د. جورج سلوم - النأي بالنفس

أوافقكم الرأي في كل ما انتهت إليه نقاشاتكم ..

وأبصم بالعشرة على ما توصّلتم إليه ..

أنا مع المعترضين مُعترض .. ومع الموافقين موافق .. ومع الموالين مُوالٍ.. ومع المعارضين معارض .. كلّكم على صواب .. وأنا أصمٌّ عن جدالاتكم وطبعاً لا صوت لي إلا من تنهّداتٍ مكبوتة .

جدالاتكم الحامية وحواراتكم المحتدمة ، كلّها ـ والله ـ هادفة ومُحِقّة وتصبُّ في المصلحة العامة التي ما زلت أجهلها .

لماذا لم تتوافق المصلحة العامة مع مصلحتي يوماً ؟

ألستُ من العامة ؟

لماذا تكون مصلحة الوطن ضدّي ؟.. ألستُ من أبناء الوطن؟

لماذا الرّخاء الذي وُعِدتُ به .. صار استرخاءً في عزمي وقدرتي .. ورخاوة في مفاصلي ؟.. هل لأني من فصيلة الرخويات الرّخوة؟

يقولون أنت لا ترى أبعد من أنفك .. وهموم الجماهير فوق همومك الذاتية يا محصور التفكير .. يا محدود الأفق .. يا أيها الضّحل عن سبر الأعماق الحقيقية للحقيقة العميقة

صغيرٌ أنت أمام الهدف الكبير

امّحِ في بوتقة الهدير

طأطئ رأسك وانخرط في النفير .. لا تتبارد أمام هبوب السعير

لا تنظر إلى الخلف ولا تُحصِ خساراتك .. فزواج ذكر النحل من الملكة دونه التضحية بكلِّ الذكور .. يموتون على عتباتها بعد إغلاق الباب على الذكر المحظوظ يلقّحها وتحتفل المملكة بعرسه المجيد.

مملكة النحل تولد هكذا.. فهل أنت معارض لقانون النحل؟

ألم تتذوّق العسل .. إنه المصلحة العامة .. التي مات دونها آلاف الذكور.

- نعم والله !!

صدقتم .. لقد لعقتُ العسلَ يوماً .. وما تذكّرت لسعاته وضرائبه وضحاياه.

أنتم على صواب إذن .. وقراراتكم صائبة وأنا محدود البصر والبصيرة.

سأصفّق للقرارات التي تنتج عن اجتماعاتكم السرّية والعلنية .. وأرى أنّ كل ما تجود به قريحتكم إبداعاً لمّا يسبقكم إليه أحد .. فأنتم ترون ما لا أراه .. وبُعد نظركم ثبُتت دقّته .. وتنبّؤكم بالمستقبل جرّ علينا السعادة اللاحقة التي ستنعم بها أجيالنا القادمة بإذن الله.

لا رأيَ لي ..


لنَقُلْ أنني أصبحت خارج اللعبة .. أصفّق للرابح والخاسر كليهما معاً ، كطريقة النأي بالنفس .. أبصم بالعشرة لكلِّ اللوائح الانتخابية .. كلها برامجها تخدم المصلحة العامة .. وبالنهاية ستنجح واحدةٌ منها .. ولا يصحُّ إلا الصحيح..ولا ابن عم لي فيها ولا ابن خال .. ولن يتغيّر لي بالنتيجة حال من الأحوال.

دمتم ودام فضلكم ..

ومن ركبني فأنا تحته .. وأجهد نفسي لكي لا يميل عن الرّكاب .. ظهري المحدودب سأقعّره من أجلك كسرج الدواب .. لن أترنّح في سيري ولو كان حملي ثقيلاً .. فالفارس سيقود المسيرة نحو المصلحة العامة

ومن عليائه يرى ما لا أراه .. فقط انكزني بعصاك لأسير .. وجّهني بضربة من سوطك ..يمنة أو يسرة .. فلن ترى مني إلا الطاعة العمياء .. والصمت المطبق.. والصبر .. كصبر الحمار

لن يزعجني حذاؤك القاسي .. فأنت ستدوس به الأعداء عندما نصل .. لذا يجب أن يكون قاسياً

وإن تعبتُ وكبوت وسلَوت وسهَوت وتباطأت عن واجبي ، فعليك بأخي وأبي وأمي .. اركبهم جميعاً كمطايا.

خذ أختي إن أردت .. أدخِلها إلى استراحتك .. تساعدك .. تخفّف عنك عبء المسيرة .. تمسح عرقك .. تفرك ظهرك ..ترقص لك إن شئت .. تنسيك همومك الكبيرة.

زوجتي رهن إشارتك أيضاً يا أيها الفارس المقدام .. هي وما في بطنها .. خذها جارية وسارية وجريرة وسريرة .. لا تنسَها في خضمّ معاركك أي معاركنا .. خذها ، فكلنا فدى الهدف الأسمى

فقط أسعِدنا بنصركَ الجبّار .. دعنا نهلّل لك عندما تصل

والله عندي حنينٌ لانتصارٍ نهائيّ ولو كان بكرة القدم .. مللت الانتصارات المرحلية التي تعقبها الهزائم .. دعونا نحمل كأس العالم بعد فوزنا في المباراة النهائية .. ولتصفّق لنا أمم الأرض مرّة واحدة .. وينام كأس العالم الذهبي في بيتنا لمدة أربع سنين .. ويخاف العالم من رهاب لاعبينا في ميادين الكرة.

دعونا نحلم .. ووجّهوا صلواتكم كلها دفعة واحدة عسى أن تتحقق إحدى أمانينا أو واحد من أهدافنا التي ناديتم بها .. واحدٌ فقط!

عرفتُ أنَّ الظروفَ الراهنة لا ترحم .. والرياح ليست شرقية في زماننا ،

وإن هبّت من الشرق حملت غباراً يعمي البصيرة ..

دعوني أنأى بنفسي إذن .. لأنَّ نفسي أمّارةٌ بالسوء .

*************************

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى