أمل الكردفاني- أشخاص أحياء- مسرحية من مشهد واحد

المنظر:

"قاعة دي جي خالية، في المنتصف، أجهزة الصوت يقف خلفها جابي وهو في الستين من العمر ويضع سماعات ضخمة على أذنيه وعلى الأطراف مكبرات صوت ضخمة"
" يرقص جابي وهو مغمض العينين"
تدخل الفتاة وهي في الثامنة عشر..تتجه نحوه بفضول وتأخذ السماعة وتضعها على أذنيها.."
الفتاة: (مندهشة) لا يوجد صوت..
جابي: يوجد صوت..(يخلع السماعة من رأسها ويضعها على اذنيه ويغمض عينيه ويرقص"
الفتاة: (تضع كفيها على خصرها وتنظر له باستغراب..ثم تخلع السماعة من أذنيه وتضعها على أذنيها) ولكن..لا يوجد صوت..
جابي: أنتِ صماء..
الفتاة: لستُ صماء..
جابي: ما اسمك..
الفتاة: لا اسم لي؟ وأنت؟
جابي: جابي...
الفتاة: لماذا جئت إلى هنا؟
جابي: ولماذا لا آتي؟
الفتاة: عذراً ولكنك عجوز...
جابي: (تتسمر نظراته) أووه.. عجوز...أنتِ متنمرة..
الفتاة: (تحتج) لست متنمرة..ولكن هذا ديجي..هذا لنا نحن..
جابي: إحتكار غير مؤسس على أرضية صلبة..
الفتاة: ماذا تعني؟
جابي: أعني أنني أرقص أفضل منك..واستمتع بالموسيقى الصاخبة أكثر منك..
الفتاة: ليست صاخبة..
جابي: (بحيرة) آها..ليست صاخبة..لقد اخطأت..هذا هو الفرق إذاً...
الفتاة: إن حبيبي راقص ماهر..لقد واعدني هنا..لكنه تأخر..
جابي: لن يأتي..
الفتاة: (محتجة بغضب) وكيف تعرف أنت؟
جابي: (بحيرة) هل أفقد الأمل؟
الفتاة: (تضحك)
جابي: ما معنى ذلك؟
الفتاة: ماذا؟
جابي: هذه الضحكة؟
الفتاة: إنني في عمر حفيدتك؟
جابي: ليس لدي حفيدة..
الفتاة: أقصد..لو كان لك حفيدة..
جابي: إنني نظيف..لدي عضلات قوية..سيقاني كذلك قوية..لست قبيحاً..قليل من المال..منزل وسيارة..
الفتاة: هل هذا عرض؟
جابي: لا...ليس عرضاً...لكنه سؤال..
الفتاة: (تنظر في ساعتها) آه..متى سيأتي؟...
جابي: هل ترتدين نظارة شمسية في الليل؟
الفتاة: (مندهشة) نعم..كيف عرفت؟
جابي: الورقة .. إنك لم تقرأي الورقة التي على مدخل المرقص..المرقص مغلق اليوم...
الفتاة: (بفزع) يا إلهي..لابد أنه قد أتى وقرأ الورقة فغادر..
جابي: إنه لم يقرأ الورقة..
الفتاة: وكيف عرفت؟
جابي: لأنه لم يأتِ..
الفتاة: وكيف عرفت؟
جابي: ببساطة لأنه لم يتصل بك في لحظتها..
الفتاة: لعله كان مشغولاً..
جابي: بالتأكيد كان مشغولاً..
الفتاة: كيف عرفت؟
جابي: يبدو أن حبيبك يمتلك سيارة رياضية..
الفتاة: (مندهشة) نعم كيف عرفت؟
جابي: أليس لديك سؤال غير هذا؟
الفتاة: (بشراسة) لا وعليك أن تجيبني..هل رأيته..هل تعرفه؟
جابي: لا..ولكنك تتمسكين به بقوة رغم أنه يسخر منك باستمرار....
الفتاة: (بغضب) ماذا تقول؟ من أخبرك بهذا الهراء؟
جابي: غضبك الآن..
الفتاة: (تهم بالبكاء) لست غاضبة..
جابي: من أي بلد أنتِ؟
الفتاة: لماذا تسأل؟
جابي: لهجتك غريبة..هل أنت لاجئة؟
الفتاة: كيف عرفت؟
جابي: هوووه يا فتاتي الصغيرة...إن شبكة من التكرار تحاصر سلوكياتنا فتجعلها مفهومة للآخرين...
الفتاة: لم أفهم..سأغادر...
العجوز: (يمد ذراعه) يمكنك أن تبكي في حضني إن أحببتِ..
الفتاة: لا..لا أريد (تتحرك نحو الخروج ثم تعود وترتمي في أحضانه وتجهش بالبكاء)
جابي: إنك خائفة..لكنه لا يناسبك يا بنيتي..(تظل الفتاة تبكي في حضنه).. كلنا كنا نخاف..وكان الخوف يحزننا..نحن الآن نحزن دون حاجة للخوف..ولكننا أحياء..إن كل شيء يستقر..وكل من التقينا بهم ونحن في مثل عمرك اختفوا تماماً حتى نسينا ملامح وجوههم..حتى حبنا الأول أضحى قضية قابلة للتأويل المضحك..
الفتاة: (تمسح دموعها) سأغادر..
جابي: ادخلي إلى الحمام واغسلي وجهك وضعي الأصباغ عليه..هذا سيساعدك قليلاً...
الفتاة: حسنٌ..(تغادر ببطء)..
جابي: (يضع السماعات على أذنيه ويرقص)..
(يدخل موظف الضرائب، وهو قصير ومنتفخ الكرش)
الموظف: آه يا جابي المتصابي..لا زلت تلاحق الفتيات الصغيرات..
جابي: لا تقل هذا أمام صديقتي الصغيرة..
الموظف: (بدهشة وحسد) صديقتك الصغيرة؟ أنت تمزح؟
جابي: سوف ترى..
الموظف: ولكن كيف تفعلها كل مرة..؟
جابي: الخبرة..
الموظف: ولكنك عجوز...
جابي: لذلك أنت لا تصدقني..أنت تفهم الوجود من حولك بحسب ما قاله لك المجتمع..
الموظف: أراهنك بتخفيض ضرائبك على أنك تكذب..
جابي: موافق..
الموظف: وأين هي؟
جابي: إنها في الحمام.. تستعد...
الموظف:(يضرب بقدمه الأرض معترضاً) ولكن هذا جنون..
(تخرج الفتاة وتتقدم نحو جابي وتطبع على خده قبلة ثم تغادر وموظف الضرائب يراقبها بحنق ودهشة حتى تخرج)..مستحيل..أكاد أجن...
جابي: كم ستخفض الضريبة؟
الموظف: ولكن كيف؟
جابي: أنت من ورطت نفسك..
الموظف: كيف تفعل ذلك؟ أريد أن أفعل مثلك..
جابي: آه...يبدو أنك انجبت ستة أطفال..
الموظف: (بدهشة) كيف عرفت؟
جابي: زوجتك غالباً ربة منزل..إنها لا تعمل..إن رجلاً مثلك يصعب عليه أن يتزوج بامرأة عاملة..
الموظف: (بغضب) ماذا تقصد برجل مثلي؟
جابي: أقصد رجلاً لا يستطيع إيقاع الفتيات في حبائله..
الموظف: أنت لم ترني أيام الشباب..
جابي: أشك في ذلك..
الموظف: أقسم لك...
جابي: لقد كنتَ إنساناً أقل من عادي أيام الشباب..منطوِ على نفسك..تخاف من المغامرات..تفضل السلامة..توظفت في وظيفة لا تسمح لك بأي ترقية..لكنها أفضل من لا شيء..ثم تزوجت ابنة امرأة تسكن جوار خالتك.. فتاة نصف سمينة ترتدي نظارة طبية..واخترتما الحياة هكذا..
الموظف: (بفزع) اللعنة..كيف عرفت ذلك؟
جابي: إن شبكة من التكرار تحاصر سلوكياتنا فتجعلها مفهومة للآخرين...(ثم فتح ذراعه) يمكنك أن تبكي في حضني يا عزيزي..
الموظف: (بغضب) لست شاذا لأفعلها مع رجل...(يهم بالمغادرة لكنه يرتد بسرعة ويلقي بنفسه في أحضان جابي ثم يجهش بالبكاء)..
جابي: هناك أزمة إنسانية..ويبدو أنها تاريخية ومزمنة..والأفلام الأمريكية تعمق إحساس البشر بوجود نقص كبير في ممارسة حياتهم..(يمسح الموظف دموعه ويغادر)...بعد التغيرات التي حدثت كان عليَّ أن أستفيد منها..فأنشأت هذا المرقص..تركت التدريس الجامعي وتفرغت للمرقص..لم أشعر بأي انحطاط بل على العكس..لقد انتابني إحساس فريد بالحياة..من رؤية الطلاب البائسين الذين يندفنون داخل الكتب المقررة، إلى الشباب الراقصين هنا...الطلاب يتخرجون وقلة منهم تنال فرصتها في التطور العلمي لحماية الحياة..والأكثرية تفشل في ذلك وتأتي للمرقص هنا لتمارس الحياة..إن ذلك تكامل مدهش...
(يدخل رجل عجوز وهو استاذ مدرسي سابق)
الأستاذ: عمت مساءً يا جابي..
جابي: لماذا أتيت لمرقصي..لقد كنت أحد من قادوا الحملة القضائية ضد إنشائه هنا..
الأستاذ: آه..لم أعد أعرف إن كان موقفي كان صحيحاً أم خاطئاً..في بعض الأيام يشتعل الحي بالشجارات الدموية بين رواد المرقص..لكنني أصدقك القول بأن المرقص قد جعل شوارع المنطقة أكثر حيوية..بائعو المشروبات تجمعوا حول المرقص..ثم تلاهم أصحاب البازارات..ثم محلات الموسيقى وخلال سنتين فقط ارتفعت أسعار العقارات بيعاً أو إيجاراً..وكل ذلك بفضل مرقصك..
باجي: لولا أمر وقف التنفيذ المؤقت الذي أصدرته المحكمة بسبب دعواكم لكان المرقص قد أنشيء قبل أربع سنوات من الآن..
الأستاذ: كل شيء مقدر يا عزيزي..
جابي: لا.. إن التقديرات الخاطئة يجب أن ننسبها للبشر الذين قدروها وليس لله..
الأستاذ: حقاً...أنا آسف على ما حدث..لكنك أنت أيضا انقلبت من رجل محترم لصاحب مرقص..
جابي: رغم أنني أفهم هذا النوع من اللمز ولكن صدقني..أنت نفسك كنت ترقص قبل أن تصبح عجوزاً فهل كنت شخصاً غير محترم عندما كنت ترقص..دعني أذكرك برقصك في زواج حفيدتك...
الأستاذ: رقص عن رقص يفرق..
جابي: هكذا يستطيع الناس دائماً التبرير لأنفسهم..حتى المجرم الذي يذبح إنساناً يكون قد برر جريمته لنفسه قبل أن يرتكبها...
الأستاذ: هذا صحيح..يبدو أن التطرف وعدم فهم الذات مزروعة في جيناتنا البشرية..
جابي: إنني أفهم ذاتي جيداً..
الأستاذ: هذا جيد..
جابي: هل تريد أن ترقص..
الأستاذ: (يضحك)
جابي: هيا (يشغل أغنية) أرقص الآن..دعنا نرى إن كنت حاذقاً كأيام شبابك أم لا..
الأستاذ: حسنٌ (يبدأ في الرقص)
جابي: (يصفق) برافو برافو...أنت تنجز جيداً..
الأستاذ:(يتوقف) لكنني تعبت..
جابي: لو رقصت كل يوم فسصبح جسدك أقوى..وروحك أيضاً..
الأستاذ: واقترابي من الموت أيضاً..
باجي: لو رقصت فلن تخاف من الموت...
الأستاذ: لا أعرف..لكنني بت أخاف كثيراً من الموت..
جابي: ولذلك انشأتُ هذا المرقص.لأكون سعيداً حتى آخر لحظة من حياتي..هذا العالم مليئ بالمتفلسفين..وحماة العقلانية.. والكتب التي لا يقرؤها أحد..وملايين الأبحاث المركونة على الأرفف بلا فائدة...إنهم يزيدوننا تعاسة..
الأستاذ: لماذا نحن هنا؟
جابي: (يفتح ذراعه) لا أحد.يعرف..هيا..ارتمِ في أحضاني وأبكِ كما تشاء..
الأستاذ: (يرتمي في حضن باجي ويجهش بالبكاء)..
جابي: يكفي هذا..تحتاج للشرب..
الأستاذ: (يكفكف دمعه) الشرب يزيدني كآبة...سأغادر..(يخرج)..
جابي: ما هي الريح؟ يقولون أنها حركة ذرات الهواء والتي تنتج عن سخونة الأرض وبرودتها..يقولون أنها تنتج عن حركة الأرض حول الشمس أيضاً..لم أعرف أبداً أن الهواء ذرات..كنت اعتقد أنه مجرد فراغ..ولكن في كل الأحوال فهناك ريح تضرب أجساد الراقصين عندما يتحركون بخفة..تلك الذرات الصغيرة غير المرئية تمنحهم شعوراً بالنشوة وهم يحطمونها بحركات سيقانهم وأيديهم..إنهم يمثلون دور البرودة والسخونة..وحركة الأرض..ويمكنني أن أجزم أن هناك رابطاً يوحد كل الوجود مع الراقصين في تلك اللحظة..
(يدخل فتى في الثامنة عشر من عمره)
الفتى: يا جابي...لماذا أغلقت الدي جي.
جابي: لأمنحكم فرصة صنع تشكيلات جديدة من الرقص..لقد أصبحتم مملين في الآونة الأخيرة..
الفتى: (بدهشة وحزن) حقاً؟
جابي: حقاً...لا يوجد سوى رقصة المروحة ورقصة البطة ذات الساق المكسورة ورقصة العنكبوت المجنون ورقصات أخرى تتكرر وتتكرر..أين الإبداع..يبدو أنكم قد فقدتم براعتكم وخيالكم..
الفتى: بالعكس..سوف ترى رقصات جديدة يا باجي أقسم لك..إن مجموعتنا مجموعة عقارب السماء ستلدغ باقي المجموعات لدغات سامة قاتلة..أقسم لك..سوف نفوز هذه المرة..لقد أستعددنا جيداً..
جابي: سنرى..
(يخرج الفتى)
جابي: هذا وحده الذي لا يحتاج ذراعي ليبكي.. ألا يمكننا أن نستعيد روحهم هذي؟.. كل شيء يمضي لا يعود...
(تدخل السيدة روحا في منتصف الخمسينات)
روحا: جابي أيها الفتى الوسيم..
جابي: (يتحدث إلى نفسه) روحا روحا.. السيدة الخفيفة (يتحدث إليها) حبيبتي روحا..
روحا: كم أتمنى أن ترقص معي يا جابي..
جابي: ساقي تؤلمني يا روحا...البارحة حاولت القيام برقصات غبية مقلداً الشباب..لكنني بدلاً عن ذلك لويت كاحلي..
روحا: (بجزع) سلامتك حبيبي..(تنحني لترى ساقه)..
جابي: لا لا ..لا داعي لرؤيتها..رغم أن لمس يديك لها سيشفيها لا محالة..
روحا: (بغضب) أنت تتهرب من الرقص معي..
جابي: أبداً أبداً..كل مافي الأمر أن ساقي فعلاً تؤلمني..
روحا: متى نعيش سوياً يا جابي..أنا محتاجة لك...
جابي: أوووه حبيبتي..هل تعلمين أين نحن الآن؟
روحا: لا..أين نحن..
جابي: إننا في اللا مكان يا حبيبتي..في اللا مكان..
روحا: كيف هذا؟
جابي: نحن لسنا في دولة محددة..ولا داخل ثقافة محددة.. نحن نتشارك بشريتنا الضائعة فقط...
روحا: لسنا في دولة محددة؟ كيف هذا؟
جابي: اخبريني أنتِ..في أي دولة نحن؟
روحا: (تفكر بحيرة).. لا أعرف..
جابي: وما هي ثقافتنا؟
روحا: (تفكر بحيرة) لا أعرف...(تحتضنه بخوف) جابي..إنني أشعر بالفزع..
جابي: لك الحق في أن تفزعي يا حبيبتي..لك الحق..من أين أتيتِ الآن يا روحا؟..هل تعلمين؟..
روحا: (تخفي وجهها داخل حضن جابي وتهز رأسها) لا أعرف..لا أعرف..جابي..جابي..من نحن..
جابي: هل تحبينني يا روحا؟
روحا: أكيد يا جابي..
جابي: متى أحببتني يا روحا؟
روحا: (تهز رأسها داخل أحضانه) لا أعرف يا جابي..لا أعرف...
جابي: (يمسح شعرها بيده) .. لا شيء جديد يا فرحا...إن شبكة من التكرار تحاصر سلوكياتنا فتجعلها مفهومة للآخرين...لماذا؟ لأن الآخرين متطابقون معنا...؟ هل فهمتِ؟ إذا لم تكوني تعرفين فتأكدي أن الآخرين أيضا لا يعرفون...لذلك فليس عليك أن تخافي...كل ما يجب عليك أن تفعلينه هو الرقص...(يدفعها بخفة عن جسده ويشغل الموسيقى الصاخبة)..أرقصي الآن..
روحا: سترقص معي؟..
جابي: بالتأكيد..
(يلتقط يدها ويبدآن في الرقص)


(ستار)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
26
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى