عائد خصباك - شيخ إمام

بقية ما حدث بعدما قال الضابط ليحيى الطاهر عبد الله: اذهب.
كنت في مقهى" ايزافيتش" المشرفة على ميدان التحرير وكان الوقت قبل دخول العصر عندما وصل يحيى، فقلت له : كنت فين. قال: مش وقته، قم معايا وفي الطريق نتكلم.
بعد نصف ساعة،كنا في "الغورية "، في حارة "حوش قدم" في قلب القاهرة المملوكية المزدحمة باالمواقع والآثار وعند باب مفتوح في مبنى متهالك توقفنا، أمامنا سلم بالكاد وصل إليه نور الشمس، صاح يحيى: يا محمد، يا محمد. فنزل صوت من الأعلى: مين؟ صاح: أنا يحيى الطاهر عبد الله يا محمد. رد الصوت: تفضل يحيى. دخلنا غرفة نورها ضعيف، استقبلنا محمد وقال للشيخ الجالس على سريره: عندك يحيى وصاحبه يا شيخ، كانت تلك الغرفة وملحقاتها هي بيت"الشيخ امام" بكل عظمته.
اختلطت أغنية الشيخ امام "جيفارا مات" بدمي فرددتها مع نفسي: يا شغالين ومحرومين/ يا مسلسلين رجلين وراس/ خلاص خلاص/ ما لكوش خلاص/غير بالبنادق والرصاص/ دا منطق العصر السعيد/ عصر الزنوج والأمريكان/ الكلمة للنار والحديد/ والعدل أخرس أو جبان..في هذا المكان، في الغورية، اجتمع الشيخ إمام بأحمد فؤاد نجم، ليبدآ منذ ذلك التاريخ إبداع تراث غنائي غير مسبوق، ربما لم يسبقهما أحد إلى مثيله، في اتصاله ببسطاء الناس سوى سيد درويش، غنى للشيالين والسقائين والفلاحات والمصريين الفقراء عامة، وغنى للوطن من موقع هؤلاء الذين يصنعون تاريخه.
عاش نجم وإمام في هذه الحارة التي احتضنت عمالقة الفن المصري منهم الشيخ زكريا أحمد، وسيد مكاوي. شكّل نجم وإمام حركة مقاومة فنية، وتحديدًا بعد هزيمة حزيران 1967. نجم يكتب والشيخ يغني فكانت رسالة استنكرت جميع أشكال الظلم والاستبداد.
شربنا الشاي في كبايات كبيرة مليانة للآخر، ودار بيننا حديث .
اتفق يحيى مع الشيخ امام أن نسهر الليلة في شقة صديقنا الكاتب والروائي "عبده جبير" في "السيدة زينب". سأل الشيخ محمدًا: أتعرف المكان يا محمد؟ قال: أعرفه. قال يحيى: ننتظرك في التاسعة مساءا، يا محمد خد بالك خلّي الشيخ في عينيك.
قبل التاسعة كنا في شقة صديقنا الروائي عبده جبير ، أنا ويحيى وخليل كلفت وأمل دنقل وعبده جبير وزوجته جيني الأيرلندية، وما وصل الشيخ إمام بعد،
وصل الشيخ امام برفقة محمد ومحمد فنان فطري شاءت الأقدار أن يلازم الشيخ الذي فقد نعمة البصر وهو صغير، يلازمه في حلّه وترحاله فكان العينين التي يرى شيخه فيهما، يقضي حوائجه، قد يكون الكورس وراء الشيخ إذا اقتضى الأمر ذلك أو ضاربًا على الطبل أحيانًا، ولو سأل سائل: أين أحمد فؤاد نجم؟ لماذا لم يكن حاضرًا معنا؟ أقول: نحن تمنينا حضوره ولكننا نعرف أنه في السجن. ضحك الشيخ قائلًا: المرة الجاية نروح كلنا معاه، إيه رأيكو؟.
غنى الشيخ إمام تلك الليلة: أنا رحت القلعة وشفت ياسين، وغنّى: شيّد قصورك وبقرة حاحا، والأوّلة بلدي، والبحر بيضحك ليه وهي من كلمات نجيب سرور و: أغنيات أخرى، وختمت الجلسة بأغنية جيفارا مات.
بانت خيوط الفجر الأولى عندما نزلنا معا من شقة عبده جبير.
غدا" شيخ امام ثانية.



L’image contient peut-être : 2 personnes, personnes assises et barbe
Aucune description de photo disponible.

هذا النص

ملف
عائد خصباك
المشاهدات
30
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى