عبد الفتاح المطلبي - عينُ الدُمية

(أكتب بنفس الجدية التي يلعب بها الأطفال)
خورخي لويس بورخس

كانَ عليَّ أنْ أفعلَ شيئاً قبلَ ذلكَ اليوم الذي سأخبركُم بما جرى فيه من أمورٍ تبدو عاديّة ما كانت لتلفتَ انتباهي يوماً لولا اطلالتي على ماحولي منْ وراءِ عينِ الدميةِ وكانَ ذلكَ بمحضِ الصدفة، إذ أنني ما اعتدتُ أن أرى الأشياءَ أو أن أصفَها بهذا الوصفِ قبل هذا اليوم، لم أستطع استيعابَ تلك الأمور ولم أفهمْ ما جرى لفرطِ بساطة الحدث فقد جرى كلُّ شيءٍ دون توقعٍ، كنتُ سائراً بقدمين أدمنتا الدربَ حتى أنني لم أفكرْ بالنظرِ إلى تفاصيلِ الأشياءِ،منشغلاً بما حولي من هلامٍ لزج وصريرٍ مزعجٍ ينتج عن مفاصلِ أخطائِنا الفادحةِ،أعني نحنُ الذين تجاوزنا سنّ رشدَنا، والعبث الذي يحيط بالحياة ويلوث النظراتِ ويربكُ الأرواحَ،ولم أتذكّر يوماً طفولةَ الحياةِ وجمالَها الملفتَ كأنني من السحالي التي تبيضُ ولا يعنيها بيضَها، تتوهُ عنه و أحيانا تأكلهُ هي دون أن يهمّها إن كان بيضَها أو بيضَ غيرِها، يالها من حياةٍ تقضمُني بشراهةٍ، كنت أفكربما يحصل، بأولئك الذين يعبثون بالحياة وبي أنا الذي قبلتُ ذلك العبث دائما بروحٍ أنهكَها العجزُ و العمَى، أفكاري مشوشةٌ وموقفي من الحياةِ عصيبٌ،أشعرُ أن الطرقاتِ هي التي تمشي من تحتي تماما كما لو أنني أسيرُ في فراغٍ و بلا تقدمٍ، تتحركُ ساقاي ويتقدمُ عددُ خطواتي لكنني ما زلتُ في المكانِ ذاتِه أندثرُ رويدا رويدا دون أن أستطيعَ فعلَ شيءٍ ذي بالٍ وكأنّ رأسي قد أغلق بتلك الجدران الكونكريتية العملاقة بيدَ أنّ ذلك اليومَ الذي وقعتْ على رأسي فيه الدميةُ الصلعاءُ من تلك الشرفةِ والتي أحدثتْ دويّاً هائلا في رأسي تردد صداهُ في داخلي ثم ارتطامها بالرصيفِ الكونكريتي الصلبِ بقوةٍ واضحةٍ و انفصالِ رأسِها عن جسدها صانعة صوتا شبيها بصوت سقوط حجر لكنها لم تتفتت مثل حجرٍ وراح الرأسُ يتدحرجُ ثم ارتطم بقوة بجانب الرصيف، خُيّل إلي أنّهُ يصيح ويتألم قبل أن يستقر وبعد زوال صدمتي والدهشةِ التي تلبستني تناولتُ الرأسَ فوجدتُ أنّ عينيهِ قد خرجتا من محجريهما وكان الشارعُ يسلكهُ صبيةُ المدارسِ، الرأسُ يشبه كثيرا رؤوسَ أولئك الصبية، تأسفتُ لذلك كثيراً وعندما طأطأتُ رأسي نحوَ الرصيف وجدتُ إحدى العينين ولم أجدِ الأخرى رغمَ استخدام بنانِ أصابعي الخمسةِ في تلمّسِ خشونة الإسمنت لمحاولة العثورِ على العينِ الثانيةِ ولكن دونَ جدوى، رفعت رأسي إلى فوق لأرى ما أفزعني حقاً إذ كانتِ الطفلةُ تدلقُ نصفَ جسمِها من الشرفة تمد يديها نحوي بقوة وكأنها تصرخ ورحتُ أشيرُ إليها بالرأسِ الذي أمسكتهُ بكلتا يدي لكنها اختفتْ في اللحظة التالية مخلفةً ورائها ارتياحاً بداخلي فشعرتُ ببهجةٍ عارمةٍ لأنها لم تحقق مخاوفي من سقوطها كانت عينُ الدميةِ بين أصابعي أقلبها عندما كانت الطفلة تنظر إلي من فوق ولم أنتبه إليها لحظةَ إذْ وضعتُ الرأسَ على الرصيف ظاناً أنّ أحداً سينزل ليأخذه ويرده لجسده الذي يستلقي ليسَ بعيداً عن رأسهِ وكانتِ الطفلةُ ملهوفةً على دميتها الصلعاء انتظرتُ قليلاً ولما لم ينزل أحد من فوق وضعت الرأس بجانب الجسد محاولا التغطيةعلى أسفي الشديد وانسللتُ مواصلا سيري................

وعند جلوسي في المكان المخصص لي كما كلِّ يومٍ وبعد فراغي من عملي المقرر لهذه الساعة راحت أصابعي تتحسسُ عينَ الدميةِ التي استقرّت بجيب سترتي الجلدية فقد وضعتُها في ذلك الجيب دون قصدٍ مني لانشغالي بالخوف على تلك الطفلة من التردي إذ كانت الشرفة تقع في الطابق الرابع وعندما حاولت أن أشير إليها برأس دميتها لتطمئن عليه خمّنتُ أنني وضعتُ عينَ الدميةِ في جيبِ السترة دون شعورٍ مني بذلك، أخرجتُ العينَ قلّبتُها بين أصابعي كانت عيناً جميلةً لا أدري مم صُنعت لكنها جميلة كعين طفلٍ بقزحيتها الزرقاء وبؤبؤها الشفاف، وضعتها على عيني اليمنى فصعقت حالما نظرت حولي من خلال عين الدمية ذات البؤبؤ الشفاف.... يا إلهي، صرخت بداخلي ثم عاودت النظر لقد تبدل كل شيء في المنظور و رحتُ أقارن بين رؤيتي بعيني المجردة وبين رؤيتي من خلال عين الدمية بحركات مكررة، كانت نظرتي إلى العالم الخارجي بعيني المجردة أشبه ما تكون بنظرة من خلال زجاج أغبش لا ألق فيه ولا حدود واضحة للمنظور وكأنني أنظر من خلال عينٍ غارقةٍ بالدمعِ أما النظر من خلال عين دمية الطفلة فقد كان المنظورُ شفافاً رائقا لا شوائبَ فيه وأن كل شيء من خلال بؤبؤ عين الدمية كان كاملَ الوضوحِ، يا إلهي، صرختُ بداخلي قائلاً: من لم ينظر من خلال عين دمية الطفلة فكأنهُ أرمد أو نصف أعمى،وفي آخر ساعةٍ من يوم العمل كنت أخالس الموظفين بنظرات خاطفةٍ من خلال عين الدمية وجلاً من هدر اتّزاني وموضوعيتي أمام زملائي إذا شاهدوا تلك الحركة التي أرفع بها عين الدمية لأضعها مكان عيني ناظراً إليهم من خلالها لأراهم كما لم أرهم من قبل فقد كانوا جميعا ينظرون ويمارسون حياتهم من وراء سديم أغبش يحيط بعيون الجميع كانت قد كشفته لي عينُ الدمية وهكذا سارعتُ لإخفاء سري الذي اكتشفته مصادفة بوضع عين الدمية في جيب سترتي مرة أخرى، تبادر إلى ذهني المندهش من قدرة هذه العين العجيبة أن أرجع مرة أخرى إلى مكان سقوط رأس الدمية والبحث عن العين الأخرى بالنظر من خلال العين التي تستقر في جيب سترتي الآن وهرولتُ عند خروجي من مكان العمل حاثاً خطاي نحو المكان وعند وصولي إلى مسقط رأس الدمية ذلك الرصيف المهمل الذي تنتشرُ على جوانبه الرثاثة وجدتُ الطفلةَ تنتظرني هناك مع دميتها وقد ركّبَتْ رأسَها على محور عنقها الجميل وهي تنظر إلي بكل جدية واهتمام مشيرة إلى وجه الدمية التي استقرت في محجر عينها الأيسر تلك القزحية الزرقاء،التي ظننت أنها مفقوده، مدّتْ يدَها الصغيرة نحوي بكفٍّ مفتوح تطالبني بالعين الأخرى ولا أدري كيف خمنت تلك الطفلة أن العين الأخرى بحوزتي مشيرةً إلى مكانها الصحيح في وجه الدمية ورأيت أنّ الأطفالَ ملهمون فيما يخص شؤنهم و أننا أعني نحنُ الراشدين أبعدُ مانكون عن عالمهم وبهذا قلت لنفسي لم العجب ربما تذكرتني حين كنت أشير لها بالرأس لحظة سقوطه علي، وكانت الطفلة تفعلُ ذلك بجدية واضحة، أخرجت العين من جيب سترتي فتناولتها مني وراحت تحاول وضعها في مكانها فانزلقت من بين أصابعها على إثر ارتطام أحد المارة الذين يسيرون بعيون يحيطها سديم أغبش لونظرت إليه من خلال عين الدمية لرأيته واضحا ولعذرته لارتطامه بالطفلة التي راحت تبحث عن العين بوله ولهفة، سارعتُ للبحث عنها ويا لعجبي كانت عيني كعين الصقروذلك من أثر وضع عين الدمية عليها والتقطتها من جديد ووضعتها بمكانها جنب القزحية الأخرى وتطلعتُ لوجه الدمية بعينيها الزرقاوين الحزينتين ناقلاً نظري إلى وجه الطفلة الذي أشرق بابتسامة لا تشبه تقطيبة جبين دميتها،احتضنت الطفلة دميتها وركضت صوب سلم العمارة الإسمنتي لكن وجه الدمية كان ينظرُ نحوي بحزن انتقلتْ غيمته إلى روحي طوال ذلك اليوم فأويتُ إلى فراشي مبكرا ينتاب روحي حزنٌ شفيف، هوم علي نعاسٌ شديد فانتقلتُ إلى عالم النوم ولم أشعر بفاصل كبير بينه و بين يومي المنصرم الذي استمر يصاحبني في نومي، ورأيتني مع الدمية التي لم يفارق حزنها تفكيري وكانت كما لو أنها تخاطبني ندا لندٍ

ـ لم فعلت ذلك؟ ألم تدرك إنني انتحرت حين غافلتها وألقيت بنفسي من فوق!!............

ـ ولكن لم تفعلين ذلك، أراك دميةً جميلةً؟!

ـ صلعاء وجميلة يالك من مراوغٍ! لا تتساذجْ ماذا تنتظرُ مني أن أفعل وقد فقدت شعريَ الجميل بعصف مفخخة كانت غير بعيدة عن روضة أطفال الزهور، نحن الدمى، آه و ما أكثرنا في هذا الوطن مللنا هذه الحياة فإن نجونا من سيارة مفخخة يبيعوننا كخردة بعربات رثه على الأرصفة آه..آه لم لملمت أشلائي وأرجعت عيني ورأسي، لم أحييتني من جديد.................؟

ـ ولكن!!

ـ دعك من لكن وقل لي ما شأننا نحن الدُمى ليتهم انشغلوا ببعضهم ؟

ثم أردفت برجاء منكسر : أرجوك عندما تراني ألقي بنفسي من شرفتها مرة أخرى فدعني وشأني، دعني أموت فالحياة بشروطهم الآن لا تطاق...

ـ من هم؟ من تقصدين ؟ أراك تلمحين تلميحا

ـ أنت تعرفهم أولئك الذين يلعنون الشيطان ويتسابقون لتنفيذ أوامره!ثم ما الفائدة من الصراحة ونحنُ مجرد دُمى هل للدمُى رأي؟

ثم أردفت بحزن: المصيبةُ إنّ بعضنا نحنُ الدُمى، بعضنا المصنوعَ من الخشب العتيق ومن الجبس الرخيص عندما يغضبون أو يعبثون يستخدموننا كما لو أننا مطارقٌ ينفّسون عن أمراضهم بتحطيمنا بواسطة إخوة لنا، دمى مثلنا، بحجج واهيه مثل كونهم صناعة غابرة أو أصيلة أو وطنية، وطنية! ؟ ياللعار، أكرر رجائي في المرة القادمة لاتتدخل فإن طريق خلاصنا الوحيد هو ما فعلت وبعدها أما الموت كدُمى وأما نفينا إلى منافينا تلك الجبال من النفايات وفي كلتا الحالتين الحياة لا تطاق.....لا تطااااااااااق

استيقظتُ مرتعباً من صراخها المتواصل، فركتُ عيني أدركتُ أن وقوع رأس الدمية على رأسي قد أورثني ألما أتحسسه في الداخل من وراء قحف الرأس ولربما يكون للدمى شؤونَها وإنها تعني ماتقول لكن صراخَها لايصل إلى أبعد من حدود هذا الكابوس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى