صبرى محمد خليل خيرى - فلسفة الاستخلاف: تعريفها وخصائصها ومفاهيمها ومباحثها

اولا: ملخص الدراسة: فلسفة الاستخلاف هى محاولة لتحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف " والتى تمثل فى ذات الوقت محاور الوجود الرئيسية " : المستخلف " بكسر اللام" ( الله تعالى)، والمستخلف " بفتح اللام" (الإنسان)، والمستخلف فيه (الكون). و هى فلسفة اسلامية معاصرة ، ذات طبيعة انسانية -روحية " دينية "، وسطية متجاوزة لكل من الفلسفات المادية والمثالية . وتنطلق فلسفة الاستخلاف من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة، استنادا الى ان بعض دلالات مصطلح " الحكمة " القرآني ، تقابل الدلالة الاصلية لمصطلح " فلسفة " في الفكر الفلسفى الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود المصطلح في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول... ولا يعنى ذلك عدم جواز استخدام مصطلح " الفلسفة " ، طالما ان المصطلح بستخدم بدلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، لان العلماء قرروا قاعدة " لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني" . وتنظر فلسفة الاستخلاف إلي العقل باعتباره نشاط او فاعلية معرفية ، استنادا الى انه يرد في القران الكريم لفظ عقل بصيغة الاسم ، بل ورد بصيغة الفعل " يعقل، تعقلون، يعقلون..."، وهى تعتبر ان العقل كفاعليه معرفيه محدود "مقيد": اولا: بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان . ثانيا: بالحواس في إدراكه لعلم الشهادة المحدود زمانا و مكانا. و فلسفة الاستخلاف ترفض بعض الدلالات " الخاطئه " لمصطلح الميتافيزيقا ، ولكنها تقبل دلالة معينه للمصطلح ، مضمونها الإيمان بأن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادي ، المحدود بالحركة خلال الزمان والتغيير في المكان، ويمكن للإنسان أن " يشاهده" بحواسه ، وبالتالي يدركه بوعيه ، بل يمتد ليشمل الوجود الغيبي – اى غائب عن حواس الإنسان ، وبالتالي عن إدراكه وتصوره- بشكليه : المحدود غير القائم بذاته "كوجود الملائكة" ، والمطلق القائم بذاته " وجود الله تعالى" . وتقر بضرورة الميتافيزيقا طبقا لهذه الدلالة (الإيمان بالغيب) . كما تستند فلسفة الاستخلاف إلى نظرية في الوجود ، تنطلق من المفاهيم القرانية الكلية الثلاثة: التوحيد والتسخير والاستخلاف. ومضمون مفهوم التوحيد إفراد الربوبيه والالوهيه لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية ، الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا فتعبير ابن تيميه ، و توحيد الإلوهية الذى مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة ، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه. فالتوحيد بقسميه " توحيد الربوبية و الالوهية" يتعلق إذا بإفراد الوجود المطلق " فعلا وغاية" لله تعالى. ولهذا الفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح " الربوبية "، شكلين من اشكال :اولا: ظهور صفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية " اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى"، ولهذا الظهور ايضا شكلين:الشكل الأول: التكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، ويتضمن هذا الشكل التكوينى للظهور الصفاتى ظهور صفه الربوبيه " الخلق" ، اى ظهور الفعل المطلق في الإيجاد، والذي ينفرد به الله تعالى، في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، وهذا الظهور للفعل المطلق في الإيجاد " الخلق" ، لا يأخذ شكل واحد، بل اشكال متعددة ، بعضها متصل بعالم الغيب " المطلق" كالأمر: وهو امر لا يتم في زمان أو مكان ، وبعض هذه الاشكال متصل بعالم الشهاده "المقيد" وهى(ا) التسوية:وهى جعل النوع في أحسن الهيئات ، (ب) التقدير: وهو إيجاد فعلي للنوع المعين، في عالم الشهادة القائم على السببية، بعد إيجاد شروط " أسباب" وجوده ، (ج) الهدايه : وهى ضبط حركة النوع المعين بسنن إلهية كلية ونوعية بعد إيجادها . اما الشكل الثانى للظهور الصفاتى فيتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية . وللوجود الشهادى درجتان هما:اولا: الوجود التسخيرى " الطبيعي"، والذى يمكن تفسيره من خلال مفهوم التسخير، والذى مضمونه أن الأشياء والكائنات - التي لها درجه التسخير- تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق . ثانيا : الوجود الاستخلافى "الانسانى"، والذى يمكن تفسيره من خلال مفهوم الاستخلاف ،والذى مضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيه الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة. وإظهار صفات الالوهيه يكون بتوحيد الالوهيه والعبادة ، وللاخيره معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير كل فعل الغاية المطلقة منه الله تعالى. أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، والاخيره تعنى تحديد الفعل الانسانى " وليس إلغائه ". ثانيا: ظهور ذاتي : ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح "التجلى"، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الشكل الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.الشكل الثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود ، قائمه على الظهور الذاتي " التجلي" ، هذا التجلى يترتب عليه تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان ،والقائم على الظهور الصفاتى، بوجود غيبي، قائم على الظهور الذاتى ، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي " بالنسبة إلي الناس" ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة"المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف" كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد (التذكر والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته. ب/ شكل تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته . كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في القيم مضمونها التمييز بين نوعين من القيم: قيم مطلقة تمثل المستوى المطلق للقيمة مصدرها الله تعالى" المستخلف بكسر اللام"،وقيم محدودة تمثل المستوى المحدود للقيمة مصدرها الإنسان" المستخلف بفتح اللام" ، وهذا التمييز بين النوعين من القيم - أو بين المستويين من مستويات القيمة - مصدره توحيد الإلوهية، إذ انه قائم على إفراد المطلق من الصفات- القيم "كالعدل والرحمة والحكمة والعلم..."لله تعالى، فالإلوهية لا تنصب على هذه الصفات في ذاتها ، بل على المطلق منها "باعتبار أن مضمونها كونه تعالى الغاية المطلقة". أما الجمع بين نسقى القيم: " المطلقة/الموضوعية/المعيارية /الغائية"، و"النسبية/ الذاتية /الوصفية /الوسليه" ، فيتم طبقا لمنهج المعرفة الاسلامى ،وسنه " الكدح إلى الله " والتي مضمونها " التكليفى "أن حركه الإنسان تاخذ شكل فعل غائي محدود بفعل مطلق"الربوبية" وغاية مطلقه " الالوهيه "، ومضمون الاخيره أن الله تعالى ينفرد بكونه غاية مطلقة ، وأن صفات إلوهيته هي قيم مطلقة ،يسعى الإنسان لتحقيقها في واقعه المحدود، دون ان تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى لها. وتستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه علم تكاد تتطابق مع نظريه المعرفه المشار اليها اعلاه، لانها تنطلق ايضا من العلم كصفه الوهيه ، وتستند الى ذات المفاهيم الكليه "التوحيد والتسخير والاستخلاف ، وطبقا لهذه المفاهيم الكليه فانه يمكن تقسيم العلوم الى الانماط التاليه: (1) علم التوحيد:وهو ما يقابل الدراسات الدينية في الفكر الغربي .(2)علوم الاستخلاف : وهى ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي وتنقسم إلى:(ا)علوم الاستخلاف التكويني : وهى ما يقابل العلوم الانسانيه في الفكر الغربي، (ب)علوم الاستخلاف التكليفى وهى ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر الغربي. (3)علوم التسخير: وهى ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي . كما تستند فلسفة الاستخلاف الى فلسفة سياسية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،والتى تضبط النشاط السياسى للمجتمع ومنها : أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية " السيادة - السلطة المطلقة " لله . ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة. أما الحاكم فنائب ووكيل عنها، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله . وقد وضعت الفلسفه السياسيه الاسلاميه القواعد الكليه للسلطة ، وهى المساواة العدل الشورى ، أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين ، فقد تركت للمسلمين أمر الاجتهاد فيها ، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، بشرط عدم تناقضها مع اصول الدين النصيه الثابته. كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اقتصادية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط الاقتصادى للمجتمع ومنها: أولا:التوحيد وإسناد ملكية المال" اى حق التصرف المطلق فيه " لله تعالى. ثانيا:الاستخلاف واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال، وهو ما يتحقق من خلال (ا) تقرير أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد ، (ب) تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها ،(ج) أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية ، فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد يشرط عدم تناقضه مع مصالحها. كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اجتماعية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، والتى تضبط النشاط الاجتماعى للمجتمع ومنها:اولا: الاستخلاف الاجتماعى واطواره التى اشار اليها القران الكريم وهي : (ا) الاسره (ب) العشيرة (ج) القبيلة (د) الشعب (ه) طور أمه التكوين" أو الطور القومي "، ومناط الانتماء إليها معيارين: الاول هو اللسان "اللغة"، والثانى هو الاستقرارفي الأرض الخاصة " الديار بالمصطلح القرانى" (و) طور العالمية . والفلسفه الاجتماعية الاسلامية تقوم على التوازن بين الفرد والجماعة ، من خلال التأكيد علي ان الجماعة بالنسبة للفرد ، يمثابه الكل بالنسبة للجزء، تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه ، فهى وسط بين الفلسفات الاجتماعية الفردية، التي تتطرف فى التاكيد على الوجود الفردى ، لدرجة الغاء الوجود الجماعى " كالفلسفة الليبرالية " ، والفلسفات الاجتماعية الجماعية ، التى تتطرف فى التاكيد على الوجود الجماعى، لدرجة الغاء الوجود الفردى" كالفلسفة الماركسية "..............................................................
ثانيا:متن الدراسة التفصيلى:
تعريف فلسفة الاستخلاف
: هى محاولة لتحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف " والتى هى فى ذات الوقت محاور الوجود الرئيسية " : المستخلف " بكسر اللام" ( الله تعالى)، والمستخلف " بفتح اللام " (الإنسان)، والمستخلف فيه (الكون). وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية " التوحيد والاستخلاف والتسخير" مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم ، متخذه من اجتهادات أهل السنة "بمذاهبهم المتعددة" العقدية "الكلامية " – نقطة بداية- وليس نقطه نهاية – لهذا الاجتهاد.
طبيعه" خصائص" فلسفه الاستخلاف: وفلسفة الاستخلاف هى فلسفة اسلامية معاصرة ، ذات طبيعة انسانية -روحية " دينية "، وسطية متجاوزة لكل من الفلسفات المادية والمثالية . والمقصود بكون هذه الفلسفة إسلامية انها اجتهاد مقيد بالنص ، وليس كونها نص" يقيني الورود قطعي الدلالة " . اما المقصود بكون هذه الفلسفة معاصرة انها : اولا: تتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين ، من الإسهامات الفلسفية للمجتمعات الأخرى المعاصرة لنا، إلى موقف نقدي يرفض من هذه الإسهامات ، ما تناقض مع أصول الدين النصية الثابتة ”على المستوى النظري ” ، وواقع المجتمعات المسلمة “على المستوى العملي” ، ويأخذ ما اتسق معهما. ثانيا: انها تهدف - طبقا لمستواها التطبيقى " المذهبى " - إلى وضع حلول للمشاكل- المشتركة - التي يطرحها واقعنا الزمانى والمكاني. وفلسفه الاستخلاف فلسفة ذات طبيعة إنسانية – روحيةه " دينية " لأنها قائمه على التأكيد على قيمه الوجود الانسانى، وإثباتها لهذا الوجود بأبعاده المتعددة، كوجود محدود تكوينيا بالسنن الالهيه ، التي تضبط حركه الوجود" الشهادى "، وتكليفيا بالمفاهيم والقيم والقواعد الكليه التى مصدرها الوحى . فهي تجعل العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى- بأبعاده المتعددة - علاقة تحديد وتكامل، وليست علاقة إلغاء وتناقض كما في الفلسفات الانسانيه الغربية . كما أنها قائمه على أن الوجود الانسانى “ المستخلف” ليس وجود بسيط ، بل هو وجود مركب من أبعاد ماديه”حسية شهاديه” وروحيه”غيبيه” متفاعلة ، وضرورة تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة- استنادا إلى مفهوم الوسطية – فهى ترفض إشباع حاجاته المادية وتجاهل حاجاته الروحية "وهو ما يلزم من الفلسفات المادية " . كما ترفض إشباع حاجاته الروحية وتجاهل حاجاته المادية " وهو ما يلزم من الفلسفات المثالية "، وتدعو إلى إشباع حاجاته المادية والروحية معا قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ...)(القصص:77) .
الانطلاق من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة: وتنطلق فلسفة الاستخلاف من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة . فالدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة فى الفكر الفلسفى الغربى ترجع إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة. و إذا كان القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمه إلالهيه مطلقه ،والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى ان بعض دلالات مصطلح "حكمة " القرآني ، هى المقابل للدلاله الاصليه لمصطلح " فلسفة " في الفكر الفلسفى الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم/ زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) ، غير أننا نرى انه لا حرج من استخدام مصطلح " الفلسفه" ، ما دام هذا الاستخدام للمصطلح ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة " لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني" ( المستصفى: 1/23 ) . وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن ( كلام مركب من ألفاظ أعجمية ) يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن( أسماء أعلام أعجمية )، يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ...) (تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، فضلا عن ان العديد من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار : 1/118 - وابن عساكر ، تاريخ دمشق : 15/350).
فلسفة الاستخلاف وبعض المفاهيم الفلسفية:
مفهوم العقل:
تنظر فلسفة الاستخلاف إلي العقل باعتباره نشاط او فاعلية معرفية ، استنادا الى انه يرد في القران الكريم لفظ عقل بصيغة الاسم ، بل ورد بصيغة الفعل " يعقل، تعقلون، يعقلون..." كما فى قوله تعالى﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾. وهى تعتبر ان العقل كفاعليه معرفيه محدود "مقيد":
اولا: بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان ، يقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(... وان يجعل الأصول التي نزل بها القران ، واتت بها السنن من الرسول ، غايات للعقول ، ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).
ثانيا: بالحواس في إدراكه لعلم الشهادة المحدود زمانا و مكانا، قال تعالى﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
ففلسفه الاستخلاف اذا ترفض النظر للعقل باعتباره وجود مطلق أو جوهر ، اى وجود قائم بذاته ، ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة المقيد بالزمان والمكان، والوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، كما في التيار العقلاني"المثالي" في الفلسفة الغربية . يقول علاء الدين الطوسى في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة (... فقوته الادراكيه- اى العقل- أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها، ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه ، إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ، ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينيه ، وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم ، حتى اختلفوا في حقيقته ).
مفهوما الميتافيزيقا والغيب:
الدلالة الاصليه لمصطلح الميتافيزيقا:
ترجع الدلالة الأصلية للمصطلح إلى أندرونيقوس الروديسي أحد شراح وناشري كتب أرسطو، والذي رتب مؤلفات أرسطو ، بحيث وضع أولاً كتاب بعنوان " الطبيعة" درس فيه أرسطو فيه الظواهر الطبيعية، وتلاه بكتاب تناول فيه أرسطو الألوهية أسماء اندرونيقوس (ما وراء الطبيعة)، أي الكتاب الذي يلي كتاب الطبيعة في الترتيب.
دلاله خاطئة للمصطلح: ثم اكتسب المصطلح دلالة أخرى ، وهى" الدراسات النظرية المجردة التي تبحث في ماهية الظواهر أي فيما هو خارج الطبيعة"، وجاءت هذه الدلالة نتيجة سوء فهم الدلالة الأصلية ،إذ أن أرسطو لم يكن يؤمن بوجود وجود ما وراء الطبيعة ، والإله عنده كامن في الطبيعة كمون النفس في الجسد. كما اكتسب المصطلح دلالات أخرى خلال تاريخ الفلسفة الغربية. هذه الدلالة رفضها بعض فلاسفة الغرب المحدثين . و تلتقي فلسفة الاستخلاف معهم في رفض الدلالة السابقة لمصطلح ميتافيزيقا ، لأنها مؤسسة على سوء الفهم السابق ذكره. ولأنها اتخذت من الطبيعة معياراً لها (طبيعة وما وراء الطبيعة). فضلاً عن أنها تناقض التصور ألتنزيهي لله تعالى ،والقائم على عدم توافر إمكانية إدراك أو تصور العقل الإنساني المحدود بالزمان والمكان، للوجود الغيبي المطلق عن قيود الزمان أو المكان، قال تعالى (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، وفي الحديث القدسي (تفكروا في مخلوقاتي ولا تفكروا في ذاتي فتهلكوا).
دلاله الميتافيزيقا على الإيمان بالغيب: لكن هناك دلالة أخرى لمصطلح ميتافيزيقا لا ترفضها فلسفة الاستخلاف ، ومضمونها هو الإيمان بأن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادي ، المحدود بالحركة خلال الزمان والتغيير في المكان، ويمكن للإنسان أن "يشاهده"بحواسه ، وبالتالي يدركه بوعيه ، بل يمتد ليشمل الوجود الغيبي – اى غائب عن حواس الإنسان وبالتالي عن إدراكه وتصوره- بشكليه : المحدود غير القائم بذاته "كوجود الملائكة" ، والمطلق القائم بذاته " وجود الله تعالى" .
ضرورة الميتافيزيقا: ففلسفة الاستخلاف تقر بضرورة الميتافيزيقا طبقا لهذه الدلالة (الإيمان بالغيب) ،استنادا الى ان حركة الإنسان ليست مجرد فعل غائي " اى ليست مجرد تطور" ، بل هي فعل غائي محدود بفعل مطلق (الربوبية) ، وغاية مطلقة (الألوهية) " أي كدح إلى الله بالتعبير القرآني" (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) ، و الميتافيزيقا (طبقا لهذه الدلاله) تحدد للإنسان هذا الفعل المطلق وتلك الغاية المطلقة - اى تحدد له صفات الربوبية والالوهية –لانه لا تتوافر له امكانية ادراكهما بحواسه او عقله.
كما ان الميتافيزيقا طبقا لهذه الدلالة تجعل العلاقة بين الوجود الغيبى المطلق عن قيود الزمان والمكان،والوجود الشهادى المحدود بالزمان علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة الغاء وتناقض – كما فى الفلسفات المثالية كالفلسفة الافلاطونية - فالاول يحدد الثانى - كما يحدد الكل الجزء - فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، وبالتالى لا يترتب علي هذه الدلاله إنكار الوجود الموضوعي " الحقيقي" للوجود الشهادي أو انضباط حركته بسنن إلهية لا تتبدل " السببية " ، (فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) ،أو إنكار كون الحواس والعقل كوسائل لمعرفته، قال تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) (الحج: 46) . ولكن يترتب علي الميتافيزيقا طبقا لهذه الدلاله إنكار دلالة أخرى لمصطلح الميتافيزيقا ، قائمة على التسليم والإقرار بصحة فكرة أو اعتقاد عن ظاهرة تقع في نطاقه ، دون التحقق من كونها صادقة أو كاذبة بالتجربة والاختبار العلميين ، قال تعالى(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)(الإسراء: 26).
مباحث الفلسفة الاساسيه فى فلسفة الاستخلاف:
اولا: نظريه الوجود:
تستند فلسفة الاستخلاف إلى نظرية في الوجود ، تنطلق من ثلاثة مفاهيم قرانية كلية هي:
ا/ مفهوم التوحيد : ومضمونه إفراد الربوبية والالوهية لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا بتعبير ابن تيميه ، الذى يقول في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقة الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا ، وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (درء التعارض: ج1 / ص98) . وتوحيد الربوبية هو ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه السلبي للحرية "على المستوى الموضوعي"، والمتمثل في تحرير الفعل الإنساني من أي فعل مطلق زائف، وهو ما عبر عنه القرآن بالاستكبار.. أما مضمون توحيد الإلوهية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة ، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه، الذى يقول ( …. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره) . وتوحيد الالوهيه هو ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه السلبي للحرية "على المستوى الذاتي"، والمتمثل في تحرير الذات من الغايات المطلقة الزائفة، وهو ما عبر عنه القرآن باجتناب الطاغوت.. فالتوحيد بقسميه (توحيد الربوبية و الالوهيه) يتعلق إذا بإفراد الوجود المطلق " فعلا وغاية" لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته، وكل وجود سواه قائم به ، وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به ،وليس ذلك إلا الله تعالى)( المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى).
الظهور الصفاتى والذاتي للربوبية : وللفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح " الربوبية"، شكلين من اشكال :
اولا: ظهور صفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية " اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى"، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)، ولهذا الظهور شكلين:
الشكل الأول: التكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)(مجموع الفتاوى: 1/48 )،
ظهور صفه الخلق : ويتضمن هذا الشكل التكوينى للظهور الصفاتى ظهور صفه الربوبيه ( الخلق) ، اى ظهور الفعل المطلق في الإيجاد، والذي ينفرد به الله تعالى، في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، ومضمونه إيجاده للنوع المعين "المخلوق" ،في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، بعد أن كان غائباً عنه في عالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، فهو "عند الله" إنزال هذا النوع من درجات الوجود المطلق "عالم الغيب"، إلى الوجود المحدود" عالم الشهادة" ، لذا عبر القران عن الخلق في بعض المواضع بالإنزال كما في قوله تعالى (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد …) .
التمييز بين الخلق والجعل: وقد ميز القران الكريم بين مصطلحي الخلق والجعل، دون أن يفصل بينهما، مع تأكيده الارتباط بينهما، ومرجع هذا التمييز أن مصطلح الخلق في القران يشير إلى مجمل الفعل المطلق في الإيجاد الذي ينفرد به الله تعالى، كما يشير إلى ظهور هذا الفعل المطلق ، في عالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان كما في قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ( الأنعام :1) ، أما مصطلح الجعل في القران فيشير إلى ظهور هذا الفعل المطلق في عالم الشهادة المحدود في الزمان والمكان، كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) ( يس : 34) .
اشكال الخلق: وهذا الظهور للفعل المطلق في الإيجاد " الخلق" ، لا يأخذ شكل واحد، بل اشكال متعددة ،بعضها متصل بعالم الغيب "المطلق"، وبعضها متصل بعالم الشهاده "المقيد" .
اولا: شكل متصل بعالم الغيب:
الأمر:
وهو امر لا يتم في زمان أو مكان، قال تعالى(إنما أمره أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).
ثانيا: اشكال متصله بعالم الشهاده:
ا/ التسوية
: وهو جعل النوع في أحسن الهيئات ، قال تعالى(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )،يقول ابن كثير في تفسير الايه ( أَيْ خَلَقَ الْخَلِيقَة وَسَوَّى كُلّ مَخْلُوق فِي أَحْسَن الْهَيْئَات…) .
ب/ التقدير: وهو إيجاد فعلي للنوع المعين، في عالم الشهادة القائم على السببية، بعد إيجاد شروط (أسباب) وجوده ، قال تعالى (وما من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) .
ج/ الهدايه : وهو ضبط حركة النوع المعين بسنن إلهية كلية ونوعية بعد إيجاده، قال تعالى (الذي أَعْطَى كلَّ شيء خَلْقَه ثم هَدَى) ، وورد في (لسان العرب) (من أَسماء الله تعالى سبحانه: الهادي؛ قال ابن الأَثير: هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده).
الشكل الثاني: التكليفي : اما الشكل الثانى للظهور الصفاتى فيتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية ، يقول ابن القيم ( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) .
درجتا الوجود الشهادى: وللوجود الشهادى درجتان هما: الوجود التسخيرى "الطبيعي" والوجود الاستخلافى "الانسانى"، واللتان يمكن تفسيرهما من خلال مفهوما التسخير والاستخلاف على التوالى :
ب/ مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير، تظهر صفات ربوبية والوهية الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق ، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها). ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:
أولا. الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين هما : الموضوعية التكوينية " وتتمثل في الوجود الموضوعي للكون"، والموضوعية التكليفية "وتتمثل في الوحي كوضع الهي مطلق". ويترتب عليهما تقرير أن الوجود الانسانى غير منفصل عن العالم الطبيعي وقوانينه " سننه الالهيه" ، أو الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية.
ثانيا: السببية: وطبقا لها فان مضمون السنن الالهيه "الكلية والنوعية " التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، هو تحقق المسبب بتوافر السبب وتخلفه بتخلف السبب. ويترتب على قاعدة السببية تقرير أن الضرورة " ممثلة في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل" هي شرط – وليس إلغاء – للوجود الانسانى ، أي أن تحقق الوجود الإنساني يتوقف على معرفة والتزام حتمية هذه السنن الإلهية.
ج/ مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهية الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار. وهو ما يكون بالعبودية والعبادة. يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( روح المعنى،ص223) . وإظهار صفات الالوهية يكون بتوحيد الالوهية والعبادة. وللاخيره معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير كل فعل الغاية المطلقة منه الله تعالى ، يقول الإمام ابن تيميه ( العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (رسالة العبودية ، ص 38) ، والعبادة – طبقا لهذا التعريف – هي ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الايجابي للحريه" على المستوى الذاتي" ، لأن اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة، يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للترقي”الروحي” ، لأنه لا تتوافر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي لها. أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، والاخيره تعنى تحديد الفعل الانسانى – وليس إلغائه – وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعيه مطلقه له ، والعبودية- طبقا لهذا التعريف – ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الإيجابي للحريه "على المستوى الموضوعي" ، لان الفعل الالهى المطلق عندما يحدد الفعل الانسانى ، فانه يكمله ولا يلغيه.
الظهور والاحتجاب الصفاتى: والظهور الصفاتى: هو جزء من – وليس كل - الجزاء الدنيوى على اظهار صفات الربوبية والالوهية، كما ان الاحتجاب الصفاتى هو جزء من – وليس كل- العقاب الدنيوى على محاوله كتم صفات الربوبية و الالوهية .
ب/ الظهور الذاتي( الحياة الاخره): ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح التجلي كما في قوله تعالى (…فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 143)، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:
الشكل الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا ، وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.
الشكل الثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود قائمه على الظهور الذاتي " التجلي" ، قال تعالى(وأشرقت الأرض بنور ربها). هذا التجلي يترتب عليه تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان- والقائم على الظهور الصفاتى- بوجود غيبي- قائم على الظهور الذاتى - قال تعالى (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)،وقال تعالى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ )، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي" بالنسبة إلي الناس" ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة،استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ (القيامة: 22، 23). فهذا الظهور الذاتى "التجلى" هو جزء من- وليس كل - الجزاء الاخروى على اظهار صفات الربوبية والالوهية فى الدنيا . كما ان الاحتجاب الذاتى هو جزء من- وليس كل - العقاب اخروى على كتم صفات الربوبية الالوهية فى الدنيا (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ).
ثانيا: نظريه المعرفة: كما تستند فلسفة الاستخلاف إلى نظرية في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة " المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف" كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته.
ب/ شكل تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه). ومضمون الاستخلاف هنا إظهار صفه العلم الالهيه في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها .فالوحي يحدد – ولا يلغى – جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي "المشكلة العينية" إلي الذاتي "الحل المجرد" ، إلي الموضوعي"الواقع" مرة أخرى من أجل تغييره ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته.
ثالثا:نظريه القيم: كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في القيم مضمونها التمييز بين نوعين من القيم: قيم مطلقة تمثل المستوى المطلق للقيمة مصدرها الله تعالى(المستخلف بكسر اللام)،وقيم محدودة تمثل المستوى المحدود للقيمة مصدرها الإنسان(المستخلف بفتح اللام) هذا التمييز بين النوعين من القيم أو بين المستويين من مستويات القيمة مصدره توحيد الإلوهية، إذ انه قائم على إفراد المطلق من الصفات- القيم "كالعدل والرحمة والحكمة والعلم..."لله تعالى، فالإلوهية لا تنصب على هذه الصفات في ذاتها بل على المطلق منها "باعتبار أن مضمونه كونه تعالى الغاية المطلقة" وهذا هو علة وصف القرآن الله تعالى والإنسان بهذه الصفات.فالرحمة قيمة وصف ذاته تعالى بها كما في الآيات (ربك الغني ذو الرحمة) (الأنعام: 132)، كما وصف الإنسان بها كما في الآيات (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (النمل: 77) فالرحمة كقيمة مطلقة عند الله تعالى محدودة عند الإنسان كما تدل الآيات (ورحمتي وسعت كل شئ) (لأعراف: 156 )، يقول ابن القيم (اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدر والملك ونحوه ثم يورد رأيين ويقول عن الثالث الذي يرجحه الثالث أنها حقيقة فيهما وللرب تعالى ما يليق بجلاله وللعبد ما يليق به)( بدائع الفوائد، ص 164). واستنادا إلى هذا التمييز تضع هذه النظرية في القيم نسق من الإجابات على الاسئله التي تطرحها نظريه القيم وهى:
أولا: أنماط القيم:هل هناك قيم أساسيه وأخرى ثانوية، وفى حاله الاجابه بنعم ما هي القيم الاساسيه ؟ كل القيم المطلقة التي مصدرها الله تعالى" اى صفات الالوهيه" أساسيه،وبالتالي لا يمكن تقسيمها إلى أساسية وثانوية،أما القيم المحدودة التي مصدرها الإنسان فيمكن تقسيمها إلى أساسية وثانوية طبقا لمعايير متعددة "منها تعدد مجالاتها"،مع وجوب تقرير أن هذا التقسيم نسبى لذا فهو محل خلاف.
ثانيا:هل القيم تتصف بالوحده ام التعدد؟ : تعدد القيم المطلقة التي مصدرها الله تعالى هو تعدد شكلي- اجرائى ، وهى ترجع إلى وحده أصيله ، لان وراء التعدد الصفاتى" اى تعدد صفات الالوهية" وحده ذاتية" اى وحده الذات الالهية".
ثالثا: ما هى طبيعة القيم؟ : وتتناول مشكلة تعريف القيمة من خلال أربعة مشاكل(أ‌) هل القيم مطلقه " لا تخضع للتغير في المكان و التطور خلال الزمان"، أم نسبية "تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان؟ . (ب‌) هل القيم موضوعية" اى لها وجود مستقل عن عقل الإنسان وغير متوقف عليه"، أم ذاتيه" إي من وضع العقل البشرى واختراعه" ؟. (ج) هل القيم غاية في ذاتها أم مجرد وسيلة إلى غاية غيرها؟ . (د)هل القيم معيارية " إي تنصب على ما ينبغي أن يكون"، أم وصفية" أي تقتصر على ما هو كائن"؟. والاجابه التي تقدمها هذه النظرية في القيم على هذه الاسئله هي :
اولا: أن القيم المطلقة التي مصدره الله تعالى (المستخلف ) "بكسر اللام" هي قيم:
(ا) مطلقه فهي ثابته لا تخضع للتغير أو التطور في المكان أو خلال الزمان .
(ب)موضوعيه ولها شكلين :موضوعيه تكوينيه تتمثل في الفطرة كمصدر للقيم، وموضوعيه تكليفيه وتتمثل في الوحي كمصدر للقيم" ..
(ج) غاية في ذاتها ، لذا قرر القرآن بصيغ مختلفة أن الله تعالى ينبغي أن يكون هو الغاية المطلقة وراء الغايات المحدودة لأي نشاط فكري أو مادي يقوم به الإنسان:(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (الأنعام: 162)..
(د)معياريه .
ثانيا: بينما القيم المحدودة التي مصدرها الإنسان "المستخلف بفتح اللام" فهي قيم:
(ا) نسبيه.
(ب) يمكن أن تتضمن قيم ذاتيه.
(ج) وسيلة إلى غاية غيرها "كالمنفعة " ، فقد اخذ المنظور القيمى الاسلامى بمعيار المنفعة الذي قرره القرآن في عدة مواضع:(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد: 17)، واتساق مع هذا قرر علماء أصول الفقه أن من مقاصد التشريع الاسلامى حماية المصالح ،واعتبروا المصالح المرسله كمصدر من مصادر التشريع التبعية. ولكن وجه الاختلاف مع مذهب المنفعة في الفلسفة الغربية أن المنظور القيمى الاسلامى ميز بين منفعة "مصلحه" مطلقه وضعها الله تعالى، ومنفعة محدودة / نسبيه وضعها الإنسان، كما جعل الاخيره مشروطة بعدم التعارض مع أصول الدين النصية الثابتة يقول الغزالي: (إن المصلحة المرسلة إذا كانت ضرورية كلية قطعية يحتج لها فإن فقدت شروط هذه الشروط لا يعمل بها)، (د) وصفيه..
الجمع بين نسقى القيم : أما الجمع بين نسقى القيم: (المطلقة/الموضوعية/المعيارية /الغائية) و(النسبية/ الذاتية /الوصفية /الوسليه) فيتم طبقا لمنهج المعرفة الاسلامى وسنه " الكدح إلى الله " والتي مضمونها " التكليفى "أن تأخذ حركة الإنسان شكل فعل غائي محدود بفعل مطلق" الربوبية " وغاية مطلقة " الالوهية "، فمضمون الاخيره أن الله تعالى ينفرد بكونه غاية مطلقة ، وأن صفات إلوهيته من حيث هي قيم مطلقة ،يسعى الإنسان لتحقيقها في واقعه المحدود ، دون ان تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى لها كما اشرنا سابقا.
مباحث الفلسفة الفرعية فى فلسفة الاستخلاف:
فلسفه العلم:
تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه علم تنطلق من أن العلم من صفات الألوهية ، و بالتالي فان اولى نتائج تطبيق مفهوم التوحيد "توحيد الإلوهية تحديداً " هو إفراد العلم المطلق لله تعالى ، لذا صوره القرآن شاملاً لكل الوجود (الشهادي والغيبي) (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) (التغابن: 18).وبالتالي فإن إسناد العلم المطلق (أي المعرفة المطلقة) لسواه هو شرك في الألوهية "سواء كان شرك علمي أو اعتقادي"، لذا نفى القرآن الكريم حتى عن الأنبياء هذا العلم المطلق المتضمن للعلم بالغيب (قل لا أملك لنفسي إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني من سوء ...). ولهذا العلم الالهى المطلق شكلين من أشكال الظهور:
اولا: ظهور صفاتي: في عالم الشهادة (الحياة الدنيا) ، وله شكلين :
الاول: تكويني: يتمثل في عالم الشهادة (المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف) كمصدر للعلم التكويني– والإحساس والتفكير المجرد "التذكر والإدراك والتصور" كوسائل لمعرفته.
الثانى:تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للعلم التكليفى والوحي كوسيلة لمعرفته.
مفهوم التسخير: ومضمون مفهوم التسخير هنا هو ان الأشياء والظواهر التي لها درجة التسخير تظهر صفه العلم الالهيه على وجه الإجبار، فهي دائماً آيات دالة على العلم المطلق لله تعالى.
مفهوم الاستخلاف: ومضمون مفهوم الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة العلم الإلهية في الأرض ، يقول الغزالي(فتعليم العلم من وجه عباده لله ومن وجه خلافه لله تعالى ومن اجل خلافه الله تعالى فان الله قد فتح للعالم العلم الذي هو اخص صفاته).وإظهار الإنسان لصفة الإلوهية (العلم) يكون بالآتي: اولا: توحيد الإلوهية على الوجه السابق بيانه. ثانيا:العبادة:ومضمونها هنا اتخاذ صفة الألوهية (العلم)، "أي ما دل على علمه المطلق"، مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان إلى تحقيقه في الأرض "أي في واقعه المحدود زماناً ومكاناً " ، دون ان تتوافر له إمكانية التحقيق النهائي له ، قال تعالى( وما اوتيتم من العلم إلا قليلا) ، وقال تعالى ( وفوق كل ذي علم عليم)،وهو بهذا يمد العلم الانسانى بإمكانيات غير محدودة للتطور.
ثانيا: ظهور ذاتي: في عالم الغيب (المتضمن للحياة الآخرة) .
انماط العلوم: استنادا الى المفاهيم الكليه لفلسفه العلم المذكوره اعلاه، فانه يمكن تقسيم العلوم الى الانماط التاليه::
(1)علم التوحيد: ويستند الى التوحيد كمفهوم قرانى كلى ، و يطلق عليه ايضا اسم علم الكلام، وهو ما يقابل الدراسات الدينية في الفكر الغربي.
(2) علوم الاستخلاف : وتستند الى الاستخلاف كمفهوم قرانى كلى ،وهى ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي، وتنقسم إلى:
ا/علوم الاستخلاف التكويني : ومضمونها البحث في الظواهر" الجزئية، العينية" للوجود الانسانى " الاستخلافى " ، والقوانين الموضوعية "السنن الإلهية بالتعبير القرآني"، التي تضبط حركته ، وهى ما يقابل العلوم الانسانيه في الفكر الغربي.
ب/علوم الاستخلاف التكليفى: ومضمونها المفاهيم والقيم والقواعد الكليه التي جاء بها الوحي ، والتى ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي "الاستدلالي"، الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية التجريدية ، التي تسبق البحث فى الظواهر السابق الذكر، والسنن الالهيه التى تضبط حركتها. وهى ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر الغربي .
(3) علوم التسخير: وتستند الى التسخير كمفهوم قرانى كلى، ومضمونها البحث في الظواهر" الجزئية، العينية"، للوجود الطبيعى"التسخيرى"، والقوانين الموضوعية "السنن الإلهية بالتعبير القرآني"، التي تضبط حركته . وهى ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي .
الفلسفة السياسية: وتستند فلسفة الاستخلاف الى فلسفة سياسية، تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط السياسى للمجتمع ومنها:
أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية "السيادة - السلطة المطلقة" لله : طبقا لمفهوم التوحيد- فانه يجب إسناد الحاكمية (السيادة بمعنى السلطة المطلقة) لله تعالى وحده –لانها من صفات الربوييه - قال تعالى( أن الحكم إلا لله ) ( الأنعام:57).
ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة: وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكميتة في الأرض، وذلك بممارستها للسلطة " بما هي ممارسه للسيادة في زمان ومكان معينين" مقيده بهذه الحاكمية الالهية. فالمستخلف في السلطة ( الأمر بالمصطلح القرانى) أصلا هو الجماعة ،بدليل تقرير القران أن الأمر شورى بين المسلمين (وأمرهم شورى بينهم)، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)( الأنعام:165). أما الحاكم فنائب ووكيل عنها، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار .اما قاعدة "تحريم الخروج على السلطان الجائر "،التى قررها علماء اهل السنه ، فالمقصود بها تحريم الخروج بالسيف" محاوله عزله باستخدام القوه المسلحه".
القواعد الكليه للسلطة :
المساواة :
اتساقا مع كون المستخلف عن الله تعالى في السلطة- أصلا- هو الجماعة ، فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامي في السلطة هي قاعدة المساواة ، ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ( رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم). ثم يقرر الإسلام ما هو صالح للمحافظة علي هذه القاعدة، في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان ، وهما قاعدتي العدل والشورى.
العدل : هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه ، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف ، وذلك بما يسمي الحكم " القضاء" ، ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه، قال تعالى( إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ( النساء:85) .
الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة ، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة ، وذلك بالإشارة به على الآخرين.
ترجيج راى الاغلبيه فيما ليس فيه نص قطعى: وهنا نشير إلى أن مبدأ ترجيح رأى الأغلبية - فيما ليس فيه نص يقينى الورود قطعي الدلالة- مبدأ أشار إليه علماء أهل السنة ، يقول الغزالي في مسألة " إذا بويع لإمامين" (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة... ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح). ويقول ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة)، ومن أقوال الفقهاء ( الأكثرية مدار الحكم عند فقدان دليل أخر) .
كيفية قيام السلطة فى زمان ومكان معينين اجتهاد: أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين ، فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها ، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، بشرط عدم تناقضها مع اصول الدين النصيه الثابته.
الفلسفة الاقتصادية: كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اقتصادية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط الاقتصادى للمجتمع ومنها:
أولا:التوحيد وإسناد ملكيه المال لله تعالى:طبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب اسناد ملكيه المال(اى حق التصرف المطلق فيه ) لله تعالى وحده - لان الملكيه من صفات الربوبيه - قال تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .
ثانيا:الاستخلاف واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال: وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعه فى الانتفاع بالمال، قال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )،وهو ما يتحقق من خلال :
ا/ تقرير أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلأ والنار (روه احمد وأبو داود).
ب/ تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها - وهو ما يقابل القطاع العام ودوره القيادى فى الاقتصاد - قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( لو أن عناقا " عنزا "ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة).
ج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية ، فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد - القطاع الخاص بالمصطلح الاقتصادى المعاصر- بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.
الفلسفة الاجتماعية: كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه اجتماعيه تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، والتى تضبط النشاط الاجتماعى للمجتمع ومنها:
اولا: الاستخلاف الاجتماعى واطواره: الاستخلاف الاجتماعى هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين، ومن أدلته قوله تعالى﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ﴾ ( الأعراف:74). وهو شكل من اشكال الاستخلاف التكوينى ، الذى مضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، لانه اودع فيه أمكانيه معرفه والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، كما فى قوله تعالى﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾(يونس: 14). والاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار نامية خلال الزمان، وهي :
(ا) طور الاسره : وقد ردت الاشاره اليه فى العديد من الايات كقوله تعالى ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ ، والاسره أيضا وحده تكوين أساسيه لكل الأطوار التالية، وبالتالي غير قابله للتجاوز.
(ب) طور العشيرة: وقد وردت الاشاره اليه فى قوله تعالى﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾.
(ج - د ) أطوارالقبيلة والشعب: وقد وردت الاشاره اليهما فى قوله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).
(ه) طور أمه التكوين" أو الطور القومي": وهنا يجب التمييز "وليس الفصل" بين دلالتين لمصطلح امه:
ا/ أمه التكليف : و مناط الانتماء إليها العقيدة .
ب/أمه التكوين : ومناط الانتماء إليها معيارين:
أولا:معيار اللسان "اللغه": وقد وردت الاشاره اليه فى العديد من النصوص كقوله تعالى ( وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)( الروم:22 )، تشير الايه إلى معيار الانتماء إلى أمه التكوين " الطور القومي" وهواللسان، كما تشير إلى معيار الانتماء إلى الأطوار القبلية - وهو النسب المتضمن للون - واتساقا مع هذا المعيار نجد بعض النصوص التى تشير الى ان معيارالانتماء للعروبه هو اللسان العربى وليس النسب العربى كقوله ( صلى الله عليه وسلم) (يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي )(رواه ابن عساكر:3/ 203) ، ورغم أن الحديث تعرض للنقد من جهة الإسناد، إلا أن بعض العلماء اقروا بصحته من جهة الدلالة "المعنى" ، فعلى سيبل المثال يقول الإمام ابن تيميه عن الحديث أن (...معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه )( الاقتضاء ، طبع الأنصار ، ص169) ...
ثانيا:الاستقرار في الأرض الخاصة "الديار": وقد وردت الاشاره اليه فى العديد من الايات كقوله تعالى:﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾( الممتحنة:8) .
(و) طور العالمية: وهو غايه الاستخلاف الاجتماعى النهائيه ، ووحدات تكوينه هى الامم.
ثانيا:التوازن بين الفرد والجماعه: الفلسفه الاجتماعيه الاسلاميه تقوم على التوازن بين الفرد والجماعة ، من خلال التأكيد علي ان الجماعة بالنسبة للفرد ، كالكل بالنسبة للجزء، تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه ، وهو ما اشارت اليه العديد من النصوص ، كقوله (صلى الله عليه وسلم) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ) اخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، " 4/ 1999" ، برقم: "2586"، والبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس ) ، فهى وسط بين الفلسفات الاجتماعية الفردية، التي تتطرف فى التاكيد على الوجود الفردى لدرجه الغاء الوجود الجماعى " كالفلسفة الليبرالية " ، والفلسفات الاجتماعية الجماعية ، التى تتطرف فى التاكيد على الوجود الجماعى لدرجه الغاء الوجود الفردى" كالفلسفة الماركسية ".


د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم



________________________
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري
دراسات ومقالات الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري

هذا النص

ملف
د. صبرى محمد خليل خيرى
المشاهدات
47
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى