عبدالقادر وساط (أبو سلمى) - أنسيتَ الحكاية حقا؟

كنتُ في المقهى، والمقهى كان مليئا بالزبائن، ودخان السجائر يخنق الأنفاس، وفي الخارج الليل والمطر، وأضواء السيارات تنعكس على الإسفلت المبلل، المليء بالبرك الصغيرة.
ورأيته يشق طريقه بين الكراسي والطاولات، ويتجه نحوي ونظراته مثبتة عليّ أنا بالذات، ولم أكن أعرفه.
مدَّ إليّ يدَه مصافحا، ثم جَرَّ الكرسي الفارغ بجانبي وجلس قبالتي. صارت ركبتاه لصيقتين بركبتَيّ، وسمعته يقول لي:
-كيف حالك، سي عبدالرحيم؟ لم أرك منذ زمن طويل.
وأنا ليس اسمي عبدالرحيم، لكني قلتُ في نفسي: ما علينا؟ وابتسمتُ في وجهه.
كان في العقد الخامس من العمر. ثيابه رثة. عظام وجهه ناتئة، وهو لم يحلق ذقنه منذ تسعة أو عشرة أيام.
بقي يتفرس في ملامحي بعض الوقت، ثم سألني:
-وكيف حال زهرة؟
لم أعرف من هي زهرة، لكني أجبته أنها بخير.
ناولته سيجارة وأشعلتها له، فشكرني وراح يمتص الدخان باستمتاع ظاهر. سألته: قهوة؟ قال: نعم، قهوة سوداء. ناديت النادل من بعيد وأشرت إليه أن يأتيه بقهوة سوداء.
نفثَ دخانا كثيفا وتنهد بعمق وسألني:
-هل تذكر أيام كنتُ أسوق الطاكسي؟
ورغم أني كنت أجهل كل شيء عن ذلك الموضوع، فقد أجبته بابتسامة مشجعة:
-طبعا، وهل أحد ينسى تلك الأيام؟
جاءه النادل بالقهوة وبكأس ماء. وضع السكر في الفنجان وشرع يحركه بالملعقة. قال إن القهوة ستحرق معدته الفارغة، فهو لم يأكل شيئا منذ الصباح، ولكن ما العمل؟
عندما انتهى من تحريك السكر، سألني إن كنت أذكر قصته مع الحسن الثاني، يوم ركبَ معه في الطاكسي، هنا في الدار البيضاء.
وضعت يدي على جبهتي وتظاهرتُ بأني أحاول التذكر، ثم حركت رأسي بالنفي. قال لي:
-وهل أحد ينسى تلك القصة، يا سي عبدالرحيم؟ كل أصدقائنا يتذكرونها. كان الحسن الثاني متنكرا، لكني عرفته حالما صعد إلى الطاكسي، وجلس على المقعد الخلفي. كان ذلك ما بين الثانية والثالثة صباحا. وأنا نظرت إليه في المرآة وسألته: أين تريد أن تذهب، يا جلالة الملك؟ فابتسم وقال لي: إلى الباطوار! امض بي إلى الباطوار! وحملته إلى هناك، لأنه لا يمكن لأحد أن يعصي أوامر الملك، ومع ذلك فقد كنت خائفا عليه في تلك الساعة من الليل.
كان المطر قد ازداد غزارة في الخارج. وضجيج الزبائن يتصاعد في فضاء المقهى المشبع بالدخان والروائح. وكان صاحبي يحكي والرذاذ يتطاير من فمه:
-قبل أن ينزل الحسن الثاني من الطاكسي أعطاني حقيبة مليئة بالأوراق المالية من فئة مائة درهم، وأمرني أن أنصرف، وأنا قلت له: أليس من الأفضل أن أبقى معك، يا جلالة الملك؟ إن المخاطر كثيرة هنا، في هذا الليل، وليس معك حراس. وعندما قلت له ذلك نظرَ إلي بغضب وأمرني بالانصراف، ثم نزل من السيارة وأغلق الباب خلفه برفق، ومضى مبتعدا، والمطر كان غزيرا مثلما هو الآن، والملك لم يكن لديه ما يحتمي به، لكنه لم يسرع في مشيه، لأن الملوك لا يسرعون أبدا في مشيهم، ثم رأيته يدخل مطعما من مطاعم الباطوار، وكنت كما قلت لك خائفا عليه، لكني كنت مضطرا لتنفيذ أوامره. أما سعادتي بحقيبة الأوراق المالية، فقد كانت سعادة بلا حدود.
قلت له معابثا:
-وماذا فعلتَ بتلك الثروة التي وهبها لك الملك؟
نظر إلي بحزن أول الأمر، ثم بدأ الحزن يتحول إلى غضب. قال لي بشيء من الحدة:
-هل نسيت الحكاية حقا، أم تتظاهر بالنسيان؟
كانت علبة سجائري موضوعة على المنضدة. تناول منها واحدة وأشعلها بسرعة وامتص الدخان بعمق، وهو يردد:
-اسأل صديقك الأستاذ إن كنت أنت قد نسيت!
ثم مدَّ إليّ يدَه مودعا. كان من الواضح أنه جائع وأنه في حاجة إلى نقود، وفكرتُ في مساعدته، لكني لم أجرؤ. خفت أن يغضب. وهو نهض وتوجه نحو الباب وغادر المقهى، ورأيته عبر الزجاج يمشي بملابسه الرثة تحت المطر، وليس لديه ما يحتمي به، إلى أن اختفى عن عينَيّ.


هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط (أبو سلمى)
المشاهدات
43
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى