محمود شاهين - متى يكتشف أحد ما أنني مت ويعلن نبأ موتي !

قمت بتصوير أشعة لساقي اليمنى ، فتبين أنها مصابة بتكلس وتضييق في الشرايين .. وحتى الآن لم أقابل طبيبا مختصا في الأوعية الدموية للعلاج .

هذا الأمر قرب زمن الموت لدي وجعلني أتصوره في أي لحظة ، بل وتعدى الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك ، بأن أتخيل جثتي متعفنة إذا ما داهمتني جلطة قاتلة ، فأنا أعيش وحيدا وعلى الأغلب ستمر بضعة أيام قبل أن يكتشف أحد ما أنني مت .. لدي ابن في عمان لكن لا أذكر أنه اتصل بي يوما ليسألني عن صحتي أو يطمئن علي .. فهذه مسألة لا تعنيه كما يبدو .. يتعرف علي أحيانا حين أتصل أنا به . ولدي ابنة في الكويت .. تتذكرني أحيانا مرة أو مرتين في الشهر .. على أية حال تعفن جسدي ليس مشكلة كما هو موتي أيضا .. المشكلة عندي تكمن في جلطة غير مميتة تقعدني ، وليس هناك من يعتني بي .. وكل ما أرجوه من إلهي أن تكون جلطة قاضية ، لا تدعني أبدو ذليلا وضعيفا أمام أحد حتى لو كان أقرب الناس إلي . كفاني ما مررت به في حياتي..

محمود شاهين

***

أنا لا أستجدي أحداً إلّا إلهي !

ثمة من فهم كلمتي عن موتي على أنها استجداء للناس وهذا أمر غير وارد في الكلمة على الاطلاق .

وثمة من فهم أنني أعاني من وحدتي التي اخترتها لنفسي ، وهذا غير صحيح وعلى الإطلاق أيضا ، فالوحدة كانت أمنية لي لأعيش فيها مع نفسي ومع الكلمة واللون ومع الله وهو الأهم ، وهنا يكمن سرعشقي للوحدة، وسترون بعض لقاءاتي مع الله في الحلقة القادمة (21) من روايتي " قصة الخلق "

وثمة من فهم أنني أخاف الموت وأخاف تعفن جسدي مع أنني أؤكد ضمن الكلمة أنه لا مشكلة لي مع الموت ومع تعفن جسدي ، فالأمر سيان بالنسبة إلي إن كان التعفن تحت الأرض أو فوقها .. فهو ضرورة لكي تمتزج مادة جسدي بمادة الأرض لتمنحها قدرا من المادة الضرورية لعملية الخلق الحيوية كي تظل مستمرة وغنية ، أما طاقة الخلق ( أو الطاقة الخالقة أو الله إن شئتم) التي كانت تسري في جسدي ، فستنضم إلى طاقة الألوهة عينها لتكون في الوجود كله. الشي الوحيد الذي رجوته من إلهي أن يجعل جلطتي قاضية ، إذا يقدر على ذلك ، كي لا أحتاج من يخدمني ، وهذا الشيء الوحيد في الكلمة الذي يمكن أن يكون استجداء، إنما من الله وليس من البشر، رغم أن طاقة الخلق تسري في أجسادهم أيضا حسب فلسفتي.

وثمة من فهم أنني أتجنى على أولادي كثيرا، رغم أنني ذكرت أن ابنتي تتذكرني مرة أو مرتين في الشهر رغم بعدها عني ، كما انها تغمرني بالهدايا باستمرار. ولا يسعني إلا أن اتمنى لها كل الخير. ولا أطالبها أن تتذكرني كل يوم بالتأكيد . أما الابن فلا أظن أنني بالغت في علاقته بي، فهو فعلا يندر أن يتصل بي حتى هاتفيا ، ولم أدخل بيته منذ ثماني سنوات رغم أنه لا يبعد عني سوى بضعة كيلومترات لا تتجاوز أصابع اليد . وكم أتمنى أن أضم أحفادي إلى حضني وأغمرهم بمحبتي والهدايا من لوحاتي على الأقل . أشك في أنه هاتفني أكثر من ثماني مرات في هذه السنوات. وأشك أنني رأيت أحفادي أكثر من ثلاث مرات في السنوات ذاتها ، ولدقائق فقط . ومع ذلك قلت أنه يتعرف علي أحيانا حين أتصل أنا به ، أو تتصل به أخته لتخبره أن يذهب إلي لأنني في صحة سيئة . والحق أنني بت أخجل من أن أطلب منه مساعدة ، حتى لا أواجه بتذرعه بالعمل وعدم الوقت لديه ، وقد عانيت هذه الأيام في البحث عن طبيب مختص. ومع ذلك لا يسعني إلا أن أدعو لابني بالتوفيق .

بقي يا أصدقائي أن أقول لكم . أنني وبعد عناء تمكنت من لقاء الطبيب المختص بأمراض القلب والأوعية الدموية ضمن شارع يكتظ بالعيادات والمستشفيات في جبل عمان.. وفحصني جيدا وعمل لي تخطيط قلب ، ليخلص إلى نتيجة أن صحتي جيدة جدا مقارنة بعمري، وأن الكوليسترول الذي لدي موجود لدى معظم البشر، ووصف لي دواء روزاتين 10 لإذابة الكوليسترول الضار في الجسم . وطلب إلي أن ألقي صورة الأشعة في القمامة وأن أنساها .

جزيل شكري لكل صديقاتي وأصدقائي الذين أثبتوا لدي أنني لست وحيدا رغم وحدتي .. فأن تجد لك أكثر من أربعمائة صديق في زمن القتل والخراب هذا ، لهو أمر عظيم .. محبتي للجميع .

محمود شاهين .
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

هذا النص

ملف
محمود شاهين
المشاهدات
60
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى