ميثم الخزرجي - أسئلة محرمة

(1)
منذُ أنْ تبدَّدت صدمة الاغتيال التي وقعت في منتصف الشهر الفائت للأستاذ عمار صاحب المكتبة التي تنتصف الشارعَ الخلفي، حتى تنافست الألسن بفطرتها المعهودة وثرثرتها المحكمة متخمة بتحليلاتٍ باتت تشرع الأبواب الموصدة أمام الواهمين أو الغافلين ممن تهاوت أذهانهم بعيداً عن مسرح الحدث، تمادت الأقاويل وطفحت الآراء وأخذ صداها يتسع، في الأسواق، في المقاهي، في حكايات النسوة المشعشعة بتخميناتٍ تميل إلى الجد، وفي بلاهة الصبية الرابضين بأفواه الأقبية والممرات، فمنهم من أطلق القول جزافاً بأنَّ سراقاً مجهولين هم الذين فعلوا فعلتهم ليقتلوه، هذا ما جعلنا مكتظين بأفكارٍ باتت تطفو جزعاً لينمو فوق ارتباكاتنا سؤالٌ جوهريٌ "ما الذي يسرقونه"؟ وما الحاجة وراء قتله؟ هل هو المال؟ أم مآرب أخرى، ومنهم من ترفّع عما قبله مؤكداً بدوافع أهل زوجته التي طلّقها قبل ثلاث سنوات وهو السبب الأكثر وقعاً داعماً ما أسلفه بأدلة بلهاء؟ ومنهم من ألزم الحديث بقولة "عن طريق الخطأ"، وهذه نكتةٌ كبيرةٌ أنْ تقتل أحداً عن طريق الخطأ، وهل يتوجب على القاتل الاعتذار؟ إنْ كان حريٌ بنا التوقف عند هذا الكلام وأخذه بنظر الاعتبار، تزاحمت الأحاديث وما من جدوى من استرجاع الأستاذ عمار التي فجرت حكايته لغزاً هائماً بمتاهاتٍ لا نعرف الطريق الأوفر حظاً لفك شفرتها أو التقصي عن أغوارها لحد هذه اللحظة. في تلك الفترة التي تخرجت من الجامعة وقعدت قرابة سنتين دون الحصول على عمل مناسب أو وظيفة محترمة تبطل من نكد العوز لعائلة استشهد معيلها بعجلة مفخخة انفجرت عند عتبة السوق القديم وراح ضحيتها العشرات من الأبرياء الذين لفظتهم صفاقة الحياة, لذا قرروا النزوح نحو قيامة مثلى تليق بأيامهم الموصدة، فُقد والدي ولن نعثر على جثته كاملة فقد سُحق نصفه الأول من جراء الانفجار, أما نصفه الآخر فهوى مع الدراجة التي لم نجد لها أثراً يُستَدل، هكذا استبدلت أحلامي بكوابيس استحالت إلى حياة طارئة لا تعرف الهوادة من أمرها، حياة أمدها القلق, ثمة عقبات راحت تحصد ما أملت به ذاكرتي المدللة لأنتزع منها طموحات أخذت طريقها للاندثار.
في الأشهر الأولى التي أعقبت استشهاد والدي، دفعتني حاجتي الملحة التي لازمتني ملياً للحصول على سبيل للخلاص من البؤس الذي أوغلنا به لا لشيءٍ, بل لإيقاد فتيل الأمل الذي جعلنا نصطدم برعونة القدر، فرحت أتعكز على أصدقائي الخلص الذين ارتبطت معهم بهم مشترك هذا ما جعلني لا أتوانى من حثهم لمساعدتي فيما انجابت قدماي إلى بعض من الأقرباء علّهم يجدون لي منفذاً آمناً أسير وعائلتي إلى حيث الجدوى كمن يستعين برمق شحيح المنال ليطمئن نفسه بالكاد حيث لا مناص الا من مواجهة الواقع على حقيقته، عائلة بأفرادها الأربعة ولدين احدهما في المراحل الأولية من الدراسة وما يكبره في السن يفوقه بالمرحلة وبنت في الجامعة وأمٍّ باتت لا تستطيع فكَّ رمز الخط، يحتمون براتب تقاعديٍ هو المعيل الذي يجبرنا على الكفاف، هذه هي المكافأة المقدمة لعوائل الشهداء الذين ابتلعتهم براثن السياسيين تحت ذريعة الإرهاب، كنت قد اتخذت لنفسي عهداً سابقاً لأوانه بأن لا امتنع عن اي عمل لا يتناسب مع شهادتي المزعومة التي اصطفت مع صورة والدي الشهيد فراحت تقاربه بالمعنى، هذه هي الدنيا تأسر من ليس لديه حيلة وتسري على خلاف ما يمنِّي المرء نفسه، عندها أصبحت لا أقوى على التفكير بطريقة تمكنني من التصدي لهذا الهم الكبير، وما أنا به الآن انتابني شعورٌ باليأس أحسست بضموري إزاء احتياجات عائلتي التي أخذت بازديادٍ ملحوظٍ، كيف لي أنْ أحتمل كل هذا العذاب الذي باغتني فجأة حيث لا قدرة لي على تحمل هذه المسؤولية، ثمة حاجة ماسة تقتصني مع الوقت لتجعلني ضعيف الرجاء إلى ما أنوي إلية، هكذا بتُّ بفكر شارد ما انفكت عني حاجتي الملحة لطلب عملٍ أضحى بعيد المنال.
(2)
لا تزال حادثة سوادي الحلاق الرجل الذي تصدّع عقلة من جراء ما فعلته ابنته الكبرى سمية وهروبها من بيت زوجها الداعية المعروف الذي شاع صيته تقوىً وعرفاناً أثرها الفاعل في الجلبة التي ملأت أركان المكان، عندها أخذ الناس ينتزعون من مخيلتهم تلك الأسئلةَ المحرمةَ المتمسكةَ بالنار ليقذفونها بوحاً على جادة المكاشفة، كان الناس يبصرون أوجاعهم بتنهدات تلقفتها أفواههم المبللة بالتردد بصورة يومية، المدينة التي سول لها أن تنمي أرباباً مفترضي الطاعة عليها أنْ تهادن الموت كيفما حلَّ بوصفه واقعاً لا مفر منه أبداً كتبريرٍ أبلهٍ على استجابتهم للذل والخنوع لمن أطّر نفسه بهالة إلهية باتت هي الطريق المزكى لشرعنة أحكام تلكز أحلام الآخرين لتطمر من تطمره في النار أو تزج من ابتلعت كينونته إلى قصور الجنة الذين أوهموا الناس بأنهم حراسها الليليون، هذا ما اغتمت به أحاديثهم وعن السبب الذي دفع الحلاق أن يزوج ابنته ذات العشرين ربيعاً لرجل يماثل والدها بالسن أو يفوقه بسنوات عدة، الرهبة التي شاخت في ذلك الحين كانت هي المبرر الوحيد إزاء هذه الصدمة التي جعلت الأنظار المرتبكة تبدو نافذة بعض الشيء.
عندها أخذ الحلاق مكانه في حجرته البائسة مدجّناً أيامه بالنحيب الذي لم يفارقه حزناً على ابنته التي ساقها إلى الجحيم بإصراره على الزواج من شخصٍ يكبرها عمراً, أتذكر جيداً كيف أخذت هالة ذلك الداعية بالتفتق حيث الضوء الذي ألفه بدون صخبٍ أو ضجيج وأثار الود عند الغالبية من الناس بصورة مائزة، وقتئذ كانت المسميات تبدو بنصف ملامحها، الجميع كانوا منغمسين بواقع مسحور لا شيء يكشف الضبابية التي حوطت القادم من خارج الحدود أو ربما الداخل ممن انتمى وتماهى مع مجريات الوقت، ما من بصيص أمل خجول يناور حاجبي الأفق معلنا الصرخة/الحقيقة التي تجعلنا في حالة من الوضوح لا الخضوع لتبيان الشرخ الذي أضحت ارتساماته جلية جداً، لا حاجة ليقينٍ عقلاني أو دليل مكتنز الحجة فالموت/الرضوخ حتمية الفقراء هذا ما ارتضيناه لأنفسنا تابعاً حميمياً يذكرنا بمصائرنا البائسة أو كما أودعه لنا أسلافنا الراكسون بالهم حرزاً سرمدي المعنى أو ان تبقى تأملاتنا حبيسة في دائرة ضيقة من الوهم ما برحت أنْ تكلل بالخرس الواجب أو التمحك المستحب إمعاناً لقناعة أفراد لهم حق الفرض كأولوية من ضمن أبجدياتهم أو أساليبهم الواهية، ما بين الظلام والضياء أسئلة ثكلى ما بين التقوى والخداع عيون تترقب بشراهة جذلة, لربما الفوضى التي جردت الأشياء من مسمياتها استطاعت أنْ تصدّر لنا شخوصاً مجهولي الهوية ليكون لهم القدح المعلى في احتواء المشهد وجعلهم في الصدارة، الداعية واحد من الذين ارتوت قداستهم من حيث لا علم لنا به كذلك هي الحال مع بعض من الذين يؤلهونه بهوس غريب أو من مريديه المتشبثين بظلاله عندما يتهادى بقوامه الممشوق وطلّته الناصعة مسترسلاً كعادته بالتكبير ثم ما يلبث أنْ يكشف عن محياه بابتسامة ما انفكت عن حلقة وجهه العريض رافعاً ما تعلق من كفه الأيمن التي احتضنت أخمصه مسبحة تبدو باهظة الثمن مبادراً بالسلام على من يصادفه في الطريق عند خروجه من بيته الذي لا تبعده عنا سوى مسافة محشوة ببيوتات قليلة، نلمحه بوضوح بخطواته المتريثة عندما يشرع أخر الصباح بالذهاب إلى المسجد الذي ينتهي به الحي ليؤم الناس بصلاتهم ويحتكم في أمورهم الشرعية، ناهيك عما أورده من استحصاله قطعة أرض لبناء الجامع متكفلاً بكل احتياجاته، كان الناس عامتهم ينظرون إلى جلالته بعينين متوهجتين لا تشوبهما شائبة الحديث أو مغايرات وجهات النظر مما دفع الذين يطيلون النظر في أنفاسه التقية بأن لا تزاحمهم بعضٌ من التوقفات التي باتت واضحة المعالم، يغلبني الظنُّ أنَّ الناس في حينها لم يشاطرهم البال أو ينجدهم الحال في التمعن بمن حولهم وخصوصاً بمن التصقت به صفة "التابو" ثمة من ارتحل بعيداً عن مناغاة الواقع وارتداء الخيال بصفته القادم/المنقذ الذي سيملأ الأرض جمالاً أو ظلَّ واهناً بما يؤهله بأن يصبح دمية باردة لا تستطيع التحرك إلا بمن ائتمرها. لم يكن لهذا الوضع المأزوم سابقة انذار فقد اختلت الموازين وتداخلت المصائر فيما بينها وأصبحت النوايا أكثر علانية في تداعيات الاحداث التي أخذت بالتماشي مع مجريات العصر، ما كان للمدينة الا أنْ تغفو بعينٍ واحدة علّها تحترس من الجنون الذي افترس درابينها المتقدة بالوجع، كانت البداية منذ ذلك الحين عندما التحق المجهول بسمية الفتاة البهية ذات القوام الجميل والقد النحيف معلنة الفرار أو الموت فلا جزم بما ليس لدينا يقين به، كان ارتباط الداعية بسمية مسألة يشوبها التحفظ بعض الشيء فيما إذا استبعدنا شرع الله فإننا نجد ثمة فارقاً طبقياً وفكرياً لا تنقصه اختلاجات الشك المريرة، حينها ما كان لسوادي الحلاق الرجل البسيط صاحب محل الحلاقة المحتفظ بمهنته على مدى الأربعين عاماً الفائتة مستأجراً دكانه العجوز من الحاج كامل صاحب العمارة المقابلة لبيت الحلاق بأنْ يقابله بالرفض، هذا ما فرضته علية تضاريس المكان أو صفاقة الأفكار المتشبثة بالرهبة والتي تؤول إلى معنى واحد، لا أحد يتجرأ بالرفض أمام خلفاء الله في الأرض حيث الطريق إلى الجنة وعينٌ تبصر ذلك الطريق! الأحداث التي أخذت بالتسارع والموافقة التي حصلت كانت بمثابة تشريف للجميع ممن ينتمون بصلة للحلاق، التذمر طفح على وجه المدينة لكنَّ الوجه الثاني أخذته البهجة والحبور ، إيهٍ يا سُمية التي ترفعت عن كل شيء إمعاناً لشيءٍ يتحفظ قولة بالرفض، إيهٍ أيُّها الفقراء الذين يكترعون الموت بالنيابة، إيهٍ أيَّتها الحياة التي تشرب أسئلة المعنى بهذيان مرٍّ يستحيل إلى غفلة واجبة... لكنَّ الشيء المهول الذي حصل هو هروب سمية من بيت زوجها بدون سبب يربأ إليه أو غاية يشار إليها, هذا ما ادعاهُ زوجها التي نفرت في حينها جميع التهم المنسوبة إليه إيذاناً لمكانته السماوية عندما أخذت حادثة هروبها المفاجئ تتراقص بين أفواه الناس لاعناً اليوم الذي اتسخت صورته بهذه العائلة المارقة.
(3)
في خضم الأَحداث المضطربة التي سوَّرت المدينة والتي بانت ذروتها بالتوهج عند حادثة سمية وما تبعها من مأثور سلبي بالغ الشطط كان لزاماً عليّ أنْ لا أتوانى من مهمتي التي اعتزمت نيتي إليها حيث العمل الذي قوض من أفكاري الشيء الكثير، كانت والدتي التي أخذت ببيع ما تبقى من الحلي قد بادرتني بصراحتها المعهودة بإيجاد سبيل للرزق مهما كانت متاعبه، في هذا الواقع المرير الذي انخرطتُ به لم يكن لي الا خيارٌ واحدٌ معول عليه هو إيغالي بأي عمل لا يسمو إلى طبيعة ما أتمناه، إذ لم أكن على قدر كاف من الرفض أو التفكير في ذلك طمعاً لانسلالي من ظرف أحمق جديرٍ بالتشظي ونزولاً عند رغبة عائلتي التي كادت أنْ تكون كرامتها على المحك، حيث لا مفر من الفاقة المنغرس بها، لا جدوى من الاتيان بأفكارٍ مثالية كانت ومازالت تأملنا بالحياة الهانئة لتحصدنا أناساً ميتين، أحسب ما قاله لي صديقي منتصر عن حاجة الحاج كامل صاحب عمارة الإشراق المعروفة عند سكان المدينة إلى موظفين خدمة وهذه الوظيفة لا تحتاج إلى تفضيل الخبرة أو التشبث بعنان الأكاديمية البلهاء، عمل لا يتمناه الأميون ,بل لا يحتكم إليه عاقل قط، ما أبلغني إياه وعن عمله كمسؤول استعلامات قرابة الأربع سنوات وعن معرفته بالحاج كامل وما عليه من تبعات ممضة جعلتني أتمهل بعض الشيء ،لكنَّ البعض الأكبر قادني إليه، للحاج كامل مكتبه البارز من عمارته الفارهة المرصوفة بمجموعة لا بأس بها من المحال المستأجرة التي اكتظت بالمتبضعين على اختلاف حوائجهم أما الذي أغلق تباعاً فهو الشاهد على ما فعلته ابنة الحلاق ليلتصق بعبارة بارزة اللون "المحل للإيجار"، أوصلني منتصر إلى مكتبه عند أذان الظهر حيث موعد صلاته واستراحته، في هذا الوقت كادت الأرض تطمرني خجلاً لولا استرجاعي لكلماتٍ احتفظت بها من والدتي والتي كان أثرها الفاعل لابتعادي عن بعض من الأفكار الحالمة:
- تقبل الله يا حاج، أقدم لك صديقي حازم الذي وعدتك به.
ارتجفت شفتاه بالتسبيح بعدما أطرق مستأنساً بلملمة سجادته المنسدلة ليتمادى بخطواتٍ واثقةٍ إلى مكتبه الذي انتصف الجهة المقابلة من باب الدخول:
- منا ومنكم... وما هو اسمه.
- لأسارعه بالجواب: إسمي "حازم" وأنا بكالوريوس آداب فرع الجغرافية.
كادت ما استبشرت به خيراً من جملتي الأخيرة تشعره بالدونية على حد ما نفثه من جواب مرّ:
- أنا لم أسألك عن تحصيلك الدراسي سؤالي واضح جداً، العمارة ليس وظيفة حكومية يا بني، ليرتمي بأنظاره الساهمة إلى منتصر، ألم تعلمه ماهي وظيفته؟.
- نعم نعم يا حاج... أخبرته.
- طيب، الدوام من الساعة السابعة صباحاً إلى السابعة ليلا، عُلمْ.
لما أبلغني ذلك الرجل الموتور بما لا يصح أنْ يقوله بهذه الصورة المكفهرَّة ،وقبل الخروج أردف منتصر بإحضار وجبة غداء فاخرة من السمك الطازج إمعاناً لحضور "الخير والبركة" لزيارته بعدما ينتهي من صلاته بالجامع ,ومن ثم أمهلني قائلاً:
- هلا رأيت مستأجراً لذلك المحل الذي عفّر جبهته ذلك القواد
- عن قريب إن شاء الله، عن إذنك يا حاج.
ما كان للحديث أنْ يستمر أكثر مما اختزله صاحب العمارة، الحدس يقين قلق يزعم أنَّه الحاذق الأمهر على بيان صحة الرأي أو إشباع الرغبة المتخلخلة لانتقاء الغيب حكماً ندياً لا سبيل من مغادرتنا عنه أو التهكم عبثاً في إبصارنا للأمور التي بانت صراحتها واضحة بعضَ الشيء، على قدّ ما استشفيته من ذلك الرجل المستفز على قدّ ما تيقنت من عدم الاستهانة من جديته الجارحة، وأنا على الرغم من هذا وذاك أزعم بانِّي المنغلق في انطباعاتي للوهلة الأولى حيث السير على ما تقصدته تلك الانطباعات، لم يك لمنتصر الدخول في معمعة السجال بقدر ما أسدى لي رأياً عن طبيعة الحاج كامل ومزاجيته الشائكة، وهناك ما أضمره خيفة من المعلن المشاع إمعاناً لطبيعة عملة بيد أنَّ ما لاحظته من ملامحه الغارقة بالتشتت كانت قد بددت لي بعضاً من الأسئلة النافرة التي أخذ حضورها بالغياب تماشياً مع ما خصص لي من أجوبة تفضي عن عدم التحدث بأي شيءٍ آخر، ما كان لمنتصر ان يبوح أكثر مما اختصر حديثه بعدم التدخل فيما ليس له بدٌ "طباعه، سلوكياته، المواضيع التي يتبناها، علاقته مع رفاقه من أبناء المكان", فيما انجابت عيناه إلى أحد الأشخاص الذي يحاول جمع كتبه التي امتلأت بها المنضدة الخارجية الموضوعة على طرفي باب الدخول والتي لا تبتعد كثيراً عن عمارة الحاج كامل:
- هذا الشخص لا تقربه أبداً.
"قالها بحذر مشيراً بحاجبيه اللذين انكمشا بصورة مستفزة مع إرتماقةٍ حذرةٍ من رأسه الذي تآزر بالشك"
- استدرت إليه ببطء محكم منوهاً إياه بالسؤال، ولماذا لا أقربه؟ هل هو مصاب بالجدري؟!.
- لأنَّه العدو اللدود للحاج كامل، أحسبه مصاباً بالهوس.
- تفحصته ثانية بالتفاتة مترددة أخذت حظوتها من مسرى الحديث، وما اسمه؟.
- الأستاذ عمار صاحب مكتبة الإبصار فهو من أهل النار!.
- من أهل النار! وما هو معيار أهل النار بالنسبة لديك يا منتصر؟.
أودع حديثي التيه حيث منتهى إليه سؤالي الناري زافراً ما تيسر من أنفاسه المرتبكة برمقه إلى الساعة التي سورت يده اليسرى ,ثمّ أردف قائلا: "عليّ أنْ أغادرك الآن لإحضار وجبة الغداء"، لا تتأخر عليك الحضور في الساعة السابعة صباحاً، لا تتأخر أرجوك.
- طيب طيب... دمت بسلام.
(4)
ذهول يؤنبه الوقت...
سأعدّ وجبة الفطور ، كوني بخير يا أمي ، لا تنسي أنْ تخبري ليلى بما طلبته مني بالأمس سيتوفر عن قريب، أبلغيها الطمأنينة. وكما هو الحال فيما انكشف عن ذلك الصباح المثخن بالقرف حيث العمل الجاد بكل ما يحمله من متاعب مهلكة ماجت بها النفس وأضحت مستاءةً بعض الشيء خصوصاً لمن لا يجيد التعرف على غير ما نشأ عليه، فإذا ما تمهل في انجازه لواجبه تراءت له هنات أحدهم من سكان العمارة معلنة الضجر لإنجاز ما تبعته من مهام، كان الحاج كامل على علمٍ بكل ما يدور في العمارة هذا ما استنتجته من حديثة المترع بالتوصيات عند نهاية كل أسبوع، ما كانت لتوصياته أن تأخذ أكثر من غايتها المعتادة حيث متابعة نواقص العمارة وإتمامها بجد، غير أنَّ حرصه على عدم الاحتكاك بالسكان من داخل وخارج العمارة وخصوصاً بذلك الرجل صاحب المكتبة المشؤومة ذو الأفكار السيئة -على حدِّ ما قاله- أثارت رغبتي للتعرف عليه بنية القصد أو عن طريق المصادفة، فيما إذا قفزت جملة بديهية من أحد العاملين بخصوصه ،جعلتني أتفرس ما يقول بحذر جمّ عسى أنْ ابتغي حقيقته الصحيحة. الرجل الخرف -بائع الكتب- هذا ما يطلق عليه عند أيِّة استراحة نقضيها من متاعب العمل مستدركين حديثنا بالضحك أو ما تيسر من القول، أواه ما لذلك الرجل من ترهات، يزعم منتصر على انَّه مصاب بالهوس وانَّه من أهل النار، هوس ونار وما علاقة هذا بذاك، مؤيداً كلامه بالهذيان الذي يكتبه على وجه مكتبته (مدينة مترعة بالذل، موت، مقدسون جميعهم، لا تسألوا أربابكم) وهذا ما شاهدته بوضوح ملفت -أقول في سري- عند انصهار الليل فجراً حيث السماء المرتبكة بالضياء وقبل البدء بفتح مكتبته يمسك نفسه ليطيل النظر كثيراً إلى ما تمنحه عيناه الحاسرتان فصاحة الرؤيا بأسئلة موجعة، يزفر تارة منها بالذهول ويغادر بعضها تارة أخرى، فضلاً عن عدم استلطافه من قبل الرجل البركة والحاج كامل اللذين لا يطيقان وجوده بالمكان فهو مجنون يا صديقي، "جنون هوس وجحيم", بيد أنَّ الصراخ النافذ للحاج كامل كان قد بدد لي بعضاً من الصور الباهتة التي تشكلت عن واقع ذلك الرجل اللغز لتمحو ما خيّل لي من ملامح كادت أنْ تكتمل:
- أبعد هذا السافل من عتبة العمارة، أبعده يا منتصر
- حسنا يا حاج... أرجوك يا عمّ سوادي إذهب من هنا... سنتدبر أمرك فيما بعد.
- لن أذهب مالم أعرف بمصير ابنتي سمية.
- حسناً، حسناً سأتدبر أمرك فيما بعد, ولكنْ عليك الذهاب من هنا.
- حسبي الله ونعم الوكيل... يقولها مراراً.
أحسب أنَّ منتصراً يدَّخر من العبء الكثير, لكنَّه يكتمه بغرابة هائلة لا يظهره جهراً إلاّ انَّه ينفث تذمره بين ما يلاحظه من تقصير في العمل هذا ما جعله ينعم بحسن النية لبعض من الأمور التي يتبناها بعيداً عن استشارته لمرؤوسه، أرقبه في أحايين كثيرة يتهرب من أسئلتي المكررة عندما أبادره عن علاقة الداعية بالحاج كامل، وما شأن سوادي الحلاق وابنته الهاربة بالحاج كامل، ولماذا كل هذا الكره لبائع الكتب الذي لا نحسبه عدوانياً إلى الحد الذي صورتموه لنا! أسئلة تترى تمضي بين تتمة الحديث بلا أجوبة مقنعه، الأيام التي مرت في العمل كانت حريةً بأنْ أتعرف على بعض من الأشخاص المناوئين لتصرفات الحاج كامل المريبة أو غيره ممن تسور بالدين فصاروا أحجية مبهمة المفاتيح ,لكنهم كانوا يبتلعون ألسنتهم بصراحة القول أو يحاولون التسربل بحجة وافية لاتقاء الشر أو خشية لكشف المحظور، الجميع يمتهنون الخنوع بطريقة ورعة جداً ساعين إلى دحرجة المعنى بلباس التأويل، الجميع بلا مصائر بلا هوية بلا.، كيف لمدينة تعشق قاتليها بسحرٍ كوني الرؤى، أشاطر ذاكرتي أنَّ ما قاله ذلك الكتبي الهرم عند مشاهدتهِ لصاحب العمارة كونه الصوت المتفرد في المكان ليصبح علامة فارقة ترهب ممن ارتضى أو اقتنع بغير ما آل إليه الواقع "هذه ضحايا قداستكم... هذه ضحايا قداستكم" ,مشيراً إلى سوادي الحلاق الذي تقمصه الجنون "أما آن للمدينة أنْ تنتفض أما آن للمدينة أنْ تنتفض"، سكون سكون/صوت متفرد/الكتبي/صوت متفرد... بعد يوم ونصف اليوم وجد الكتبي مقتولاً برصاصة متمرغة في رأسه -تحديداً في رأسه- مرتمية بفوضى كتبه الكثيرة، عندما أخرجوه ثمة قطعٌ بيضاء طوقت جدران المكتبة، قطعٌ أَلصقها بطريقة فنية بارزة، ألتزمتني عبارة غريبة مكتوبة بالأحمر القاني (أنا أفكر/أنا اقتل...) ارتعدت كثيراً منسحباً بأنظاري إلى فضاء المدينة حيث الصمت الذي أطبق عليها، الرصاصة التي قتل بها الكتبي لم تصدر صوتاً! أم نحن في خرس المكان، هل الحقيقة بكماء، من الذي قتله؟، لا صوت، لا سجال، نحن، أم هم، أم صوته الحافز، هل صوته حافز فعلاً أو أصواتنا خافتة؟، حاولت جاهداً تذكر ما قاله بتأنٍ غير أنَّ براثن الصدمة جعلتني أهوي وأفكاري بعيداً، أحسب أنَّ كلام الله الذي رفع على غير وقته وبصوت الداعية كان قد توه حقيقة أمدها السكوت. "أووواه أيتها المدينة النائمة حتى أبناؤك يقتلون بلا صوت".
هامش التصق بالنص:
- الساعة السابعة والنصف وجدوا الأستاذ عمار مقتولاً في مكتبته ترحموا علية كثيراً، لكنهم لعنوه بعد حينٍ من الرحمة.
- الرجل الداعية إنسانا مبجل كيف يقترن بعلاقة وطيدة مع الحاج كامل الرجل المرائي الموبوء، أتذكر أن جدتي كانت قد نصحتني بعدم مصاحبة المسيء... الجدة خاطئة والداعية على صواب.
- منتصر الذي يعرف كل شيء ارتحل بجسده إلى المقبرة القديمة... عفواً عفواً هم الذين أودعوه هناك تجنبا لغفلة بالحديث.
- الحاج سوادي ألتزمه الدخان وبلادة الممرات الطويلة فلا خوف منه بعد الآن على الرغم من أن أدعية الخير والبركة المعقمة بالإيمان الجديد قد أغدقت عليه بفصاحتها المعهودة عند مشاهدته بملابسه المكرورة.
- أمي أخبري ليلى ان عريساً تقدم لها عن طريق الحاج كامل الرجل الذي أعمل عنده وهو داعية معروف هل توافق؟.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى