محمد السعيد جمعة - عمَّا دار مؤخرًا بين الفيل والنَّمِر

بصفعة صاخبة بدأ العراك..
لسعةُ سوط تلقَّاها صدغُ البدين اللدن أخرجت آهات الانتشاء من صدور المُتحلِّقين. أوَّلُ الغيث صفعة. جاءوا من كل مكان بالقرية للاستمتاع بجولة في المصارعة المصرية الحرة- أو شبه الحرة.
بين شبلين دون العاشرة مُتحفزيْن للقتال، مرعوبيْن منه في الوقت نفسه، يدور الصراع. ضربة تقابلها ضربة، لكمة طائشة تطيش في مقابلها لكمة، وما من فراغ لكيل السباب.
البدين، الوازن ثلاثة وستين كيلو جرامًا، يعرف أن النهاية له. وأبوه واثق من ذلك. لا يمكن أن تسقط ثلاثة وستون تحت وطأة ثلاثين. ليس للثلاثين وطأة من الأصل.
بينما النحيف وأبوه، وأكثر الجمهور المتحلِّق، يأملون أن تكون للثلاثين وطأة تُخيِّب آمال الفحْلين. ما أكثر ما انتصر العَصَب على الشحم. بل. إن القاعدة التي نادرًا ما تشذ هي انتصار العصب.
صفعات النحيف تلدغ، لكمات البدين تسطل.
لا تدعه يتمكن منك، اضرب.. يصرخ الأب النحيف في ابنه. لا يلف يديه حولك، إن فعل ستسقط.. يصرخ بحرارة تنتفخ لها عروق رقبته. مُضطرًا أقحم صغيره في عراك يُدرك أنه غير مُتكافئ بالمرة. ورطته ألمعيته وذيل السبع الذي يتدلى منه، قال وهو ممسك بخرطوم الشيشة؛ إن ابنه مثله يمكنه أن يُمرِّغ عشر رءوس في التراب وحده. لم يمرّ قوله مرور الكرام، انحشر في زور أحدهم.
اضرب يا وحش، كسِّر رأسه.. على الناحية الأخرى يُخاطب البدين ابنه بهدوء الواثقين. ضُمَّه إليك واسقط به.. بصوت واثق ومنتشي كأنه يُغنِّي. لا يشك للحظة في أن صغيره سينهي العراك لصالحه. فقط هو مثل أبيه يحب أن يُلاعب الفئران قبل أن يُنهي أمرها. حتى الفئران تجرؤ على استعراض قدراتها الواهية أمام القطط؛ يتفاخر الفأر بابنه وهو ممسك بعصا الشيشة. لا يحب أن يتفاخر الضعفاء في حرمه. عرض عرضه وورط الفأر وصغيره في حدث أكبر منهما.
اتفقا على أن يُعقَد حول وسطيْ الطفلين حبلٌ سميك يجعل الفاصل بينهما شبه معدوم، فلا تُستخدم الحجارة ولا يفرُّ أحدهما.
لا تدعه يتمكن منك، إن فعل ستسقط..
اضرب يا وحش، كسِّر رأسه..
يختنق الطفلان في الحلقة الضيقة المفروضة عليهما، يتبادلان الخدوش والجراح. إلا أن التبادل يتلاشى مع الوقت وتميل الكفَّة رويدًا ناحية البدين. بكفَّيه الثقيلين يضرب على أُذنيْ خَصمه، يُدوِّخه.. ولا يترك له فضاءً للرد. يلطم الخدَّ ليغير من الإيقاع، ويعود للأذنين. يدكُّ اليافوخ بقبضة يد شاكوشية، وبوجه الشاكوش يدقُّ على الأنف. يثني سبابته ويُثبِّت الثنية بإبهامه، ينقر بهما في جانبيْ الرأس. بأريحية من يعارك نفسه يستعيد الشاكوش.. في العينين، على الحاجبين، الذقن، والفكين. ويختم بروسية من الزمن الجميل تُصدِّع رأس الخَصم وتُصيبه بسطلٍ درويشي لا سماء له.
يزوم الجمهور ويشوِّش على البدين. من البديهي أن ينتصر، لكن، ليس بهذه السهولة. يُشجِّعون النحيف ليستفيق من غيبوبته قبل أن يسقط. لو سقط يسقط فوقه الفحل فيكسر له ذراعًا أو ضلعًا. ظلمَهُ الحبلُ المعقود؛ قدرات النحيفين تظهر أكثر في مساحة حُرَّة. كيف يزجُّ أبٌ بابنه في عراك مُنهي كهذا؟ يتعجبون. يريد أكثر من رجل لو يتدخل لينقذ المسكين من الأذى ويفضُّ المهزلة، لكنَّ الفضول لرؤية نهاية جديدة، غير التي في صدورهم، يمنعهم. فضلًا عن أن مشاهدة اثنين يتعاركان أشهى لدى الكثيرين من فخذ ضأن مُعدٍّ وطازج.
مُتأثرًا بتشجيعهم يستعيد النحيف بعضًا مما فقد، والبدين يرتبك.. تُشتِّته صافرات استهجانهم والهتاف ضده، ينظر إلى والده في حيرة واستفهام. والده نفسه لا يفهم، ينظر إلى الجمهور بغضب واحتقار؛ ما خطبكم؟ ولدي هو المنتصر..
القادم من الجولة لا يُصدِّق على قول الأب. لكمة في البطن العظيم، الرخو، تُغيِّر من مسار النصر المُحتمَل. يتلوَّى البدين على إثرها، يحاول أن ينحني ليتجاوزها فيمنعه ضيق الحيز المفروض. يستغلُّ النحيف هذه الثغرة في دفاعات خصمه ويُتبِع اللكمة بلكمة، ولكمة.. حزمة كاملة من اللكمات في إسفنج مُشبع بالماء والدهن، لا عضل يُخفِّف من وطأة التلقِّي.
يفقد الضخم قدرته على التنفس، يترنَّح فيميل النحيف عليه بفعل الحبل.. يعرف الجميع بما فيهم والده أنه لو سقط على ظهره خاسر. كل عناء النَّمِر يرتكز على إسقاط الفيل، ما بعد ذلك هيِّن وممتع.
يصرخ الأب النحيف في ابنه ليواصل، والبدين يتنازل عن هدوئه وثقته.. يصرخ هو أيضًا في ابنه ليصمد. والجمهور.. تتشتت أصواته لأول مرة منذ بداية الجولة، يزوم بعضهم على السقوط الوشيك للفيل.. يريدون أن يستمر الأخذ والرد لأطول فترة.
يتمالك الفيل نَفْسَه لوِحْدَةٍ من الزمن يحصل فيها على نَفَسٍ من بطنه لا من رئتيه.. وبالكفين الثقيلين، مُجدَّدًا، على الأذنين.. بقوة قارع الصاج في افتتاحية سيمفونية شديدة الصخب.
تزنُّ الضربة في دماغ النمر وتطنُّ كجيش من الذباب، تُعيده إلى غيبوبته المؤقته.. وتُمكّن صاحبها من التقاط أنفاسه. يعرف الفيل هذه المرة ماذا سيفعل. مجرد أن يلف يديه حول صدر غريمه ويضمه إليه ضمَّة أرضية تعتصر اللحم وتُلخلخ الضلوع، ثم يميل بثقله عليه.. ينتهي أمره. سقطة ينتظرها الجميع، يخشونها.
يضمه، يعتصره، يميل عليه وبه.. فيستخدم النمر أنيابه.
يدبُّها في الرقبة السمينة ويُدعِّمها بالضروس والأسنان. ليس على الفيل حرج إن أصدر نهيمًا تفزع له الطيور في السماء.
يتنازل عن الضمة وعن الاعتصار- يُصفِّق الجمهور النشوان- وتخرج أنياب النمر من رقبته وردية تاركةً خلفها طَلَلًا قد لا يزول أبدًا.
ينتفض الأب البدين من فوق كرسيه، رافضًا.. ساخطًا.. عازمًا على إنهاء المباراة التي صارت غير مشروعة بالنسبة له.. لم نتفق على هذا، قلنا لا حجارة ولا عض. يمنعه النحيف الذي لمس في ابنه تصميمًا على النصر؛ قلنا لا حجارة، لكننا لم نتكلم عن العض.
يحتدُّ الأبوان على بعضهما البعض.
ويهتاج البدين الصغير داخل الحلبة لما يرى الدم. من فيلٍ إلى ثور في لحظة.. اضرب اضرب اضرب، كمنفضة السجاد في يد سيدة بيت عتيقه يستخدم يديه. تدوخ الثلاثون كيلو جرامًا وترى الدنيا من عين ملاكم خاسر في جولته الأخيرة. وقبل أن تسأل نفسها؛ أين أنا؟.. تسقط.
نعم، وأخيرًا، تسقط..
يسقطان..
لحسن الحظ لم يسقطا على ظهر النحيف؛ على جنبيهما سقطا. على أرضٍ صلبة ترابها كالحجارة أو أشد قسوة. تزنُّ عظامُ الطفلين وترتجُّ الأرض من تحتهما.
الأبوان منشغلان بما بينهما؛ يتبادلان السُّباب وحواشيه. لم يعد يهمهما ما يدور بين الطفلين. والجمهور تُدهشه السقطة..
على عكس ما كان يجري وهما واقفان، يعتلي النَّمِرُ العائد من غيابه المؤقت الفيلَ المتأثر بسقطته، يضرب وجهه باليمين واليسار. اضرب اضرب اضرب.. لا يعرف لماذا هو هنا. يشقى. قال له أبوه تعارك، فتعارك. ولكن.. من أجل ماذا؟ لا يعرف.
واضرب اضرب اضرب...
ليست هذه نهاية الفيل رغم ذلك. ليُلهي النمر عن اليمين واليسار يُخربش وجهه، الفيلة أيضًا تجيد الخربشة. خمسة أظافر في لحم الخد تنبش من أجل الدم، لا تحصل على الكثير منه مثلما تأتَّى للعضة أن تحصل، لكنها تؤلم.. أنت عضضت وأنا أخربش. يُمسك النمر بجرحه فيقلب الفيل الطاولة ويعتليه. اضرب اضرب اضرب.. هو أيضًا لا يعرف ما الذي به إلى هنا. لم يكن يحسب أن شوكة النمر مسنونة إلى هذا الحد. والآن هو يتكبَّد المرار من أجل متعة والده. من أجل ماذا؟ لا يفهم.
واضرب اضرب اضرب..
أنت خربشت وأنا ملك الخربشة، يُفاجئ النمر مشجعيه بخربشة تقلب الطاولة مرة أخرى.
يتقلبان فوق الأرض،
حتى ينقطع الحبل..
ينفصل التوأم الملتصق للمرة الأولى منذ بداية العراك.
ينتظر الجمهور المُتحفِّز أن يعودا للاشتباك؛ اشتباك حر هذه المرة ولنرى ماذا سيحدث.
يبتعد الفيل عن النمر، وكذلك يبتعد النمر. يتأملان حريتهما. يتبادلان نظرة واحدة ثابتة لا تتغير؛ دهشة ورغبة في قول شيء. شيء مشترك بينهما يبدو لهما واضحًا جدًّا ومُلزِمًا.
من أجل ماذا؟
يصيح الجمهور طالبًا منهما النهوض والمواصلة.
ينهضان، لا يواصلان..
يجريان هربًا ويبتعدان عن المشهد كله،
والأبوان.. يتطور الأمر بينهما إلى استخدام اليد، وربما تُستخدم القدم. بصفعة صاخبة يسترجعان معًا تحت أنظار المشدوهين حكاية الفيل والنمر المنتهية للتو.
تلتف حولهما الرؤوس. لا يجرؤ أحد على التدخل لفضِّ العبث. ضربة تقابلها ضربة، ولكمة طائشة تطيش في مقابها لكمة.. وما من فراغ لكيل السُّباب.



* فازت هذه القصة بالمركز الأول في جائزة الشارقة الثقافية لطلاب الجامعات المصرية "إبداع٥".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى