ظاهر ال حبيب - قراءة في سرديات القاص أمير ناظم

الكلابي.

يتناول القاص أمير ناظم في مجموعته القصصية الصادرة عن دار السكرية عام ٢٠٢٠ والتي كانت عتبتها الكبرى ملاحم الذاكرة وما ينفتح مع هذا العنوان من دوال تتشكل عبر مركب العتبة المكون من طرفين متفقين حينا ومختلفين في أحيان أخر . بين الملحمة بغرائبيتها ورهبتها وما يتبعها من تصور ورؤى وأساطير تتشكل مع ظهور الملحمة وما بعدها من تشظيات ذهنية وروحية ومفاهيمية على صعيد الفرد والمجتمع ... اما القسم التالي من عتبة العنوان فهو الذاكرة بكل ما لديها من طاقة إستيعاب ومراجعة وتأويل للزمن القريب والبعيد لمراجعة ماعلق في جدرانه من صور وأحاديث وأحداث تركت بصماتها الموجعة في خبايا الوجدان وخلايا الدماغ لهذا ماينفك الذهن البشري بأسترجاعها وتأمل لحظات القلق المزمن الذي كانت تعانية شخصياتها بمرارة وألم فكان لعتبة العنوان القدرة على توجيه القاريء نحو مقصدية القاص ان ما يجري في مسروداته ان هو إلا محاسبة وتأمل بروح الملحمة وسطوتها القدرية لما تبوح به الذاكرة عن كل ما وقع هناك من بؤس ولقاء وفراق وموت وإغتصاب وإستيهام وخراب وفجيعة في هذه المجموعة القصصية التي تحكمها أجواء مشهدية متقاربة حيث كانت الضمائر المختلفة تتباين في زاوية نظرها للحدث وتعيد سرد الأحداث والرؤى بقصديتها الآنية المعاشة كلحظات تجلي للزمن المكرور
وليس ذاكرتها الحكواتية التي تتوخى إسترجاع الماضي للمراجعة والتسلية بل قصص هذه المجموعة زمنها يمتد حتى يكون زمنا واحدا لاتغاير في تحولاته المصيرية
ولا إنفصال لإنياته الدافقة بتكرار الألم والحاجة والفقد فهذا البطل حليم الصياد في قصة ثورة على النهر يعيش زمنه الممتد بتكرار الخيبة والفشل من دون تجديد ومن دون تغيير ولو من خلال رمزية الصيد الذات التي تمثل إيقونة لأفراد كثر ضائعون في زحمة الخيبة والقرف اليومي المعتاد وتكرار الزمن اللزج بتداعياته النفسية القاسية للفرد والجماعة فهناك من يسرق جهودهم وأرزاقهم ومستقبلهم تحت ذرائع شتى ..... فالشخصيات تعيش الحدث لمحاكاته وليس لسرده أو التماهي مع خواء تجلياته الضاجة بالقرف فهي شخصيات تنوء بتبعات قهرية من خسارات متوالدة وفقر وحرمان وشتات شخصيات تعاني من قلقها المزمن المحموم ومن توالي أسئلتها الصادمة عن ماهية وجودها وضبابية مستقبلها فأقدمت على صنع تاريخها الشخصي بأرادة وتصميم وان حالفها الأحباط والفشل في كل مرة فأملها يكتنز بخلاصها الفردي وتحقيق شرط وجودها فهذا البطل حليم في قصة ثورة على النهر يسرد لنا وهو السارد العليم واقع حياته المكتنزة بالفشل والخيبة في عمله كصياد سمك يفشل كل يوم من اي يصطاد أي شيء فقد رافقه النحس .. هي شخصية قلقه تبحر في خيالات اليقظة وحلم القناعة بالبساطة والأمل واللوذ بمكامن إبداعات النفس المترعة بالضوء بروية وتأمل وإعتزال الغطرسة والعجرفة. وفي القصة الثانية قصة الأسئلة المتكررة نجد البطل سنان يعاني هو الآخر من قرف اليوميات المتكررة وتوالي الأسئلة التي لاتجد لها أجابات مقنعة عن فوضى حياته وحياة أقرانه الشباب الذين يقتلون وقتهم بحشو الفراغ بالتدخين وتعاطي الأركيلة من دون نقطة شروع واضحة لمستقبل زاهر فيبوبخهم البطل سنان وما توبيخة الا هو توبيخ للمرحلة التي يعيشونها بألم ومرارة وعند ما تنغلق بوابات الأمل يقدم سنان على الأنتحار برمي نفسه أمام سيارة مسرعة باحثا عن خلاصه الفردي بعد اليأس من عودة الزمن الأجمل وعدم إكتراث أصدقاء المحنة من صنع خلاصهم الجماعي وبهذا يوصل السرد رسالة قد تحمل دلالات سلبية ولكنها الرؤية الحاكمة عقول بعض اليائسين من صنع أحلامهم الجميلة وفي قصة ذاكرة السمكة فقد جاءت القصة بلغة مكثفة ومركزة بطاقة شعرية بثيمة وأد الجمال وإغتصاب النضارة والقصة تكتنز بلغة الخيال وتوالي صنع المجردات على صعيد مرموزاتها الإنسية و الشيئية وفي هذه القصة إبتعد القاص عن الحشو اللفظي مركزا على جماليات الخيال وترافة اللغة وفي قصة محاولة للنسيان يسرد البطل بضمير المتكلم الذي تركه القاص من دون أن يضع له اسما كباقي القصص حيث يعيش أجواء الأضطراب بعدما وجد مغنية فرنسية عبر الانترنيت تغني وهي تشبه حبيبته الى حد التطابق مما أشعل لهيب الحنين والشوق باحثا عن أية وسيلة للأتصال بها وعبر معاناة مملة وزمن ضمني ويأس قام البطل بطمر الخاتم الذي أشتراه كهدية للحبيبة وبعد طمره في قبر كما أسماه القاص للدلالة على الموت والنهاية وإلا أختار لفظة حفرة والقبر لدفن الموتى لا للأشياء المادية وبعد مخاض نفسي عسير يتأمل البطل جهاز الموبايل فيجد مكالمة فائتة من الحبيبة الغائبة .. والقصة جميلة بتحولاتها السردية... فبطلها وان كان يائسا ولكنه مشبع بالقوة والحركة والإصرار من أجل نيل ما يتمناه. وفي قصة ان ترسم بالصوت . يتناول القاص موضوعة العشق الغائر في جوانية البطل لفتاة الحلم وهو يسترجع بصمات صوتها نغماتها ليجسد حقيقة الحضور المفتر على صفيحة رقعة تتشكل عبر مخيال الوهم أن يرسم حقيقة الجمال عبر جزئية من جزئيات ذلك الجمال الغائب في طيات الخيال والوهم الذي يحاول البطل عبر معاركه الوجدانية من تحقيقه
والفكرة جميلة تجذب ماهو خيالي ومفارق في ان يكون واقعا متجسدا بشيء ما وقد يجسدها الفنانون والمتذوقون للجمال في ان يتصوروا ويقاربوا بالحس والنغمة الصوتية ماهية الشيء وآلية رسم ملامحه عبر جزئية حسية منه مثل الصوت والنغم والحركة وغيرها .اما قصة تذكرت حين غرقت العبارة ...
تتناول واقعة غرق العبارة في مدينة الموصل عام ٢٠١٩ حيث كان حدثا مؤلما في حينه إعتمد القاص أمير ناظم خصيصة الرؤية الكابوسية في حالة تصوير الفاجعة وما رافقها من فوضى وصراخ .. فكان الحلم هو المرآة التي كشف السرد عبرها فجيعة غرق الأطفال والشباب في يوم فرح وزهو .. الكابوس كان مرعبا بتشكلاته ولزوجته ورعبه وصورة القطة والطين والأسماك وضيق المكان والإختناق ماهي الا عناصر أسهمت في تشكيل لوحة المأساة التي أجاد القاص بلعبة الحلم
الكابوس من تجسيدها وكان عليه اللجوء للأقتصاد اللغوي للتركيز على الحدث بدلا من الأطالة فيها في هذه القصة وبعض القصص ...وفي قصة قليلا تحت سطح الأرض . القاص يسرد حكاية بطلا يتبناه .. فالبطل يكابد كابوسا مرفقا تحت الأرض مع عالم الأموات ويتلمس طقوس صور وأشياء من تجربة البرزخ ..عيدان سعف اخضر مسبحة من طين وبعض الحلوى مع لفاف أبيض مثل قماط الطفل ..تجربة الموت كفداء وضحية لكي تستمر الحياة للباقين . السرد يأخذ منحى رسالة أخلاقي لتجربة الفداء فمن هم تحت الأرض قد منحوا الحياة والبقاء لمن هم فوقها وهم بدورهم يسلمون الرسالة والبقاء لأولادهم وأحفادهم.. جاعلا القاص من موضوعة الموت فكرة للديمومة فالبطل البرزخي بطل مشارك في لعبة الحياة وقلقها عبر سحاب شفيف يراقب ويتابع الأشياء والناس من طرف خفي .
ومن قصة في الحجر نلمح اللغة الجميلة والإسترسال السردي الرائع بلغة ضمير المتكلم والقصة تتناول موضوعة الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا عبر أحداث وتنقلات مكانية زاخرة بالتنوع يعيش البطل لحظات إستذكاراته وخساراته الأليمة. وفي قصة لن ترحل وحدك... يعاود القاص أمير ناظم سرديات العشق والتوق نحو الآخر الجاذب للألفة والنقاء والوجد بلغة ضمير المتكلم كلي العلم ... وقد أخذ القاص بالقاريء قسطا من الراحة في هذه القصة شيء من الهدوء والسكينة على خلاف باقي قصص المجموعة التي يعتريها الهم والإنتحار والغرق والجائحة والفقد فكانت الثيمة البحث عن الشريك بأيقاع هادي ء ورتيب الى حيث يجتمع للأحبة بدهشة عدم التوقع على متن الطائرة التي تقلهم الى محطات صفاء ومحبة وإشتياق .
تأتي قصة اقترب منها . حيث تتناول قيمة الثقةالعمياء ..التي قد تجر الخيبات والويلات على من لايحسن دراسة ونوايا الشخص المقابل والقصة تنزاح بلغتها نحو المثيلوجي والديني المتخيل والصراع الدائر بين عوالم الملائكة حيث النقاء والسكينة وبين أوكار الشياطين والأبالسة والقصة تتناول عالما برزخيا توحي بالشفرة والأيماءة الوعظيةالدينية أكثر من إقترابها من المفهوم الدرامي .قصة ترنو نحو العجائبي بلغة سهلة موحية ..وفي قصة الخسارات مفيدة أحيانا .. وعبر لغة ضمير الغائب حين تولى القاص سرد القصة ومنذ البداية قدم القاص مبررات الخسارة التي تتقبلها البطلة فاتن إشباعا لغريزة الأستاذ الجامعي و أملا في تحقيق النجاح في درس الأستاذ الذي راودها على ذلك ويتأجج الصراع النفسي والوجداني في ضمير الطالبة فاتن بين القبول وخيانة الزوج والأهل وبين الرفض وقبول الرسوب وإعادة العام الدراسي .. ولكن الكفة تميل نحو غريزة النجاح لها وللأستاذ الجامعي ..والقصة
تناولت قيمة مهمة وثيمة مقدسة
في المجتمع وهي ثيمة الشرف حينما يكون على محك الصراع في تحولات الحياة على صعيد الفرد في دائرة نزاع الرغبات بين الشخص السالب والمسلوب . وقد أحسن القاص في إتقان لعبته السردية وتناول الصراع النفسي الداخلي لشخصية فاتن بأيقاع يتناسب مع دفق الأثر الداخلي للسرد .كما تضمنت المجموعه القصصية على قصص أخرى تناولت ثيم مختلفة بلغة متقاربة مع باقي القصص وإسلوب واضح بعيدا عن الأطناب والتعقيد فكان القاص قريبا من القاريء مشاركا معه يتجاذب معه أطراف الحكي الذي إستلهم الكثير من مواضيع مسروداته من مرجعيات الواقع المتخم بالكثير من القصص والخبايا و الحكايا والتي ألبسها القاص ومضات من خيالاته الجمالية والفنية فجاءت بحلة رشيقة مفعمة بالجمال والمتعة.


14179

هذا النص

ملف
أمير ناظم
المشاهدات
123
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى