أمل الكردفاني - المُحَارَب.. قصة قصيرة

أسبل قبعته قبل أن يلقي نظرة على الطرق، باحثاً عن الظلام. إن مصابيح الشوارع، تُعرِّي الأفق، وتجعل مهمته أكثر صعوبة. فتخير جدران المباني الحكومية والمنازل والمحلات المغلقة وزحف تحت ظلالها الشيطانية، في صمت منتصف الليل. يستوقفه الشرطيون دائماً، وينظرون إليه بريبة، نظراتهم غاضبة دون مبرر واضح لهذا الغضب، أصابعهم ترتعش وهي تلتقط بطاقة هويته، يفركون شفاههم بألسنتهم كالكلاب، ثم يعودون للنظر إليه بذات الريبة، فيأخذ بطاقة هويته ويرفع ياقة معطفه ويسبل قبعته ليعبر من تحت بقع الظلام.
الشوارع الليلية، ينفث دخان سجارة رخيصة، ذات رائحة عطنة. تضيق عيناه، ويمضي باحثاً عن بقع الظلام.
الشوارع الليلية، بخار الهواء ينفذ من منخريه، وتدق طبول استدعاء المطر..تدق في قلبه، فتتخلى أصابعه عن السجارة، فتسقط وتتدحرج خلفه، ودخانها يتراقص رمادياً كعالمه. رمادياً..رمادياً، كعالمه..يرى المبنى الذي يستأجر فيه غرفة صغيرة بحمام صغير. (إنك لن تجوع ولن تعرَى) ..تنقبض روحه، وبأصابع جافة يدير مفتاحه، فينزلق المزلاج الصغير الداخلي محدثاً تكة خفيفة. وبيده اليسرى يدفع الباب، مواجهاً الظلام. (إنك لن تعرف النور أبداً). تظل أعصابه مشدودة، حتى وهو يُسجي جسده فوق السرير، عارياً تماماً، ورغم الظلام، تلمع نقطة ضوء صغيرة في بؤبؤ عينه اليسرى..يظل محدقاً إلى السقف المظلم. تصفِّر الصراصير الخفية، تنق الضفادع، يطن البعوض. لكن الظلمة تمتص كل تلك الأصوات، لتضحى جزءً من الصمت.
الشوارع الليلية، الشرطة كالكلاب، لا يميزون بين اللص وغير اللص إلا بالملابس، بطريقة المشي، بالسير تحت الظلام. وكأن البشر كلهم يجب أن يختلفوا عن اللصوص، واللصوص كلهم يجب أن يختلفوا عن غيرهم من البشر. تسقط كتل الظلام داخل جمجمته، وحين يفتح جفنيه، يكون صباح.
....
يتضور جوعاً، قلة من الناس يدركون، أن هناك من ينظر تحت أقدامهم. نعم تحت اقدامهم، حيث تتقافز نقود ورقية، يجرها الهواء المنعدم حتى تصل إلى قدميه. فينحني، بعينين محمرتين ويلتقطها، ثم يشتري طعاماً، يأكله بمضغات بطيئة. (إنك لن تجوع فيها ولن تعرى)، سيجد طعاماً، سيجد مأوى، لم يعد يفكر في ذلك. لكنه لن يشعر بالحياة أبداً. يمضي في الطريق، فتداهمه رغبة في التدخين، يدخل أصابعه إلى جيب بنطاله فلا يجد سوى قداحته، فينحرف إلى حافة الطريق، ويراقب السيارات. تندفع سيارة، سيارة أخرى، ثالثة، ثم تندفع رابعة وصوت ضحكات فاجرة تجلجل من داخلها، ويسمعها تقول لحبيبها (التدخين أصابك بالبرود..توقف فوراً) يراها في لحظة سريعة وهي تلقي بعلبة سجائر حبيبها من النافذة. يحدث كل ذلك في ثانيتين، وتمضي السيارة. فينحني بعينين محمرتين، ويمد أصابعه ملتقطاً علبة السجائر، يغطي القداحة بيده اليسرى، ويقدح شعلتها بيده اليمنى، ثم يجر نفساً عميقاً. يشعر بعدها بأن الدماء تنفر من مخه إلى باقي شرايينه. فيستغرق الوهن جسده. حينها يسير ببطء.
...
يدقون الطبول، يغنون، ويرقصون بالآلاف، مجموعاتٍ مجموعات، وداخل المسجد، يصلي شيخ الطريقة صلاة طويلة، طويلة جداً لا تتحملها سيقان صبي في العاشرة من عمره. فيترك الصلاة ويخرج من المسجد، يشتهي ثريداً، ثريداً مغمساً فيه خبز حار. لكنه يشعر بالرعب حينما يسمع صوت الشيخ "تعال يا ولد".. يتوقف ويدور ملتفتاً إليه. يقول الشيخ بغضب "لماذا لم تكمل الصلاة؟". يرد بخوف "تعبت". يلقي الشيخ نظرة إلى حوارييه، ثم ينادي على أحدهم. يهرع شاب أسمر نحيل حليق الرأس إلى شيخه ويقف أمامه منحنياً، فيقول الشيخ، إذهب به إلى مائدة الشيخ حسن. والحوار لا يسأل شيخه أبداً، بل ينفذ فوراً، فيقتاد الطفل إلى مائدة الشيخ ويقول: "الشيخ".. لكن الشيخ حسن يقاطعه "أعرف.. اتركه هنا".. يمضي الحوار بلا سؤال. فيجر الشيخ حسن الطفل من يده ويجلسه إلى المائدة ثم يقول بابتسامة ذات مغزى: "كل الثريد". يجد الطفل الثريد بالخبز المشرَّب ماثلاً أمامه كما تمناه،فيقحم يده فيه، لكن سخونته تلسعه فترتد كفه بسرعة، ويعصرها بكفه الأخرى ألماً، فيضحك الشيخ والحواريون الذين معه، ثم يقول "لا تتعجل".. ولا يعرف الطفل متى سيبرد الأكل، فينظر لوجه الشيخ. لكن الشيخ يدخل يده ذات الأصابع المشعرة، ويقتلع لقمة، ويطلب من الطفل فتح فمه. فيفعل ذلك. "بعد أن تنتهي عد إلى الشيخ"..ثم ينظر للشاب الذي جاء له. والشاب جامد في إنحناءته المطيعة كالتمثال. ينتهي الطفل ويعود إلى الشيخ الذي يقول: "أكلت؟".. يهز الطفل رأسه ببطء. فيمسد الشيخ لحيته. "ليس عليك أن تتعجل أبداً..أنت من المُحَارَبين.. والمحارَبون لا فائدة من عجلتهم.. إذهب الآن.. ولا تعد لهذا المسجد أبداً". يشير الشيخ للشاب، فيقتادَ الطفل إلى خارج المسجد..ولا يعود إليه أبداً بعد ذلك.
....
"لا شيء يكتمل أبداً.. أبداً"..يقول بأسى. ويزحف تحت الظلام..الأزقة أنسب الأماكن لسيره، فهي غالباً مظلمة، أو ذات إضاءة شاحبة. فيهرب من الشوارع الرئيسية ويدخل إلى الأزقة. وفي بقع الظلام، تغمض الكلاب أعينها، وتتوقف عن اللهاث والنباح. فيمضي قربها بهدوء. وعلى جوانب الممرات الضيقة جدران بيوت قديمة، بائسة وكئيبة كروحه. وحين ينعطف من زقاق لآخر، يسمع صوتاً يناديه. فيلتفت نحوه ليجده رجلا نحيلاً كث شعر الرأس، يجلس أمام باب منزله وفوق الطاولة التي علي يمينه زجاجة مياه معدنية تتلألأ بضوء مصباح صغير متدلٍّ من الباب. فيتوقف وينظر للرجل الذي يقول ضاحكاً "غريب في حي الغرباء..تعال وشاركني الشرب". يدرك أن الرجل سكراناً، وأن بالزجاجة خمر وليس ماء فيقول بصوت خفيض "لا أشرب". يصمت الرجل برهة ويقول "ولماذا لا تشرب؟". لكنه لا يجيب، فيضيف الرجل "جرب كل شيء، جرب، فلا خوفَ عليك".. يصمت الرجل قليلاً ويقول "أنتم المحارَبون لا تجوعون ولا تعرون..تماماً كآدم قبل الهبوط..فلماذا تخف؟". يدق قلبه بسرعة، فيفر بخطوات سريعة جزعة ومضطربة مبتعداً حتى تختفي قهقهات الرجل الساخرة.
...
عيناها واسعتان، واسعتان جداً، رموشها بنية، لا تنفك تحدق في عينيه المحدقتين إلى الأرض واللتين لا تزول عنهما الحمرة. تهمس "إلى متى؟".. تهز رأسها "لم اعد أفهمك..حاولت..حاولت كثيراً.." لكنه لا يرفع رأسه حتى عندما يجر نفساً من سجارته. "لقد حاولت..حاولت كثيراً..لكنك تعاملني كلا شيء..ثلاث سنوات وأنا أواجه العالم من أجلك..لكنك لا تكترث.. لا أريد أن اتحدث حديثاً مبتذلاً كباقي البنات..ولكنني رفضت الزواج من أجلك..ركلت كل من تقدموا لخطبتي..كنت آمل أن تكون عادلاً معي..لكنك لا تكترث..، ألتقي بك هنا، في هذا المقهى الذي لا يرتاده الا الفقراء والصعاليك لأنني أعلم أنك لا تملك مليماً واحداً..وأنك لا ترغب في العمل..إنك في الواقع لا ترغب في عمل أي شيء سوى التسكع..وحتى التسكع يكون داخل أزقة ضيقة خانقة ومظلمة..لماذا؟ مِمَّن تنتقم؟ من نفسك؟ ولماذا؟..وكيف تعيش؟ كيف تجد سكناً وأنت لا تعمل..كيف تأكل وأنت لا تعمل..أين تجد ثمن هذا السجائر وجيبك ليس فيه ريح مال..لم أفهمك أبداً لأنني أحببتك ولا زلت أحبك..كنت أقول لنفسي بأنني لا أحتاج لفهمك..يكفيني أنك لم تهجرني.. هل تقدِّر عاطفتي هذي؟ هل تعمل قاتلاً محترفاً؟ اخبرني بالحقيقة..اخبرني وسأتقبلها مهما كانت.."..يدخل دخان السجائر إلى عينه اليمنى فتدمع. يمسحها بكم قميصه، ويستنشق باقي الدمع بسرعة بمنخره الأيمن كذلك، ثم يعود ليحدق في الأرض. "ألا تراني؟.. هل تحتقرني لدرجة إمتناعك عن إجابة اسئلتي؟". يتهرب من النظر إلى عينيها، ويرمق الطريق خارج المقهى، ثم يقول بصوت مرتجف "لن تفهمي..لن تفهمي أبداً.. أنا لا أملَ فيَّ، لا رجاء..أنا لا احتقرك..أنا أحبك..ولكن..الحب ليس كل شيء في هذا العالم..".. ترف على شفتيها ابتسامة تخبو بسرعة حين ينطق كلمة الحب.. تمد كفها اليسرى وتمسك بكفه اليمنى ثم تهمس بصوت حنون "لا شيء في هذا العالم سوى الحب...". يسحب يده من كفها، مخرجاً قطعة نقدية معدنية يضعها على الطاولة، ثم يفلت السجارة من يده وهو يغادر، ليترك الفتاة في دهشة تنقلب لبكاء مرير.
"كانت حواء صديقة آدم وليست زوجته، لم تضحَ زوجته إلا بعد أن أكلا من الشجرة،..فقبلها كانا مُحارَبَيْن".
يرفع رأسه ناظراً إلى السماء المرصعة بالنجوم...يختفي القمر خلف السحب الرمادية مشعثة الأطراف..يغمره دفق من السعادة المعبقة بالحزن...
"ومتى سأعود؟"..
يجيبه الصوت "حينما يحين الوقت"..
يقول بصوت مبحوح "ولكنني لم أعد أحتمل"..
"لقد اخترت هذا الخيار قبل هبوطك"
"لكنني لا أتذكر"
"وقد قبلت بهذا الشرط أيضاً..أن لا تتذكر....لقد كنتَ ذكياً لتختار هذا المصير..قلة أنتم أيها المحارَبون في هذا العالم..قلة من الأذكياء الذين اختاروا ألا يكونوا شيئاً سوى ظلال تعبر الظلال..قلة من أدركوا حقيقة هذا الوجود"...
ينظر للسماء فيرى نجمة تشع فجأة بضياء أقوى مما كانت عليه ثم تنطفئ متحولة لكتلة من الظلمة. هناك نجمة ماتت قبل ملايين السنين..ماتت الآن فقط.

(تمت)...

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى