إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت]5

ديباجة زرادشت
[5] وبعد أن تكلّم زرادشت بكلماته هذه نظر إلى الشعب مجدّداً وصمت. ((ها هُمْ يقفون هنا))، قال مخاطباً قلبه، ((ها هُم يضحكون: إنهم لا يفهمونني، لستُ الفَمَ الذي يَصلُح لهذه الآذان. أينبغي أن تُقطَع أذنيهم أولاً كي يتعلّموا السماع بأعينهم؟ أينبغي أن يقرقع المرء بمثل دَوِيّ الطبول وخُطَب وُعّاظ الكفّارات؟ أم تراهم لايصدّقون سوى لجلجة المُلَعثمين؟
إنّ لديهم شيئاً بفخَرون به. ماذا يُسَمّون ذلك الشيء الذي يجعلهم فخورين؟ ثقافةً يسمّونه، وهو ما يميّزهم عن رُعاة الماعز.
لذلك لايروقهم أن يُنطَقَ في شأنهم عبارة "احتقار". فلأخاطب نخوتهم إذاً! سأحدّثهم عن أكثر الكائنات حقارةً إذاً: لكنّ ذلك هو الإنسان الأخير)).
وهكذا خاطب زرادشت الشعب:
((إنّها الساعة التي على الإنسان أن يرسم فيها هَدَفاً لنفسه. إنّها الساعة التي ينبغي على الإنسان أن يزرع فيها بِذار أمَلِهِ الأعظم.
تُربته ماتزال ثرية بما فيه الكفاية لهذا الغَرس. لكنّ هذه التربة ستغدو ذات يومٍ فقيرة وعقيمة، وما من شجرة سامِقة تستطيع أن تنبُتَ فوقها.
الويل، الويل! سيأتي الوقت الذي لم يكون للإنسان فيه أن يَقذف بسهم رغبته في ما وراء الإنسان، ووتر قوسه لم يَعُد يعرف الاهتزاز!
أقول لكم: على المرء أن يكون حاملاً بعد لشيء من الفوضى كي يَلِدَ نَجماً راقصاً. أقول لكم: مازال لديكم شيء من الفوضى في داخلكم.
الويل، الويل! سيلأتي الوقت الذي لن يَلِدَ المرء فيه نَجماً. الويل، الويل! سيأتي زمن الإنسان الأكثر حقارةً، ذلك الذي لم يَعُد قادراً على احتقار نفسه.
انظروا! ها أنا أرسمُ لكم صورة الإنسان الأخير!
((ما الحب؟ ما الخَلق؟ ما الرغبة؟ ما النجم؟)) هكذا يسأل الإنسان الأخير وهو يغمُزُ بعينيه.
ثمّ ها هي الأرض وقد غَدَت صغيرةً، وفوقها ينطّ الإنسان الأخير الذي يصغّر كل شبء. نوعه غير قابل للانقراض مثل فصيلة البراغيث، إنّ الإنسان الأخير لهو الأطول عمراً.
((لقد ابتكرنا السعادة!))، يقول البشر الأخيرون، ويغمزون بأعينهم.
هجروا الأماكن التي كان فيها العيش مُرهقاً، فالمرء بحاجةٍ إلى دفء. ومايزال الواحد يحبّ جاره ويتحكّك به، فالمرء بحاجةٍ إلى دفء.
أن يمرض الواحد أو تكون له ريبة، فذلك ما يُعَدُّ لديهم خطيئة: لابدّ من التقدّم بحذر، وأحمقٌ هو الذي لايزال يتعثّر في حَجَر أو في بشر!
قليلاً من الُّسمّ بين الحين والآخر: إذ ذلك يجعل الأحلام لذيذةً. وكثيراً من السُّمّ في النهاية، من أجل موتٍ لذيذ.
مايزال المرء يعمل أيضاً، فالعمل تسلية بالنهاية. لكن مع الحرص على أن لاتكون التسلية مُرهقة.
لن يغدو الإنسان فقيراً ولا غنياً، إذ كِلا الأمرين مُرهِقان. من تراه سيريد بعدها أن يحكُم؟ ومَن سيُطيع؟ فكِلا الأمرين مُرهِقان.
ما مِن راعٍ وقطيعُ واحدٌ! كلٌّ يريد الشيء نفسه، والكُلُّ سواء: والذي يحسّ بطريقة مغايرة يقود نفسه إلى مأوى المجانين.
((في ما مضى كان العالَم بأكمله أحمق))، يقول الأكثر لباقةً من بينهم ويغمزون بأعينهم.
الكلّ ذكي وعلى علمٍ بما جرى: وهكذا فإنّ استهزائهم لايعرف حَدّاً. مازالوا يتشاحنون، لكنهم سرعان ما يتراضون _وإلا اضطربت معدَتَهم وتكدّرت.
للمرء ملذّاته الصغيرة للنهار، وملذّاته الصغيرة لليل، لكن على المرء أن يظلّ حريصاً على العافية.
(لقد ابتكرنا السعادة)، يقول البشر الأخيرون ويغمزون بأعينهم))
عند هذا الحَدّ انتهى خطاب زرادشت الأول، أو ما يسمّة "ديباجة" أيضاً، إذ عند هذا الموضع قاطَعَه صراخ الجمع وتهيّجه. "إلينا بهذا الإنسان الأخير يازرادشت!" _هكذا كانوا يصيحون به. "اجعل منّا هؤلاء البشر الأخيرين! وسنترك لك الإنسان الأعلى!"وكان بين الشعب تهليل وابتهاج وطقطقة بالألسن. لكنّ زرادشت تكدّر وحزن وخاطب قلبه قائلاً:
((إنّهم لايفهمونني: لستُ الفم المناسب لهذه الآذان.
لقد عشتُ أطول ممّا ينبغي بين الجبال، وأصغيت أكثر ممّا ينبغي للبحيرات والجداول والأشجار: وها أنا أخاطبهم الآن مثل رُعاة الماعِز.
هادئةٌ روحي ومُشِعّة، صافية كالجبل عند الضحى. لكنهم يرونني بارداً ومستهزئاً ذا هَزارٍ وشنيع.
والآن هم ينظرون إليّ ويضحكون: وفينا هُم يضحكون يحقدون عليّ أيضاً. صقيعٌ يتوهّج في ضحكتهم)).
يشعر زرادشت بالإحباط لفشله في التواصل مع الآخرين حتى الآن. فَهُم يضحكون، ولا يفهمونه. وهذه إشارة إلى العهد الجديد/ إنجيل متّى: الإصحاح 13/13: ((من أجل هذا أكلّمهم بأمثال، لأنّهم مُبصرون لايُبصِرون وسامِعين لا يسمعون ولا يفهمون)). ومقولة هيراقليطس ((إنّهم يسمعون ولايفهمون وهُم أشبه بالصُّمّ. عليهم ينطبق المَثَل القائل: في حضورهم هم غائبون)).
ويظنّ زرادشت أنّ "الثقافة" شيء يفخَر به هؤلاء الناس، شيء يجعلهم فخورين للغاية بحيث لايعود بإمكانهم الاستماع لحديث الاحتقار. ويُقصَد بكلمة الثقافة هنا، على نطاقٍ واسع، المنتجات الأعلى والأكثر روحيةً للنشاط البشري، والتي تعبّر عن، وتُعَزّز قيَم جماعة معيّنة أو الإنسان بشكلٍ عام. وبهذا الثقافة تعني الأخلاق، والأفكار الفلسفية والعلمية، والدين، والفنون، والحكومات، وكلّ ما هنالك. وبالتالي تعمل الثقافة على المحافظة عليها واحتوائها. وفيما يتعلّق بفكرة الحفاظ على الجنس البشري، انظر كتاب "العلم المرح"، القسم الأول، حيث يجادل نيتشه هناك بوجود اقتصاد غير واعٍ إلى حدٍ كبير للحياة البشرية والذي يستلزم "خير" القطيع "وشرّه" [العلم المرح، قسم 318. وسنناقش هذه الفكرة في القسم 15 "عن ألف هدف وهدف"]
تقود تأمّلات نيتشه الأولى بشكل طبيعي إلى مناقشة فكرة "الإنسان الأخير"، النوع غير القابل للانقراض مثل فصيلة البراغيث (الترجمة الأكثر دقةً حسب ما تقترحها الترجمة الإنكليزية هي "الصرصار"). إنّ الإنسان الأخير هو مرحلة من مراحل تطوّر الجنس البشري، لكنّها مرحلة تُجَمّدُ تماماً عملية التطوّر برمّتها وتعيقها.
"لقد ابتكرنا السعادة"، بعد أن تخلّينا عن كل ما هو صعب وخطير وفيه تحدٍ للروح العقل، على حدّ تعبير البشر الأخيرون، وهم يغمزون بأعينهم _هذه صورة تعبّر عن ذهول، أو تشنّج لا إرادي يشير إلى حالة من الانحطاط الداخلي، إنّها صورة للوقت الحاضر (كلمة Augenblink تعني بالألمانية "لحظة")، وهي كل ما يتبقّى عندما يصبح الماضي معروفاً برمّته والمستقبل مُسَيطراً عليه ومُتَحَكّماً به.
"ما مِنْ راعٍ، وقطيعٌ واحد". يقول الأستاذ علي مصباح في هامشه أنّ هذا المقطع بمثابة الجواب على المقولة الإنكليزية _يوحنا، الإصحاح 10/16: "وَلي خِرافٌ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعيّة واحدة وراعٍ واحدٍ". هنا يقدّم لنا نيتشه مفهومه للقطيع _الذي هو كتلة بشرية هائلة غير متمايزة، وهذا مفهوم سياسي ينتقد العصر والقيم الديمقراطية.
بأيّة حال، يصرّ نيتشه على أنّ البشر ضمن القطيع لاتزال لديهم فوضى داخلية، وبذلك يستطيع القطيع أن يَلِدَ نجماً راقصاً، ولايزال قادراً على "قذف سهم رغبته". ويقول الأستاذ علي مصباح في هامشه أيضاً أنّ نيتشه كتب في كتابه ما وراء الخير والشر: "الخليقة والخالِق متّحدان داخل الإنسان: الإنسان خليطٌ من مادة وشظايا وزوائد وطين وروَث وسخافة وفوضى، لكن في الإنسان ـيضاُ مُبدع ومُصَوّر وحِدّة مطرقة وإلهٌ متفرّج ويومٌ سابع _هل تفهمون هذا التناقض؟" إنّه المعنى الذي يعطيه نيتشه للإنسان كصيرورة ومشروع _غير مُكتمِل_ يظلّ منفتحاً على الدوام على عمل الصقل والتشذيب والتتمّة والتهذيب، لكنّه في الوقت ذاته هو الذي يصقل ويشذّب ويُهَذّب ويُطَوّر...
أمّا الإنسان الأخير فهو بمثابة نذير، يهدف لمناشدة كبرياء الحشد وهمّته. ومع ذلك، كما قلنا من قبل، إنّ كلمات نيتشه مُبتَسَرَة ومأخوذة خارج ساقها وبشكل مُخالف لقصده: الحشود تريد أن تكون من هؤلاء الناس الأخيرين الراضين. ويخلُص زرادشت إلى أنّه فشل لأنّه يتحدّث إلى الحشد كما يتحدّث إلى رُعاة الماعز. وهذا يعني إمّا أنّ البشر ضمن الحشد متطوّرون للغاية بالنسبة لهذه التكتيكات المباشرة، أو انّهم متأخّرون من سلالة "البشر الأخيرين".
إبراهيم قيس جركس

هذا النص

ملف
إبراهيم قيس جركس
المشاهدات
179
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى