف يحركون الأكاذيب"، ويدرك الجندي أن العربي الأسير سيكون مقتلعا من الأرض (أرض أجداده)، ويتساءل: أين سيكون مكانه تحت الشمس، يعود ويقرر أن هذه الأرض هي أرضه هو، وفيها أمله، وهذا هو الفرق بين الجندي الاسرائيلى والأسير العربي. ويبقى السؤال: ما أمل الأسير؟ وما مصيره؟. كان الجندي قد قال في نفسه: "مافيش مهر، ما فيش بنت". إلا أن الضابط قرر أن يجعل من الأسير تجربة للبندقية التركية التي يتسلح بتا الجنود الإسرائيليين ، يقتلون الأسير، قائلين: "ليست هناك أية مشكلة أن أصبح عدد العرب أقل...". ثم يغنى الجنود: "القينا السلام عليكم"، ويقول الجندي: "أما أنا فكنت أنظر إلى قبر صديقي إبراهيم! قراءة: عملية الأسر تمت بكل سهولة ويسر، حيث استسلم الفدائي العربي، دون أدنى مقاومة، وحتى محاولة للدفاع عن النفس بالمبادرة في الصراع.. الحوار الذي دار بين الجندي الاسرائيلي، يضيف البعد الساخر من الجندي على العربي، ويعبر عن وجهة نظر العبري المتغطرس.. الخاتمة، تبدو لإضافة المزيد من السخرية على العربي، فأي نظرة تعنى تلك النظرة الأخيرة التي ألقاها الجندي على مقبرة الأسير بعد مقتله؟.. تبدو "المفارقة" وسيلة القاص في نقل أفكاره عن طريق القصة، منذ البداية كان الاستسلام والجبن، ثم رغبة الفدائي في بيع سلاحه وهو في حال يلزمه التفكير في شراء سلاحا ليدافع به عن نفسه.. وفى الختام تنطلق نظرة "السلام"، ربما تعنى سلاما تلك النظرة الأخيرة التي انشغل بها الجندي بتأمل مقبرة العربي.
يبدو العربي بلا قضية يحارب من أجلها، مع بداية الأسر أخبر الجندي برغبته في بيع سلاحه حتى يدفع مهر عروسه.
أوصاف مباشرة للعربي: الخوف والجبن – رعديد – بلا إحساس بالكرامة – انفعالي – لا يملك القدرة على التفكير المنطقي – غدار وخائن – قذر الملبس والجسد – مستسلم – كاذب ووغد – ليس له حضور أو قيمة، بحيث يقتل ويختفي ولا يشعر القارئ بفقد عنصرا حيويا في القصة.. أوصاف الجندي الاسرائيلى: يبدو وكأنه –عمدا– على النقيض من أوصاف العربي.. شجاع ومقدام - ذو عزة وشمم – متعقل في أشد وأقسى المواقف – حذر – يلتمس حسن المظهر والنظافة فيه وفى غيره – غير قدري ومتعقل – تنتهي القصة، بينما يدفن العربي ينشغل الجندي بالنظر إلى قبر صديقه، بما يعنى أنه لا يحمل إلا الرغبة في الصداقة أو السلام، وهو موضوع آخر يبقى لمشاغلة القارئ، حتى بعد انتهاء القصة.
كما توجد قصص أخرى تتناول تجربة الأسر وتضيف إلى القصة السابقة، بعض من أجزاء الصورة.. تصور نظرة الاسرائيلى إلى العربي، وطريقة التعامل معه في أقسى تجربة يتعرض لها إنسان (الأسر). قصة "خريف أخضر"، للقاص "ناتان شاحم" تبدو معاملة الأسرى العرب أقرب إلى معاملة الأشياء الزائدة عن الحاجة والنفايات، التي لا جدوى منها، ولا يصلح معها غير القتل، والقتل في شماتة وانتقام.
ففي قصة "خريف أخضر" للقاص "ناتان شاحم" يقول: "وعندما كان الأسير يسير في طريقه في السلسلة الجبلية يعلو فجأة على لغم، وقد أحسنا معه عملا عندما رميناه برصاصة، وأحقنا جثته بعد ذلك". وفى نفس القصة يتحدث عن "أسير" آخر فيقول على لسان أحد الجنود الإسرائيليين: "وأطلقنا عليه صلية/خزينة رشاش أردته قتيلا، إن الطريقة التي قتل بها لم تعجبني، لأنني كنت أحب أن يموت بانفجار لغم تحته"
هناك وجهة نظر أخرى قد يراها البعض من الكتاب، كشفت عنها متابعة قصص تجربة الأسر في أدب الحرب العبري.. حيث يبدو الكاتب وكأنه يشعر بالشفقة تجاه "الأسير"، إلا أنه يشعر أيضا بقوة قاهرة عليه، ألا وهى قوة "المؤسسة العسكرية، أو سطوة البعد الأيديولوجي الذي ينفذ بالقوة". قصة "مباراة سباحة" للقاص "بنيامين تموز" (ولد في مدينة جركوف سنة 1919م، هاجر إلى فلسطين سنة 124م):
تبدأ القصة بعرض لصورة علاقة صداقة بين عربي وضابط صهيوني، وقد جمع بينهما "بركة" ماء، قررا أن يتسابقا كما اعتادا من قبل. استمرت المنافسة حتى انقض على الموقع مجموعة صهاينة مدججين، أطلقوا النار على العربي، ليموت في اللحظة، ولا يجد الضابط (الصديق) الصهيوني حيلة لأن ينقذه. يرغب هو في ذلك، لكن سطوة المؤسسة العسكرية أقوى وأشد وطأة. قصة "الأسير" للقاص "يزهار سيملانسكي" (ولد في فلسطين، يسمى أيضا س.يزهار أو سامخ يزهار- عمل في السياسة وأصبح عضوا بالكنيست حتى بعد سنة1967م – كتبت القصة سنة 1949م).
فيها يعرض القاص لمجموعة من الجنود الصهاينة داخل إحدى القرى العربية، خلال فترة هدنة بين العرب واليهود فترة معارك سنة 1948م. يلتقط القاص زاوية أسر أحد الرعاة العرب والتحقيق معه. تنتقل أحداث القصة من بداية القبض على الراعي العربي وغنمه بواسطة الجنود اليهود، ثم نقله إلى مقر المعسكر، وهناك يبدأ التحقيق العسكري معه، ثم يقرر المحقق إرساله في سيارة جيب إلى معسكر القيادة.
تبدو القصة من الأعمال الفنية في أدب الحرب التي تتناول تجربة الأسر من رؤية "العربي"، حيث قدم القاص شخصية الراعي العربي على قدر كبير من الدهشة (وهى أبرز صفاته) وهى التي تثير التساؤل بالتالي في ذهن القارئ.. لماذا يأسرون هذا الراعي وغنمه؟!
يقول الكاتب العبري "أيهود بن عيز"، في قصة "على حد رصاصة" للراوي وكأنه من دون صفات إنسانية، وانه مجرد حيوان، ثم يكتشف فيه أنه يمكن أن يكون أنسانا (مثلنا أي مثل اليهود) فيعطف عليه ويشاء أن ينقذه (كما في قصة مباراة سباحة)..وهى رؤية يمكن أن تناقش وتفحص. .. حول تجربة الطرد والتهجير (الاجتثاث) تعد الأعمال الأدبية التي تتناول تجربة "الطرد" من المنزل/ القرية/ المدينة/ البلاد، من التجارب الشائعة في أدب الحرب العالمي، ومن أكثرها تأثيرا على القارئ، لكونها تحمل في طياتها عبء المشاعر الإنسانية المكلومة من جراء "الحرب"، ففيها القتل والتخريب وسقوط كل القيم التي قد تتبقى أثناء العمليات الحربية التقليدية.. لعلها ذروة مأساة الحروب.
لم تخل الأعمال الأدبية في الأدب العبري من تناول تلك التجربة، ولكن تبدو أشد وطأة على نفس العربي، خصوصا أن الطرد والتهجير، يبدو كفكرة ويقين ضمن مفاهيم العبري، قبل أن قبل أن يكون فعلا حادثا على الأرض. رواية "جذور في الهواء" للكاتبة العبرية "روت المعرج" (ولدت في فلسطين سنة 1936م- لوالدين المانيان، هاجرا إلى فلسطين في 1933م).
صدرت الرواية في أعقاب معارك 1967م، وصدرت في عام 1987م. تروى عن ذلك اليهود الذي كاد يتعرض للهلاك في الصحراء الفلسطينية، أنقذه العربي الذي صادفه، وأعطاه الماء ليشرب والطمأنينة ليهدأ.. "أخذ الماء ينساب إلى داخل فمه الذي فتحه أحدهم بقوة، ثم سمع شخصا يقول له: "يا خواجة، يا خواجة". عندما فتح عينيه شاهد عربيا شابا ينحني فوقه ويصب الماء في فمه من قربة ماء. الآن وبعد أن فتح عينيه، وضع العربي يده خلف رأسه وقرب الأخرى بحرص إلى فم اليهودي، وأخذ يصب الماء من القربة. بعد أن شرب "لقدونى" –اليهودي- قليلا من الماء، عاد واستند برأسه على جذع شجرة صبار، جلس العربي وأخذ يتطلع إليه، كان الشاب العربي أقرب إلى الصبي، كان جميل الطلعة وعينه على شكل ثمار اللوز ولكن بدتا –ولسبب ما- أشبه بالشجيرات التي اكتست باللون الأزرق، ربما لأن اللون البني وحرارة الجو أضفت عليها بريقا ورطوبة، جلد بشرة وجهه الأسود قوس، ولكن عندما ابتسم، كشف عن عيوب في أسنانه، أمسك "لقدونى" بالعربي من كم جلبابه، وقال له: من أين أنت؟ أجاب الفتى: "من غزة". حاول "لقدونى" الجلوس ولكن قواه لم تسعفه، ولذا مد يده إلى الأمام، وهنا انتصب الشاب العربي واقفا وأمسك بيدي "لقدونى" وجذبهما ليساعده.."
"قال العربي: هنا يوجد يهود ليسو ببعيد وأشار بيده في اتجاه الجنوب الشرقي، قال "لقدونى": اليهود يعودون إلى وطنهم، وأنت: هل سبق لك أن زرت مكة، كرر العربي القول: هناك يوجد، لكن "لقدونى" ازداد تعنتا وقال: "بلادكم كبيرة وواسعة ومترامية الأطراف، النبي مدفون هناك، هناك وطنكم، لماذا لا تعودون إليه مثلما عدنا نحن إلى وطننا؟!"
"ظهر الغضب على وجه العربي الذي رد قائلا: "هذا هو مكاني... انه هنا وليس لدى أي مكان آخر. قال "لقدونى" بشيء من اليأس: "الأحلام تراودنا، نحن نحلم فقط، كل شيء هباء"، ثم قال محدثا نفسه: "إذا نجح العمل اليهودي، فماذا سيكون مع هؤلاء؟ ما الذي سنفعل معهم؟ مشاعر مؤلمة غمرت قلبه حتى انه وبدون أن يدرى مد ذراعه ولمس اليد السمراء للشاب العربي، ولكن سحبها فجأة لأنه رأى على وجه هذا العربي ابتسامة تعكس سوء نية محتملا"
وتدور أحداث الرواية في إطار فكرة أساسية، يروجها بين كل أرجاء فلسطين، ألا وهى: نزوح العربي الفلسطيني عن فلسطين، والذهاب إلى بلاد الحجاز حيث يقيم نبيهم"!! قراءة: جوهر الرواية يعتمد على فكرة الاعاز بالطرد أو التهجير لسكان أرض فلسطين العرب، إلى بلاد الحجاز، بلاد نبي المسلمين.. عادة ما يتم طرح تجربة الطرد أو التهجير في الروايات الحربية، سواء في الأدب العربي أو العالمي، من خلال تجربة طرد فعلية مع سرد الوقائع والأحداث، أما تلك الرواية العبرية فهي الوحيدة التي تتناول الفكرة من حيث كونها هدفا وبعدا إيديولوجيا.. يعد تعبير "اجتثاث" الشائع في الدراسات العربية أقرب إلى التعبير عن الدلالة الصهيونية لتلك التجربة في الأدب العبري.. الفقرات الواردة سلفا تعكس: وجهة نظر اليهودي من العربي، ووجهة نظر العربي، التي لم تزد عن الرفض المشبوب بالدهشة.
حسن معاملة العربي إلى حد إنقاذه لحياة اليهودي، لم تغير من وجهة نظر اليهودي، بل تمادى في فكرته حتى أنه طرح فكرة الشك في إقامة سلام بين اليهودي والعربي على أرض فلسطين.. طرح فكرة "السلام" تبدو غائمة عند اليهودي، وقد عبر عنها بالحيرة.. كيف سيكون المستقبل في سلام مع هؤلاء العرب؟ نماذج أخرى..
قصة "حادثة جبرائيل تيروش" للقاص "يتسحاق شليف" لا يرى الكاتب أن اللقاء بين العربي واليهودي لا يكون إلا أثناء الحرب وفى ساحات المعارك. يبرر المدرس لتلامذة أثناء درس التاريخ الأول حول الحروب الصليبية، ويقول: "لن يترك الفلاح العربي المكان إلا باجتثاثه"
يعود المدرس العبري ويقول: "والسؤال الآن: من ذا الذي سيجتث الآخر؟ علينا أن نتذكر أن في وسع الفلاح الشرقي أن يصبح صلاح الدين...".
يناقشه بعض تلاميذه قائلين: "أن في البلاد متسعا للشعبين"... لم تكن المناقشة سوى سذاجة أفكار تدور في رأس الصغار، وإلا لماذا ختم المدرس القصة قائلا:
"يجب أن تنزعوا من نفوسكم كل تفكير بأنه قد يأتي عربي طيب"
إن الفاحص لأدب الحرب يجد العديد من التجارب التي يمكن أن يعبر عنها في إطار التجربة الحربية (مثل البطولة –عودة الجندي – الحصار وغيرها)، إلا أن أدب الحرب العبري لم يزد عن كونه أدب أيديولوجي، موظف لخدمة الأهداف الصهيونية.. ولأن الصهيونية تعتقد أن الأرض التي احتلوها بلا شعب، فلم يخطى أحدهم ويواجه فلسطيني كانسان/محارب بالمعنى الواقعي والفني.. الطريف أن انسحبت تلك الرؤية ومارسوها مع العربي المصري والسوري في الأعمال التي اختارت سيناء والجولان مكانا لها. السيد نجم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى