عبدالسلام بنعبد العالي - إعادة بناء الذات

مما يبعث على الدهشة عدد المؤسسات الثقافية التي أصبحت تنبت هنا وهناك في أنحاء الوطن العربي. والظاهر أن لا غرابة في ذلك، إذ ما جدوى »ذكاء« المثقف إن لم يسعفه في إعادة بناء ذاته بأسرع ما يمكن. فيبدو أن عواقب ما سمّاه ربيعاً أو انتفاضة، بل انفجاراً، قد أخذت تخمد، وأن الفرصة أصبحت مواتية لرأب الصدع، وجمع الشتات، وتوحيد »الصفّ« وتضميد الجراح.
بطبيعة الحال، فإن الظروف الحالية تفرض أخذ المعطيات الطارئة والمتغيرات المستجدة في الاعتبار. ولا مفر من استثمارها على أحسن وجه، بهدف إعطاء نفَس جديد للاستمرار في الوجود أوَّلاً، وللبحث عن »المواقع« الملائمة، والمنابر الكفيلة باسترجاع »سلطة المثقف« من جديد. فربما لم تعد هناك جدوى لأن تُعقد المؤتمرات، على غرار ما كانت عليه قبلاً، تحت شعار »الإصلاح« والترميم، ولا أن تهتم المنشورات بتأصيل أفكار ونقد أوهام. فالأمور لم تعد على حالها، فضلاً عن أن هناك عوامل جديدة ينبغي إعطاؤها القيمة التي لم تكن تُعطى لها قبلاً، خصوصاً العامل الديني. فلا بأس إذاً أن يلهج المثقف، حتى الحداثي منه، بلهجة الدين، وأن يلبس للحال لبوسها. ولا حرج في ذلك، ما دام قدَره (وذريعته) هو أن يُنعت على الدوام بأنه »من الفئة التي لا روابط تشدّها إلى أيّ شيء«، على حد قول مانهايم.
لا عجب إذاً في أن يأخذ الحضور الراهن للمثقف »الجديد« شكلاً ثقافياً »بريئاً« في الأساس، وأن تصطبغ المؤسسات التي ينضوي تحتها بالصبغة الثقافية الصّرف، مع ما تستلزمه من عقد للمؤتمرات والندوات، وإقامة للأبحاث والدراسات، ونشر للكتب والمجلات. طبيعي ألا تبدو عناوين الندوات، ولا موضوعات المنشورات خاضعة لمنطق بعينه، بحكم السرعة التي تتوالد بها. المهم أن تولد وتغطي كل المجالات، فتملأ الفراغ وتثبت الحضور، أو استئنافه على الأصح. والأهم أن يستعيد المثقف سلطته التي »هزّها« الربيع، ويُسمع صوته الذي أخفته الانتفاضات وقمَعَه صخبها، ريثما تتضح موازين القوى، وتنجلي الرؤية، وتتبين »المواقع«.

5/22/2013
الاتحاد الاشتراكي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى