محمد فيض خالد - حنين.. قصة قصيرة

أخيرا قطع المسافة التي تفصل ما بين قريته والطريق العمومي على خير ، وصلَ قريته مهبط رأسه ، أخذ نفسا عميقا بعد أن أطلّ بوجههِ من النافذةِ الأنيقة ، توقفَ بسيارتهِ الفارهة التي اشتراها مُؤخراًعلى مشارفِ القرية ...
مدّ يده وأمسكَ قطعةً من القماشِ المُعطّر ، مررها فوق جبهتهِ التي تلألأت فوقها حبات العرق ، مرّر منديلا رقيقا فوقَ زجاجِ نظارته الشّمسية الثمينة..
أعادها ثانيةً فوقَ عينيهِ بعد أن كساهما الوجوم ، ألقى نظرةً سريعة مفتعلة نحو ساعتهِ الأنيقة، ثم مدّ
نظره ثانيةً نحو الفضاءِ المُتّسع في زُرقةٍ متناهيةٍ ، نظرة طويلة استغرقَ فيها وقتا، كأنّه لم يحسب من عمر ِ الزمن ، شعرَ ساعتئذٍ وكأنّ الزّمن توقفَ بهِ عن الدورانِ ، لم يوقظه من هذا السّكون الموحش ، إلا صوتا قادما من خلفهِ يصيحُ في جلبةٍ وفوضى ، فلاح بسيط حافي القدمين يضع طرف جِلْبابه في فمهِ :
_ يا ألف سنة بيضه حمد الله عسلامة يا سعادة البيه...
أدارَ وجهه ناحية الصّائح المُتلهف، حملقَ فيهِ في صمتٍ ، جاهدَ طويلا كي يتذكره لكن خانته ذاكرته ، فوجوده القوم متشابهة ، لكن وعلى كُلّ حالٍ فوجهه مألوفًا لديه قليلا ، اضطرته ذاكرته الضّعيفة أن يخلعَ نظارته على كرهٍ ، مدّ يده للرجلِ مُسلِّما ، حاولَ صاحبه تقبيلها ، انتزعها متأففا من بينِ كفيهِ المتشققتين بسرعةٍ ، ثم
مصمص شفتيهِ، وقال في نفسهِ :
_ استغفر الله ، قاتل الله الغربة انستني وجوه أهلي..
وبعد أمتار ٍقليلة تقدّم رجل في ثيابٍ بسيطة ، وابتسامة باهتة تكسو وجهه الأسمر تمهّل حتى دنى منه أكثر ، وقف صاحبنا على بعدِ خطواتٍ من بابِ السيارة ، مالَ بشقهِ الأيسر مُتصنّعا الحياء ، ومبالغا في غضّ طرفهِ ، لكن ظلّ يشيعه بنظراتٍ ثاقبة ، يختلسها في تتابعٍ غريب ، شعرَ صاحبنا عندها بحرارةٍ تخترق السيارة وتلسعه في فخذهِ..
مرّر كُم جِلبابهِ ، يمسحَ فوق جبهتهِ المُحترقة من وهج الشمس ، قطرات من عرقهِ المسترسل ، والتي اختلطت بغبارِ الجِسرِ الكبير ، سَادَ الصّمت بينهما اكتفى صاحبه بنظراتهِ الجائعة ، تحومُ من حولِ السّيارة، أكله الفضول فلم يستطع منعَ يده ؛ أن تعبث بمحتوياتها المتناثرة بداخلها، مُتجاهلِا عبارات التحية التي رددها عليه ، و بين الحينِ والآخر يركز بصره ، مرددا:
_ ألف سنه بيضه جيت امتى يا ابن عمي ..
مرّ الوقت عليهِ ثقيلا ، لكن ماذا عساه أن يفعل فلا يملك سوى الصّبر ، وبعد دقائقٍ قليلة من الحديثِ الباهت ، اُضطرَ لأن يَتعلّل بحجةٍ سخيفةٍ، لقد تأخرَ عن موعدهِ ولابدّ أن يذهبَ في عجالةٍ ، وعده بتكملةِ حديثهما في الدوارِ فليتبعه ...
مضى ومضت معه ذكريات الصِّبا تسبق خطواته، بل وتسبق أنفاسه ..
اضطرته غَبرة الطريق أن يغلقَ النافذة مرةً أخرى ، ويحث السّائق أن يشعلَ مكيف السّيارة، التي انطلقت تحجل فوقَ أكوامِ الحصى والتراب ، وعلى مشارفِ القرية وقفت جموع الخلق تستقبله ، فعلى ما يبدو أنهم على علمٍ مُسبق بموعدِ الوصول ، فالقرية باتت ساهرة تنتظر مقدم ابنها البار ؛ الذي عادَ بعد أعوامهِ الثّمان من غربتهِ ..
وما أن رآهم حتى توقف .. آن الأوان أن يترجّل عن مركبتهِ، ويتخلى عن برودةِ المُكيف ويخلع عنه نظارته الأنيقة..
هيّأ نفسه لشلالِ القُبل وفيضان الأحضان ، التي لا تُفَرِّق بينَ وجههِ وقفاه أو حتى رقبته..
تنقّلَ بين الزِّحامِ مُسلِّما بكُلّ أريحيةٍ ، وعلى الرّغمِ من فطنتهِ التي مكّنته من كشفِ تكرار سلام البعض وتحيته .
إلا أن شيئا جميلا يعتمل بداخلهِ ، يجذبه لهؤلاءِ الفلاحين البسطاء ..
ترى هل هي ذكرى الأيام الخوالي التي قضاها بينهم تؤثره، أم عساها البقية التي تذكره بوالديهِ الراحلين ..
على كُلّ حالٍ ها هو ينتهي من سلامهِ المحتوم، لم تفارق عينيهِ عيونهم ، حيث غمرت الفرحة البعض ، أما البقية ففي صدورهم ما يجهله ، وفي عيونهم الزائغة تساؤلات ، تغالب تجاعيد وجوههم المسمرة ، وابتسامة فاترة لا يعرف معناها..
دارت الأسئلة في رأسهِ دورتها ، تحلق تحليق البوم فوق الخرائبِ..
ألهمه شيطانه الإجابة بسرعةٍ ، أملى عليه اللَّعين ما أملى ؛ إنّها نظرات التقريع واللوم والتوبيخ ، نطقت سهام عيونهم عوضا عن ألسنتهم:
_ الآن يحين مقدمك ، هل أغناك مالك المُتكدِّس وغربتك الهانئة، عن رؤيةِ والديك وهما في أمسّ الحاجةِ إليك، وشمّ أنفاسك قبل أن يحين الأجل ..
هزّ رأسه وكأنه ينفض عنه هذه الوساوس ، مستعيذًا باللهِ من الوسواس الخناس ..
ركنَ سيارته بجانبِ جدارٍ قديم يمين الشّارعِ ، بعد أن تعالت صيحات أحد أقربائه مُحَذِّرا الصّغار من مغبةِ الاقتراب منها..
_ بعد يا واد منك ليه، العربية غالية مش عاوزين هوسه..
لم يشعر إلا ويد تتأبط ذراعه ، أدارَ وجهه في عُجالةٍ إنّه خاله " عرفات " في ملاحةِ وجهه الأسمر النحيف ، و الذي رابطَ على الجِسرِ من بعدِ صلاةِ الفجر ليكون في شَرفِ استقباله..
مشى معه في غبطةٍ ، يتلقى التهاني من الرجالِ أمام الأعتابِ والمصاطبِ، والزغاريد تنطلق من أفواه النساء اللاتي ركبن الأسطح ، في فُرجتهن على البيهِ القادم بعد طولِ غيابٍ ، مشى معه لكنّ لا يدري إلى أين يأخذه..
أحسّ بأنفاسهِ تتابع غير مستقرة ، وكأنّه يصّعد في السّماءِ ، وضعَ يده على صدرهِ يهزه هزاتٍ خفيفة،
ومن بعيدٍ شخصت أمام ناظريهِ أيامه، مرّ شريط الذكريات مرّا سريعا ..
فالجدران هي الجدران والنوافذ المشرعة كما هي ، والأبواب الخشبية بطلائها الأخضر الباهت ، لا تزال شامخة أمام العيون ِ، مالَ برأسهِ يتسمّع ما يصدر عنها ، أبتسمَ فجأةً ابتسامة عريضة ، كشفت عن أسنانهِ البيضاء ..
إنّها همهمة بلكنةٍ غير مفهومة ؛ تعلن ترحابها بالضَّيفِ الغائب ..
اقترب شيئا فشيئا من الجِدارِ حتى التصقَ بهِ ، تظاهرَ بالوقوفِ بجانبهِ لحاجةٍ ما ، لكنّ في قرارةِ نفسهِ أشياء ، همسَ بصوتٍ خافتٍ يرد التحية تسنّد عليهِ .. مرّر كفه في حنوٍ فوقه مراتٍ ومرات ، وبعد خطواتٍ هدأت روحه واستقرّت أنفاسه فقد جاءه الرد ..
_ مرحبا بالصغيرِ الكبير الذي حنّ إلى ملاعبِ صِباه، الغالي الدي لم ينسانا ولم ننساه..
لاحت له عن بُعدٍ بوارق شجرة الجميز الكبيرة ، تنبعث منها أصوات الطيور المختلطة وحركتها اللافتة ، شعرَ وكأنّه لم يغادر المكان يوما واحدا، إنّها نفس الأصوات التي آنست لعبه تحتها صغيرا..
حملقَ في الجميزةِ مراتٍ عديدة ، لكنّه كان البادئ هذه المرة بالتحيةِ، قال بصوتٍ خافت :
_ السلام عليكم ، ها أنا ذا أعود من جديد ، فهل تذكرين صباي؟؟!
هبّت بالمصادفةِ نسمة هواءٍ حرّكت فروعها الكبيرة فاهتزت يمنةً ويسرة..
لاحَ عليهِ باعث الانشراح ، ضَحكَ ولكنه في هذه المرة انفلت ضحكه بصوتٍ مسموع ، لاحظه خاله الذي لا يزال يسير بجانبهِ ، تنبّه لمِا طرأ عليهِ، اكتفى هو الآخر بابتسامةٍ خفيفة ، هزّ رأسه في انبساطٍ ، فقد فطِنَ للحديثِ ..



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى