عبد الفتاح كيليطو - في صداقة طه حسين

كنت، وأنا تلميذ في الرباط، أتردد على المركز الثقافي المصري، على مقربة من ساحة بييتْري، ولربما قرأت كل ما ضمّت خزانته من كتب. لكن اللقاء الحاسم في تكويني ارتكز بالأساس على مؤلِّفين اثنين، أحدهما شاعر والثاني ناقد. الشاعر هو محمود سامي البارودي، قرأت ديوانه بتحقيق علي الجارم، فاكتشفت الشعر القديم بموضوعاته وصوره وبلاغته. من شرح الديوان تلقّنت باندهاش لغة الشعر، أجَل لغته، لأن للشعر لغة خاصة فريدة يتعيّن تعلّمها والتعوّد عليها. ما زلت أذكر بداية قصيدة كتبها البارودي خلال منفاه بسرنديب:

مَحا البَيْنُ ما أبْقَت عيونُ المَها مِنّي / فَشِبْتُ ولم أقْضِ اللُّبَانَةَ من سِنّي

أما الناقد فهو طه حسين، كاتب مهووس بالقارئ عندما يشرع في الكتابة، يضعه دائما نصب عينيه، إن جاز القول، فيعقد معه حواراً ودياً لانهائياً. قرأت "الأيام" بطبيعة الحال، إلا أنني لا أتذكر منه إلا ما يتعلق بمُعلّم لم يكن قادراً على النطق بحرف القاف، فكان يقع في هفوات لسانية غير متوقعة وأحيانا بذيئة. المفاجأة الكبرى بالنسبة لي كانت دراسات طه حسين النقدية، قرأت معظمها بحماس عارم، وتبيّن لي، للمرة الأولى، أن هناك، إلى جانب الأدب، خطاباً عن الأدب، خطاباً قائماً بذاته ومكتفياً بها، لا يتوقف الاهتمام به بالضرورة على معرفة المؤلفات التي يكون الحديث عنها. ولعل ما وطد علاقتي بعميد الأدب العربي ثقافته الفرنسية، إذ كنت في ذلك الوقت أشاطره المجال نفسه.

كان معجباً بأحمد لطفي السيد، لكن ولعه الشديد كان بالمستشرقين، فمنهم تعلّم المقاربة التاريخية للأدب العربي القديم، التي أفادته ولا شك في إعادة النظر في قيمة الأدب الجاهلي، ولا يخفى أنه كان يعتبر كلام من يدعوهم "علماء اوروبا" قولاً فصلاً في العديد من القضايا. وبارتباطه بالنقاد الفرنسيين لم يعد بإمكانه أن يدرس الأدب العربي بمعزل عن الأدب الفرنسي. فإذا تحدث مثلاً عن "طوق الحمامة" لابن حزم يشير إلى كتاب "في الحب" لستاندال.

ماذا تعلّمت منه؟ أن الأدب العربي في مرتبة ثانية. لقد كان مقتنعاً بذلك، بل كان ذلك موضوعه الأثير، شغله الأساس، وسر الشعور بالدونية والمرارة التي نلمسها عنده بين الفينة والأخرى. توصّل إلى هذه النتيجة عندما قارن الأدب العربي بالأدب اليوناني، واللاتيني، والفارسي. رأى نفسه ملزماً بالإقرار أن المرتبة الأولى من نصيب الأدب اليوناني. أما الأدبان الآخران فصفّى حسابهما وحسم أمرهما بقوله إن اللاتيني ما هو إلا نسخة من اليوناني، والفارسي مجرد انعكاس للعربي.

هذا في ما يخصّ الماضي، فما هو حال الأدب العربي الحديث؟ إنه بدوره في مرتبة ثانية، ثانوية، بالنسبة للأدب الأوروبي، النموذج الفاتن الذي لا مندوحة من محاكاته والنسج على منواله. يبدو المؤلفون العرب حينئذ في نظره تلامذة يوفّقون أو يفشلون بقدر قربهم من، أو بعدهم عن أساتذتهم الأوروبيين. أحمد شوقي لم يكن مواظباً بما فيه الكفاية على دروسهم، ومن هنا، وهو أمير الشعراء، تقصيره وضعف شأنه حين يوضع إزاء بودلير أو فاليري. لن يتسنى إنقاذ الأدب العربي إلا بالإقبال على الأدب الأوروبي والانصهار فيه. مستقبل الثقافة المصرية، والعربية عموماً، هو تشرّب أوروبا والاقتداء بها.

كان هذا الارتسام الذي خرجت به حين قرأت طه حسين وأنا في السن الخامس عشر. لم أعد إليه من جديد، ومن الراجح أن قراءتي له اليوم ستكون مختلفة. أغلب الظن أنني لن أفعل، فلقد وطدت العزم ألا أعود إلى قراءات الصبا، لأنني، حين أقوم بذلك، كثيراً ما أصاب بخيبة أمل شديدة، فأتنكر للمؤلفين الذين كانوا يثيرون فضولي المعرفي، ما قد يعرضني الى التنكر لنفسي والتنقيص من شأنها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى