أبو يوسف طه - حكايـــة ( العروبيات) ــــــــــــ زاينة وحمادي

لم تف السماء بوعدها بإكساء الأرض بالخضرة المرصعة بشقائق النعمان والأقحوان لتصبح مسرحا تسرح فيه راعيةً الأغنامُ والمواشي لتوالي الجفاف منذ أعوام ، فالأرض غدت بلقعا ، وبدأ القرويون يتركون بيوتهم مهجورة تستوطنها البوم والغربان والجرذان . باع حمادي بقرتيه ، وترك أتانا وجحشا مستغنيا عنهما ، ثم تعاون مع زوجته وجمعا القليل من أغراضهما في صرتين ، وسلكا في الصباح الباكر الطريق نحو سبت آيت إيمور ، ومن هناك استقلا الحافلة قاصدين مدينة مراكش حيث اكتريا بيتا في درب النخلة ، كان المنزل مبنيا بالطابية ، خربا ، غير مبلط الأرضية ، به مرحاض المهراز مشتركا بين أربع أسر ، وكانت كل أسرة تهييء طبيخها في صحن طيني على مجمر أمام بيتها . لم تسلس العلاقة بين السكان الأقدمين والجدد إلا بعد أسابيع ، كان الأطفال يصخبون ، وبين الفينة والأخرى ينشب شجار ، ثم تهدأ الأمور إلى حين ، كان الرجال يغضون الطرف عن النساء ، والنساء ينكسن رؤوسهن احتشاما ، وحينما استقرت الأمور بدأت زاينة تتذاوق الطعام مع جيرانها ، وبدأن جميعهن يحلجن الصوف أو يغزلنه في " قاع گمي " وهن يشربن القهوة ، ويتانوبن على بيعه في سوق الغزل بالرحبة القديمة المجاورة للسمارين ، هذا السوق الذي كان مكانا للنخاسة ، وهو قريب من الباب الذي كانت تعلق في أعلاه رؤوس المتمردين ... لما تغيب الواحدة من النساء يطعم زوجها من طرف الجيران .
أوجد السي حمادي كما يدعوه الجيران مكانا له في الموقف قرب فندق عيشة في طوالة باب دكالة ، كان يعمل مياوما في البناء إلى أن رسا على قطع الخشب لفحٌٓام " شلاخ لعواد " . في المساء يعود بربطة نعناع وسكر وشاي أو بطيخ أحمر يتناوله وزوجته مصحوبا بالخبز ، وأغلب الوجبات عدس أوباذنجان مهروس ، ونادرا كمية من أحشاء الغنم ، كان الزوجان سعيدين بهجرتهما من البادية وشقائها دون جدوي ، فالبادية هي المطر ، وحينما شحت السماء لايمكن للإنسان أن يسف التراب ليعيش
لكن الأمور انعرجت بشكل مباغت إلى الأسوء فقد ظهر بين كتفي حمادي دمل " الشٌٓهْدٓة " . قالت زوجته إنه أشبه بمقطع من خصية خروف . بدأ الدمل يتسع ويؤلم ، وبدأ حمادي يهزل إلى أن غدا جلدا على عظم رغم جهد زوجته في علاجه بما تفتيه بعض النساء من عجائن النبات أو تراب مقابر بعض الأولياء . لقد نفد المدخر القليل من المال ، وباتت الزوجة زاينة أمام وضع صعب لم تجد له مخرجا ، سلكت في خيالهاطرقا عدة لتوفير مايقيم أودها وزوجها المسجى ،
شكت لأحدى جاراتها وعيناها لاتكفان عن ذرف الدموع . وضعت الجارة راحتها بين فخذيها ، وقالت " مافائدة هذا إذا لم يجلب لك الفلوس "
لم تنم زاينة الليل كله ، باتت تتقلب على جمر ، وفي اليوم الموالي ، تزينت ، وارتدت حايكها ، وتنقبت ثم خرجت قاصدة " الرميلة " ... استوقفها رجل فانقادت له ، ولما سارا مسافة ، قالت له وهي تبكي " لاأريد أن أفعلها ، هذه أول مرة " روت له ماحاق بزوجها ، ولفقدانها لأي سند ، انهارشيء في داخله فرجٌٓحٓ الإحسانٓ على الغواية ، نفحها ببضع ريالات ثم قادها إلى منزله ، وأوصى زوجته بها خيرا ، غدت واحدة من الأسرة ، فوجدت محضنا دافئا ، تشتغل معاونة بمنزل الرجل ، لقد تسربت وقائع هذا المآل بعد أن رُفٍع نعشُ الزوج على الأكتاف ليدفن في مقبرة باب دكالة ، إن السر انكشف هنا ، فوق الأرض ، والملائكة أمهات رؤوفات ، لن يكدرن نوم الميت الهإنيء بإيداعه بجواره في القبر .

أبو يوسف طه



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى