جمعة شنب - محكمة.. قصة قصيرة

نعم يا سيّدي القاضي أعرف جمالَ الدين فخر الدين نور الدين أبو طاقيّة معرفةً جيّدة.

........

نعم يا سيّدي القاضي كنت معه، في سيّارته الأمريكيّة الفضّيّة، يوم الحادثة تلك...

.........

نعم يا سيّدي القاضي، كنت أجلس بجانبه في سيّارتِه، وكان ذلك عند الثالثةِ عصرًا تقريبًا، يوم التاسع من كانون الأولّ من العام الفائت...

.........

كنّا في طريقنا إلى بيتِ صديقِنا المشترك علي نهار ...

.........

نعم يا سيّدي القاضي، كنت في كامل وعيي، ولم أكُ ثملًا...

.........

نعم يا سيّدي القاضي، لقد قتلتُه...

.........

كان كما يبدو قد أصلح عجلة سيّارته، وترك تلك الأداة التي يستعان بها لفكّ براغي العجلات، العتلة يا سيّدي، نعم هذه التي أمامك...

.........

هاأنذا أتابع يا سيّدي القاضي.. لقد هويتُ بها على ناصيتِه، فانفجر الدم، ورشق معطفي ووجهي، ثمّ هويتُ بها على رأسِه، في بقاعٍ مختلفةٍ، أكثرَ من مرّة، حتّى تيقّنت من موته...

.........

أقسم بالله العظيم يا سيّدي القاضي، قسمًا غليظًا، أنّك لو كنت مكاني لفعلتَ ما فعلتُ.. ولو كان أيّ رجلٍ في موقعي لبطش بجمالٍ بطشًا فظيعًا... إنّ أيّ امرئٍ حصيفٍ، ذي قدرٍ معقولٍ من الحسّ، سيقتله بطريقتي، أو ربّما بطريقةٍ أخرى.. لا أكتمك يا سيّدي القاضي، فإنّ مسألة استخدام تلك القطعة الحديديّة، لم تكن قد مرّت بخاطري يومًا... عمومًا، لا بأسَ، لقد قضت عليه بأقلَّ من أربع ضرباتٍ...

............

كلّا يا سيّدي القاضي، لم نكن متخاصِمين البتّة..

.........

نعم أعرفه منذ عشرين سنةً. لقد درسنا الابتدائية والإعداديّة معًا...

.........

أجل يا سيّدي القاضي...

.........

التفاصيل بسيطة يا سيّدي: بعد أقلّ من دقيقتين من جلوسي في المقعد، فتح هاتفه النّقّال، وراح يتكلّم إلى شخصٍ ما على الجانبِ الآخر، بدا مهمًّا، وهذا أمرٌ مقبول، لكنّه كان يتذلّل له يا سيّدي. كان يتكلم إليه بتواضعٍ جمٍّ تعدّى حدودَ المهانة. وفي الوقت ذاتهِ كان يحدّق في وجهي، ويغمز بعينهِ اليمنى.. أليس معيبًا، يا سيّدي القاضي، أن تغمزَ رجلاً لا يراك، فيما تتكلّم إليه ولك عنده حاجة؟ ثمّ إنّه يا سيّدي كان يبتسمُ في وجهي، فبدا لي أنّه لم ينظّف أسنانه منذ ثلاثةَ عشرَ عامًا..أليس معيبًا ألّا يُعنى الرجلُ بأسنانه؟ ولقد طالني رذاذُ لسانِهِ غير مرّة... لقد طال تذلّلُه يا سيّدي، فاق الرّبع ساعة، فأحسستُ بضيقِ وشيءِ من الغبش.. أليس مريعًا يا سيّدي أن تقفل نوافذَ السيّارة بزرّ التحكم، ولا تأبه بحاجة جليسك إلى تنشقِ شيءٍ من الهواء؟ لقد حاولتُ -غيرَ مرّةِ- شقّ النافذة، وكان يشير إليّ بإصبعهِ ألّا أفعل.. لقد كنت بحاجة لبعض الهواء البارد يدخل رئتي يا سيّدي، وأحسست بحاجتي لتدخين سيجارة، أنفث دخانها خلَلَ النافذة، سيّما وأنا أعلم أن صاحبي غير مدخّن، فأحسسته يؤنّبني، كما لو كنت أتيت منكرًا. لقد اختنقت يا سيّدي، سيّما وقد بدا لي أن صاحبي أطلق ريحًا كريهة.. أليس الهواءُ حقًّا من حقوق الإنسان؟

لقد حاولت فتح الباب للخروج من السيارة، فاستحالَ عليّ ذلك، وبدا لي أنه قد تحكّم بالباب أيضاً... لقد أحسستُ بالصّغر يا سيّدي القاضي، فشججتُ رأسه حتّى مات.

.........

كلّا بالطبعِ لستُ مذنبًا يا سيّدي.

أشار القاضي إلى شرطيين لتكبيله وأخذه، ورفع الجلسة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى