مقتطف إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت] -10-

ديباجة زرادشت [10]

ذلك ما قالهُ زرادشت مخاطباً قلبه، وكانت الشمس قد استقرّت متوسّط قبّة السماء: عندها تطلّع في السماء مستفسراً – إذ سَمِعَ صوت طائر، نداءً حاداً فوق رأسه. وإذا هو نسرٌ يحلّق مُسَطّراً دوائر واسعة في الفضاء، وحَيّة تتدلّى منه، لا كالفريسة بل كرفيقة، إذ كانت مُلتَفّةً على عُنُقِهِ.
((ها هُما حَيواناي!)) قال زرادشت وفَرِحَ من كل قلبه.
أكثر الحيواناتأَنَفَةً تحت الشمس، وأكثر الحيوانات ذكاءً تحت الشمس – إنّهما في رحلة استكشاف.
يريدان أن يعرفا ما إذا كان زرادشت حياً بعد؟ وفي الحقيقة، هل أنّني ما زلتُ حياً؟
أكثر خَطَراً وجدتُ الحياة بين الآدَميين، وخطيرةٌ هي الطرق الي يسلُك زرادشت. فَليَقُدني حيواناي إذاً!))
ولمّا تحدّث زرادشت بهذا الكلام تذكّر كلمات الناسك الذي التقاه في الغابة، فتنهّدَ وخاطَبَ قلبه هكذا:
((أريد أن أكون أكثر ذكاءً! أريد أن أكون ذكياً في طبعي مثل حَيّتي!
لكنّني أطلبُ المستحيل هنا: فأنا أطلب من أنَفَتي أن تَظَلَّ دوماً مُصاحِبَةً لذكائي!
وإذا ما تخلّى عنّي ذكائي في يومٍ ما: _أُف، إنّه ليحبّ أن يهرب منّي هكذا! _فلترافق نخوتي طيرانَ جنوني إذاً!))
هكذا بدأ أفول زرادشت.
###########################
يرى زرادشت حيوانيه في السماء، ويُدرِك من فوره أنّ حيوانيه يرافقانه منذ أن وَجَداه. هذا الظهور الغريب للحيوانين يجسّد خاتَم الموافقة على خطط زرادشت ومسيرته الجديدة. لاحَظَ زرادشت أنّ النسر يكتسح السماء في دوائر واسعة، وأنّ الأفعى مُلتَفّة على رقبته مثل حَلَقَة، وهذه صورة رمزية لفكرة العَود الأبدي عند نيتشه، على الرغم من أنّنا حتى الآن _ولا حتى زرادشت نفسه_ إدراك أهمية هذه الصورة. ولكن وحده قارئ كتاب نيتشه "العلم المَرِح" يدرك المعنى الحقيقي لذلك. إنّه نوع من التهكّم الدرامي. إذ يُمَنّي زرادشت نفسه ((أريد أن أكون أكثر ذكاءً! أريد أن أكون ذكياً في طبعي مثل حَيّتي!))
ومن ناحية أخرى، وفي سياق قلبه للقيم والمفاهيم والصور، يقلب نيتشه هنا صورة النسر الذي يحمل حَيّة والتي كانت نذير شؤمٍ في الماضي، عندما كان العرّافون يرون نسراً يحمل حيّةً فهذا معناه أنّ ملكاً سيموت أو بطلاً سيسقط، ليقلب نيتشه هذا المفهوم هنا ويحوّله من نذير شؤم إلى علامة على القوة والذكاء والسطوة.
غالباً ما تستخدم صور الحيوانات كرموز للفضائل النقية أو القدرات والدوافع البسيطة (وعلى هذه الشاكلة صورتي الجمل والأسد في الجزء التالي). فالنسر والحيّة رمزا السماء والأرض، والقوة والذكاء والحيلة. لكأنّها لحظة اتحاد الأرض بالسماء، الفُتُوّة: النسر، مثل ديونيزوس. التجدّد الدائم: الحيّة التي تغيّر جلدها بصفط منتظمة. سيفهم المرء بصفة أوضح دلالات هذه الاستعارة بالعودة إلى ما سبق ممّا كتبه نيتشه في كتابه "العلم المرح"، شذرة 371 ((نحن المُبهَمون: إنّنا عرضةً للخَلط _والحقيقة أنّنا نحن الذين ننمو ولا ننفكّ نتغيّر، نخلَعُ عنّا قشرة قديمة، نغيّر جلدتنا مع كل ربيع، نغدو أكثر شباباً، مُستقبليين أكثر، أرقى وأكثر قوّةً، نرمي بعروقنا في الأعماق بأكثر قوّة _في الشر_ بينما نعانق السماء بأكثر تَحنان وأكثر رحابة، وبكلّ أغصاننا وأوراقنا نمتصّ ضوءها بتعطّشٍ متزايد))
ومع ذلك فإنّ الإنسان "خِلقَةً خلطاً" أو هجيناً بين نباتٍ وشبح. لذلك يميل البشر إلى عدم بلوغهم درجة الكمال والطهارة الكاملة، وألا يكون لديهم فضيلة واحدة يحافظون عليها ويصونوها. لذلك إذا خانه ذكاؤه (كما سيحدث، وقد حدث فعلاً) فربما يخذله كبرياؤه وأَنَفَتَه أيضاً، وإلا سيموت مُكَلّلاً بالعار والخِزي كما مات البهلواني راقص الحبل.
قدّمت الديباجة لزرادشت ليس فقط مسرة جديدة وخطّة جديدة للعمل، _البحث عن تلاميذ وأتباع، وعدم مخاطبة الحشود مجتمعة_ بل كشفت له عن بصيرة جديدة وهي أنّه غير مُستَثنى من عملية التطوّر التي تطلق عليه تسمية "تجاوز الإنسان لذاته" نحو الإنسان الأعلى. نحن لا نلتقي بزرادشت الكامل، مكتمل النموّ أو التكوين، إذا جاز التعبير. وأخيراً، منحت الديباجة زرادشت بصيرة منهجية أيضاً: فهو لايستطيع التحدّث مباشرةً إلى الناس، قارعاً على الطبول والأطباق كما ورد في الديباجة القسم الخامس.
ربما عليه أن "يتعثّر" أو "يتلَعثَمَ". وهذه إمّا إشارة إلى موسى كتعثّره قبل بداية رسالته أو ديموسينس الخطيب والبليغ اليوناني البارز الذي كان ألثَغاً، هزيل القامة، ضعيف الصوت، سريع التنفس، مختلط مخارج الألفاظ، ممّا كان يفرض عليه تقطيع حديثه حتى يفقد الكلام تأثيره ومعناه.
ومع ذلك نرى في وقتٍ لاحق في الإشارة السابقة إلى التلعثم أو التعثّر وصف غير مباشر ولكنه جَليّ لشكل من أشكال التواصل غير المباشر، شكل يفتقر لأسلوب جديد وواضح، يتقدّم من خلال عمليات التكرار، والتحوير والإعادة، ويتّسم بالتجزّؤ والتشظّي والكناية، والشعرية قبل كل شيء.
النموذج الأولي الآخر لمثل هذا التواصل لدى زرادشت يتمثّل في المهرّج طبعاً، الذي يتواصل عن طريق النكات والمقالب (الصدفة أو العَبَث: المصادفات والمفاجآت والمبالغات والهُراء والسفاسف والتورية والتلاعب بالألفاظ والكلمات والتهكّم والمحاكاة الساخرة)، والذي يظهر بأكثر صورة حماقةً عندما يكون في قمّة جدّيته، والعكس صحيح.
لاشكّ أنّ نيتشه قد وضع في ذهنه أكثر من نموذج من النماذج الشكسبيرية النموذجية للأحمق أو المهرّج الأخرق.
إبراهيم قيس جركس 2020

هذا النص

ملف
إبراهيم قيس جركس
المشاهدات
231
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى