محمد المهدي السقال - رائحة المرأة والشيطان

سألتِـني مرّة , كيف أصرِف حاجتي إلى رائحة المرأة , كلما اشتدّتْ بي رغبة في جسدها,
ظننتكِ تلمحين إلى مقدار وفائي لك , فقلتُ بأن شهوة الجنس لا تؤرق بالي,
لكنك لم تصدقي مقالتي , وبقيتِ تُلِحين عليَّ في السؤال.
ليتكِ كنتِ تتصورين حالي , في هذا الركن القصيِّ من الشمال,
بين الفصل التعليمي اليتيم , و أقرب نقطة شبه حضرية بها ماء أو كهرباء,
مسافة الساعتين مشياً على الأقدام , إن كانت منتعلة خفاً أو حذاء,
مثلي, يقطعها الأطفال دون العاشرة, تحت لفح الحر في فصل الصيف, أو تحت وابل المطر في فصل الشتاء, فيأتون حصة الدرس مرتعشين كالطير المبلل في العراء , بعد صعود منعرجات الجبل الوعرة,
أما أنا, فأفضل حالاً منهم, إذ أمكُث في مكاني أتابع التغير في الزمان , لا أبارحه إلا عند مطلع كل عطلة رسمية ثابتة أو طارئة, كمْ أفرحُ مثل الصغار بإعلان الدولة عن إجازة غير متوقعة .في مؤخرة المستطيل الإسمنتي, اتخذتُ زاوية أركن فيها لمعاشي, يفصلني عن المقاعد الخلفية المهترئة, ورقُُُ ُ مُقَوَّى جمعته من صناديق الزيت والسكر,فراشي لا يحتمل اضطرابات حركتي,حين تنتابني أحلام أكثرها مزعج إلى حد القرف ,يعلو على الأرض فوق ما تراكم من بقايا خشب متكسر على مدى العشر سنوات الماضية,
قبالتي مكتبة من القصب البلديّ, تقوى رفوفها بالكادّ على حمل ما استبقيت من كتبي, اصطحبتها أملاً في الاستعداد ثانية لامتحان البكالورا ,كل معلم مِنّا يحلم بالنجاح فيها, إنها طوق النجاة من هذه العزلة القاتمة,
و تعودين مرة أخرى للسؤال عن حالي , كلما أجِنَ الليل, و أويت إلى فراشي, لا أسمع في الفضاء غير نباح الكلاب أو حفيف بعض أوراق الشجر ,ليتني كنتُ أتقن لعبة السرد,فأحكي لك عن حجم مكابدتي مع الوحدة , هل تعلمين أن للصمت رنين الصدى في وحشة العزلة؟
نقل السيد المدير عن السيد المفتش عن معالي الوزير , أننا جنودُ الخفاء في هذه البلاد , نخدمُها في السرِّ من أجل رضا الله والوطن , كم سخرنا من السيد المدير, حين وجدناه يتلعثم في الترحيب بنا , لعله هو الآخر يسخر من السيد المفتش,
أما سعادة الوزير , فثمة إجماع على أنه يسخر من نفسه, حين يكون بصدد قراءة ديباجة افتتاح الموسم الدراسيّ كل سنة .هل أقول لكِ بأن الشيطان أرحمُ منهم؟
يؤنسني في النوم واليقظة,
يراودني عن نفسي للاجتراء على الاستمناء لتفريغ الشحنة المتكلسة,فتأبى عليّ نفسي كراهةً أن أُمسِك باللذة بين قبضة كفِّي أصرفها كالحيوان ,لكن الشيطان الأرحم بي, يُلِحُّ في المراودة , فيتسلَّل عبر تعبي , حين أسند رأسي لوسادة خشنة , يأتيني في غرق نومي, يحملني على استحلام جميل بين يدي حسناء في غرفة أجمل, من قال إن اللاوعي باطل فهو كاذب,أستيقظ , يُعانِدني عود الكبريت البارد,تأخذ ظُلمة الزاوية في الانبلاج على وقع استشراء فتيل الشمعة,
أعرف وجهة الماء , لكن , كيف يمكنني الخروج في هذا الجو المطير؟
أستحضر معاناة سكان القرية مع حاجاتهم اليومية,
جنب كل خيمة طينية " مطمورة " للنفايات الآدمية , و ما أن تمتلئ عن آخرها,حتى تكون " مطمورة" أخرى قد فتحت جوفها لاحتضان ما سيأتي بالضرورة,
قلت لأحد الآباء مازحاً :
أتصور " الدوار " صفيحة فوق بركان نتن,
انطلق لسانه من عقاله ليشتم " المخزن " وكل الزبانية الذين ننتخبهم:
يتمسكنون , يتوسلون بكل الوعود الكاذبة لاقتناص أصواتنا, ثم يتمكنون ويتفرعنون,
أخذت بعض أوراق الكراريس القديمة,لا يمكنني الخروج ,قضيت ما استطعت,ثم عدت لأنام ما تبقى من الليل .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى