شعر الملامح المرسوم بخيوط الفجر في ديوان قبل مشرق الحب بنبضة للشاعرة فاطمة وهيدي

قراءة نقدية في ديوان
(قبل مشرق الحب بنبضة)
‏شعر الملامح المرسوم بخيوط الفجر
للشاعرة فاطمة وهيدي ..
بقلم: حسن غريب
كاتب روائي ناقد
عضو اتحاد كتاب مصر
____________________________
استهل قراءتي بالعنوان الذي تدعوني شاعرته قبل مشرق الحب بنبضة برداء الغسق في ليل يتفتح على احداث ابداع في رؤى انسيابية المعنى والجمل مع شاعرة رقيقة وانسانة تفيض بالاحساس والخجل الانثوي الذي لا يتوارى عن وجنتيها بعد ان اصدرت ديوانها الاول ,,تقاسيم على وتر الشوق ,, وكنت اول شخص يمسك بباكورة انتاجها في عام2011م إلى جانب كتابتها القصة القصيرة جدا وإلى جانب ذلك فهي أديبة وروائية شاملة في مضمار الأدب في شتى ألوانه , لكننا الآن بصدد ديوانها الذي أيدينا (قبل مشرق الحب بنبضة) الصادر عام 2019م عن دار روافد للطباعة والنشر ، إذن فاطمة وهيدي هي : شاعرة الملامح المرسومة بخيوط الفجر , المضوعة برائحة الورد ونبضة حب مصري أصيل , تمتطي السحاب فوق اجنحة
الحمام ولا تغرق في جوف الغسق , شاعرة مغامرة تخترق يم القصيدة بلا شراع , متأثرة بعمالقة الثقافة والأدب على الساحة المصرية والعربية والذين امسكوا بيدها نحو القلم والعلم , وبشواعر رائعات وخضن تجربة الشعر بعمق اللواتي حن عليها واودعن في جوفها الاحساس , وبصديقات رائعات شدت على زندها وسارت بها الى طريق الجرأة والابداع واصبحت لها سنديانة وظل لا يفارقها وسرا تدفن فيه كل مكنوناتها
فالقصيدة الاولى من ديوانها
قبل أن تنبلج شمسه
تسنبلت أشواقي
في كل شوق مائة لهفة
كل لهفة تصيح
كلما هزني الهوى
هيت لك
مذ أحببتك وعقلي يهمس لقلبي
"لا تقصص رؤياك على أحد
حتى لا يكيدوا لنبضك "
كل القصائد المخبؤة
بين حروفي الصامتة
تشي بك
فالمقاطع التي بين ايدينا هي دعوة من الشاعرة فاطمة وهيدي للتأمل في الأسى , وفي مكنون الشعر الذي قدمته شاعرتنا لكل من أراد مشاركتهافي الغوص بين أمواج الحروف للوصول الى عمق القصيدة واستخراج ما بين السطور , وكأن الزمن هنا يمشي فوق جسر الشعور يبحث عن مسام ينفذ علقما يحول الفكرة الى جماد حي , وليكون عنصر قائم الذات من مفهوم الآتي المحمل بحروف صامتة ولون اللهفة الشعوري في رؤيا الهوى الذي يسكن انفاس الشاعر وينفذ الى روح الآخر من حيث لا يدري للمكيدة يمضي , مهموم الخلد للجراح , وهي تشكي والآتي يبكي كما للمكيدة تعصف المكان تمزق ثوب الأمان
هي رؤى فكرية في اماءة شعرية لفنرة زمنية في شكل مروع بلون العشق الذى يستحي أن يعلن عن رؤياه , وللمعنى هنا مفهوم واحد فيه الروح تتخبط في معاناة الشاعرة كأنها زلزال من الآم لاتهدأ ولا تستكين في منعرجات ومنعطفات وطبات الاحزان , يموت الفرح وينبعث القرح فوق الصخر , وتنسج الوجع كأنه الأستيطان في أعماق كينونتها خالد لا يعنيه الزمن ولا ينتهي بمجرد نزفه , آهة أو صرخة في كوب ماء أو رداء حذاء , أو عيور في أرض جرداء خالية من بهجة الحبيب
بَينَ بَيْن
أن تكتب يعني أن
تفتح جرحك بالقلم
على مرمى ومسمع من الجميع
ألا تكتب يعني أن
ترتق جرحك بالصمت
و بداخله وجع يعتمل
أن تتأرجح بَينَ بَيْن
يعني أن
ينهش قلبك الحنين
ويلتهم الكبرياء أصابعك
وتضيع أنت منك.
الجرح دال سيميائي عميق مخضب بالشعرية , لا بل هو في أصبه وجذره العلامي الأصيل كائن شعري بأمتياز , والكلام الذي لا وجع القلب فيه بين بين لا شعر فيه , انه احد ابرز مفاتيح المعنى الذي بوسعه دائما تقليب صفحات كتاب الدهشة بمتعه ويسر وجمالية , وهو عند احسان طاقة جبارة لابتكار الطبيعة وكتباتها , القلم على صعيد الفعل الدرامي شخصية درامية تصنع أفعالها ببراعة عالية وقصدية بالغة الدقة والصيرورة , ان الموجة الاولى المتلاحقة من افعال ( ترتق \ ينهش \ يلتهم \ ) مبنية بناء سرديا دراميا تعاضديا داخل دائرة محكمة التخطيط , اذ يتحول الرتق الى رسام شعري ماهر يكتب الطبيعة بريشة محترفة على جسد القصيدة , تتكثف عن لغة مرآوية ملونة تحكي داخل طبقاتها حكاية الجرح , وتشحن المشهد الشعري بسيولتها وجريانها الدائم في المعنى
لغة شعرية شديدة الشفافية , وايقاعات واضحة شجية , ونسيج متكامل الادوات في احكام , يجعل من تأمله متعة شعرية وروحية عميقة , لا يعوقها أغراب أو الغاز أو ادعاء بشعرية مزيفة , هذا التوهج وهذه الشفافية الباذخة , وهذا الاحكام , يكشف للمتأمل في قصائد الديوان عن دوران الأحلام في صورها اللغوية المختلفة في جميع القصائد
إذا أحببت كاتبة
لا تنتظر منها أن تطهو لك وجبة شهية
فلا وقت لديها
هي في كل لحظة
تسعي لطهي قصيدة
على ركوة أشواقها
هي مشغولة بابتكار لغة بكر
لم يمسسها بشر من قبل
هي تقد قميص الغياب من قبل
، ومن دبر.
ومن كل الجهات.
هذا المعجم الشعري المرتبط بالحلم في كل تجلياته وصوره اللغوية والرؤوية , له دلالته الكاشفة عن المجموعة الشعرية , يبنى من حجارة الاحلام بيتا يمتطي فوق السحاب ويعزف انغام الرباب , فهذا المعجم الشعري المحتشد بالموسيقى والنغم لم يجيىء نتيجة المفارقة , ولكنه وجود حتمي مرتبط يتراجيديا الديوان المتمثلة في انكسار الاحلام فيما يشبه المرثية البكائية النازفة من نبضة إشراقة الحب الغائبة :
هي تحارب الشوق بالحروف
وتقايض الآهات بالكلمات
هي لن تكلفك عناء اختراع كذبة
لتبرر غيابك
فهي تحفظ كل الروايات
عن ظهر قلب
هي لن تحتفي بهدية غالية الثمن
سترضبها نظرة باهظة الحنان
هي لن تبحث معك عن السعادة
فوجودك وحده محسنات بديعية
لكل قبيح حولها
هي عندما تختبر إخلاصك في غيابها
لن تترك لك فردة حذاء
حتى لا تتشابه عليك القلوب
ستحرص على ذرع عطرها
في كل مكان ذهبتما إليه معا
أو حدثتك ذات أمنية
عن رغبتها في زيارته معك!
تستشرف الشاعرة فاطمة وهيدي حصاد الحياة والشعر والحب والوجود كله في هذه المقاطع وتعري فضول المجتمع بسخرية لاذعة , هو حصاد الهشيم , تسكب أهاتها في شرايين القصيدة المتوهجة بالحب والبوح
ان فاطمة وهيدي شاعرة رومانسية بالمعنى الثوري والساخر والرافض والغاضي على القديم , شاعرة المواجهة منتفضة بجنون في وجه التردي المجتمعي , في اختلاط المعايير الاجتماعية , واضطراب القيم السائدة , وكانها تقول شهادتها لهذا الزمان في وضوح ساطع لا لبس فيه , لا شعر خارج الحب , ولا شعر خارج الموسيقى والغناء , لا شعر الا اذا صدحت حنجرة الشاعر وغنت بموسيقى الحب , هي تتأمل فيما حولها , فترى نفسها انسانة حالمة بما تحتويه خزائنها , ولكنها انسانة مشوشة خائفة من سطوة المجتمع , ولكنها تطلق صرختها مدوية في حسم ويقين لا يلين ولا يستكين , ففاض بها الكيل , ولم تعبر الشاعرة الا طريق التصريح , بدلا من الكتمان , وغير البوح بدلا من التستر والكتمان والاخفاء , تنسج ابياتها بلون من السخرية وجلجلة الايقاع الشعري , وانتظام القافية في العديد من قصائدها , في انسيابية منثالة متدفقة متوترة مرتفعة مستوى حرارتها الشعرية , بجمل شعرية تقتصر فيها الفواصل والأشطر الشعرية , وقدرة فذة على ابداع اللوحات الشعرية والمشهدية , تصويرا وتجسيدا وتلميحا وترميزا , ومزجا لعناصر الالوان ونسب الاضواء والظلال الآمر في وصفها لحياة الكاتبة بمنتهى العمق والبراءة والصراحة، والذي يجعل اللوحات الشعرية لديها ناطقة بالمعنى والدلالة في تفاعل عناصرها , وجدلية قسماتها والوانها ففي (بعث)
تحط ملائكة الشعر على كتفي
تهمس لي :
غواية البوح تتربص بك
كلما باغتك طيفه
كلما إجتاحك صوته
كلما عصف بك عطره
كلما فتحت عينيك على خياله
كلما أغمضت عينيك على حلم يجسده
كلما "كلَّ" حرفك
و"ما" استطاع إلى وصفه سبيلا
لا تنثريه على الورق
فقلبك يفعلها كل حين
وينبضه
مثل هذه اللوحات الشعرية البديعة درس في الابداع الشعري لغة وتصويرا _ لمشاعري هذا الزمان _ وكشف عن حقيقة القامة الشعرية لهذه الشاعرة المتميزة , التي لها نهر مشاعر مفعمة بالخصوبة ملتاعة لضوء القمر , ولها قدرة فائقة على العطاء والتجاوز والايجاز المستمر , شاعرة رومانسية حد النخاع , وجودية ملء فضاء الشعر والكون , ملتحمة بجسد الواقع , وطينة ارضها وانسانها , منتفضة روحها , منبعثة باحلام شاردة تتزاحم في فضاء الذاكرة , تتحدى صمت الكلام تنادي برعشات القلب وصدق العاطفة والمشاعر الجياشة بنبضات صادقة، في قصيدة "إشارة مرور"
أمقت إشارة المرور
تلك التي
تملك ثلاثة عيون
لتبكي كما يحلو
لحزنها
تملك ثلاثة عيون
لتجيد التلصص على تيهي
تتفرسني وأنا أبحث
في وجوه العابرين
عنك
بعين حمراء
تقول للحزن "قف"
تنتظر على قارعة الطريق
ربما تلمح الفرح صدفة
تمتلك ابتسامة صفراء تقول :
انتظري
ربما يأتي
تقف على ساق واحدة
لتستحوز على شفقة العاشقين
وأنا بألف ساق
أجوب مدن الشوق
علني التقيك.
ومازلنا في مجموعتها الشعرية للشاعرة الرائعة فاطمة وهي تطل علينا هذه المرة مسكونة بعشق الوطن كينبوع شعري يتفجر بالحنين والحب للوطن كل الوطن من المحيط الى الخليج , وتنصب شركا من الكلمات المتوهجة والموجوعة , وتسجل المواقف الوطنية والقومية المشرفة , كيف لا وهي من حلمت بان يكون لنا كعرب وطن واحد , وهي تداعيات تنثرها في قصائدها , فاذا بها تطير كالنوارس , وترفرف كصور الضوء والنور على الاراضي العربية الموجوعة في كل مكان , باحثة عن جزيرة تهبط عليها وتستريح من وجع ذوي القربى أو وطء نار يعيده في مسافات الخيال
شعر فاطمة وهيدي صادق , شفاف مقطر ومصفى كروحهها الطيبة , نقي كقطرات الندى , ابيض كاقحوان بلادي , خلا من كل شائبة أو قصور , مزيلا كل الشوائب من غربال لا يدع الا الحبة المشعة على بياض القصيدة , والتعبير الدال , واللغة التي لا تعرف الترهل , من هنا تصبح كلماتها كالرمح , مشرعة كسيف باتر , او لمعة برق تخطف الابصار , وتستشرف وتستشرق , وتمتلىء بالسمين من الكلام , وتحفر نفقها السري لتسريب الضوء
من يتأمل ملامسات اشعار فاطمة وهيدي يجد انها تفيض يالموسيقى الشعرية وهي تروض ايقاعاتها , وتضع بين تداخلاتها , في بعض الأحيان _ نغما مركبا غير مألوف او متوقع , فهي الحريصة دوما على الجدة والتجاوز وعدم التكرار , ففي كل قصيدة لها لها وثبة في الفضاء الشعري , وتجاوز عن المحقق الذي سبق أنجازه , وهي غارقة في المشهد المصري العربي ما بين عشق الحياة والعشق وحب الوطن الصغير ثم العربي الكبير والانساني حتى النخاع , لكن على طريقتها ولغتها الخاصة بها , قصائدها دائما تبدأ في ذاتها الشعرية وتنتهي محلقة الى الأفق الأرحب , الوطن والحبيب , فكلاهما منتجة من روحها وصوتها ونقائها , وكلاهما عشق أزلي , نارها لا تخمد , وحقيقة لا تغيب :
ربما هي دقات قلب متهاوية
تودع بلهفة وجه البعيد
تتأهب لرحلة صمت
بلون الجليد
في الصباح
حاولت ممارسة عادة ترتيل الحلم
على مسمع العندليب
فالتقم خيبتي
وألجمني بصدى من أنين
مرارة خانقة
أن تكون هنا وهناك
في الوقت نفسه
وشعور طاغ
بحضور غائب
وغياب حاضر
رغم أبيض اللبن
الممتزح بقهوة الصباح
والسكر المذاب فيها
كلاهما أثبت فشله
ومازالت المرارة سيدة الحضور
ان شعر فاطمة ينحو نحو استيطان النفس الانسانية بأحزانها وفشلها وقهرها وكأنها ذلك الاعرابي , الذي قيل له : ما بال المراثي أجود اشعاركم ؟ فقال : لاننا نقول وأكبادنا تحترق .
وفي قراءتي لديوان فاطمة وهيدي ( قبل مشرق الحب بنبضة ) أجد نفسي أغرق في نهر متدفق بالعذوبة والرقة والصفاء والشجن , وأفتناني باللوحات الشعرية البديعة , التي صورت فيها فاطمة وهيدي بريشتها الملحمية مشاهد الطبيعة البديعة التي صورت فيها الشاعرة بريشتها المهمة مشاهد الطبيعة الخلابة , وصورها الفاتنة في أحساس عارم ونشوة متقدة ولغة بسيطة وطبيعية وخيال محلق , الى حد اصبحت قصائدها بديعة في قالب نثري , وموسيقى خلابة لا تدري من أين تجيء , أو تنهمر , وايقاع شجن موّار لا يتوقف ولا يهدأ .
شاعرة صاحبة لغة شعرية تغري قارئها ببساطتها وشفافيتها وعفويتها , الى حد نقول فيها : الله ….. الله ….. عليك يا فاطمة ! , هذا هو الشعر , هذا هو الوجد الذي يشعل بحر الكلمات , وتنسكب كيمياؤه في لغة شديدة النقاء والآسر , عميقة النفاذ والتأثير لا لبس فيها ولا أبهام , لاغموض ولا تعقيد , ولا التواء تغري قارئها ببساطتها
وكما يقول : ( لجان كوكوتو ) ,, الفن ليس طريقة معقدة القول اشياء بسيطة , بل طريقة بسيطة لقول أشياء معقدة ,, فهي لا تهدف الى خلط أو تخليط , فالأمور لديها واضحة الحدود بينة المعالم , وليس بينهما مشتبهات , تحمل جوهرها بالموسيقى المتيقظة , لكن النسق العام للقصائد ينفلت من هذه الموسيقى وينأى عليها ولا يصطنعها
سقط الشعاع الأخير فوق حرف الألف
وهو يحاول جاهدا شد قامته
كان أحيانا ينحني
بحب
لكنه الآن يكره التقوس
يأبى الإرتعاش
تحت وطأة ما بعده
يرفض السقوط
في ظل الوحشة المعتمة
متكئا على ألمه
مخضبا بوجعه
سيظل صامدا
لن يلتفت خلفه
أملا في الفوز بنظره
وجهته اليمين دائما
رغم اشتياقه لليسار
ورغم قناعته أنه لن يقف وحيدا
إلا أنه يخشى الصحبة كثيرا
ودائما يصدق حدسه
حاول طويلا التشبث
ببقايا النور والدفء
لكن الشعاع الأخير
كان أسرع من محاولاته
تهاوى سريعا
ليسربل الخليل الأبدي
بتماهيات متوارية
في رحلة بلا عودة
ينحدر ويتراخى
مع دائرة الألم
ويعانق الهاء المختنقة بنفسها
أن شاعرتنا المبدعة في كل اشعارها ونثرها تسكب رقراق نهرها وتصب في محيط اشعارها واحاسيسها وتجذف في ايقاعاتها وكلماتها , تبحث عن فراشات الربيع , لتفك قيدها وتولد من جديد كما الطفل الجديد , شاعرة محلقة , مبدعة لها هذا الحضور والتأثير , وهذه الموهبة المشتعلة والمتقدة والتي استطاعت ان تجعل من اللغة صفاء ونقاء , وحتى وكأن صاحبتها اختارت لغتها بعناية فائقة لتدلل على عشقها للجمال , بدأ من جمال اللغة , الى جمال الصور , بذوق شعري ياذخ آخاذ , معصومة من العجمة أو الهجنة , أو التخليط الذي وقع فيه العديد من الشعراء بدعوى الحداثة , أو استدعاء لغة الأبهار بمغايرة المألوف , ففاطمة صاحبة تقنية فذة , وبناء شعري محكم لا يسمح بأفراط أو استرسال أو فقدان للنبض والحيوية والتوتر
أول الهمس
على فوهة الشوق
يتجمد حرفي
"كبرياء"
ليتني لم أحبك
أصرخ بصوت كبريائي المبحوح
أكتبها ببقايا حرفي المتعثر
فيجيبني نبضي بنشبج موجع
"أشتقت لك"
وهي في حالية الابداعين , النثري والعامودي شاعرة تمتلك ناصة الشعر وادواتها الفنية المتقنة بعناية , ونفسها الشعري , وتصول وتجول , لانها من المؤمنين بجوهر الشعر الحقيقي , مهما أختلفت صوره وأشكاله
فاطمة وهيدي , تكتب الشعر الحر والنثري والعامودي أحيانا وتجمع بينهما بصورة واحدة
ويخيل الي وانا ابحر في ديوان فاطمة ان شاعرتنا ترقص في باحة القصيدة , وان شيئا من الجنون قد مسها وهي تدخل مملكة الشعر بكل اشكاله الايقاعية والوزنية , وأظنها انها في حالة هياج أو صراخ وهي تكتب قصائدها حتى تهدأ روحها باكتمال الولادة , وكأن شياطين الشعر أو ملائكته التي ينزل وحيها عليها , وكأنها ايضا آلهة الحب ,, أفروديت ,, المولودة من تربة الأطلس وهي تقول الشعر , معطية الحياة الدائمة الحيوية والتجديد _ أو هي العنقاء التي يلتهب رمادها لتولد من جديد هي انثى ,, بروميثيوس ,, سارق النار الواهب الإنسان سر الآلهة , تهب الكون حياة أبدية بأشعارها
أن اشعارها تمتلك درجة عالية من الكشف والبوح والصدق وعمق النفاذ الى عمق الأشياء , ولها قدرة عالية على المساءلة. واحتشاد كامل بكل حرفية المواجهة والمراوغة والتكثيف , وبقدرة على بسط صوتها لمن استطاع اقتحام عالمها الشعري المانحة لأسرارها لمن يحترق بنار الشعر المقدسة , ويقدم قرابين
لا فرق ان كان السؤال بلا جواب , اسئلة رامزة ومكهربة استنادا الى منعطفات الرؤية التي تقارب المفهوم الجديد من الشعر , لغة ايحائية هائلة يصعب تقصيها الا بجهد استثنائي وكد ذهني عال المستوى , فقصائدها تشتغل على فضاء التشكيل الشعري في ارفع درجاته واعلى مستوياته , ويمتحن هذا الفضاء امتحانا قاسيا عبر استكشاف دائم للحقول الجمالية التي تحفل بها خطوط قصائد الديوان ومتعرجاتها وتخومها ومتاهاتها , على النحو الذي تلتئم فيه كل الامكانات ضمن منطقة تعبيرية زاخرة ومشتبكة بروح الشعر , تحتشد احتشادا بالغ الانتظام والصيرورة والحركية , والاثارة والادهاش والتحدي , انها تتوغل في جوهر الأشياء عير استخدام لغة مكهربة بالمعنى وليست ذات دلالة قصدية تحوم حول جاهزية المعنى في صيرورته التعبيرية والسميائية , وتبتكر دلالتها الشعرية المتموجة والمشحونة بطاقة هائلة على تحدي آاليات التأويل من أجل أشكالية معنى لا تقف عند حد معين .
الكتابة الشعرية عند فاطمة وهيدي تنطوي بطبيعتها على قدر عال من السحر والجمال والكشف والإستعارة والتمثل والتخيل والشفافية والترميز والأيحاء والمرأوية , على أنها لم تبتدع هذه الخصوصية في تشفير خطابها الشعري وتحميله هذا الزخم من الكثافة الجمالية والايقاعية والدلالية المتعددة والمتنوعة , شاعرة تكتب الشعر الحر والعمودي , وتتسم بقدرة ملحوظة على التوصيل , بل أنها قد نجحت احيانا الى السهولة والسير في منعطفات ومطبات المطروق , وان شاعرتنا لا تثقل من هذه المنعطفات ولا تكل ولا تتتعب , بل تستطيع ان تحتفظ بخصوصية واضحة في أغلب الأحيان , وتذهب أيقونات فاطمة وهيدي الشعرية هنا الى تفعيل وتشعير التواري اللفظي والايقاعي والدلالي والبصري , وعلى النحو الذي يحرك ميكنيزمات الكلام الشعري لتتجاوز حدود البلاغة في التعبير والتشكيل , وتفتح على فضاء ابتكاري ينهض في يناء كونها الشعري على المفاجاءات والبراءات والبراعات , ويكشف طبيعته وكيفيته أنينا خاطفا , مستعينة بثقافة وكنز من المعرفة , وخصب الوجدان وعمق الحساسية وثراء المزاج والرمزية الساحرة , وهي تشعل مزيدا من الأسئلة من أجل أن تتوغل في فضاء المعنى المفتوح بلا حدود

"انصهار"
وأنا معك نكون أثنين
فأتمنى أن أنصهر فيك
لتصبح واحدا في غيابك
يصهرني الحزن ويشكل ملامحي
أتمنى لو يفارقني
ونصبح اثنين

ان ما يميز الشاعرة فاطمة وهيدي هو تهديمها للمسافة الفاصلة بينها وبين موضوعاتها , فانت لا تحس , من خلال قراءتك لشعرها ان الموضوع الذي تعالجه يقع خارج ذاتها , فالمواضيع داخل قصائدها ليست بعيدة عن نفس فاطمة وضميرها المتقد , ان الموضوع لديها , يبدو ذاتيا حين يتلبس يغضب الشاعرة وتوترها
"مطر"
المطر دموع السماء
في لقائك تهمي فرحا
وفي غيابك تذرف كمدا
أتدرك متى تأبى الهطول
ولكن في المقاطع السابقة مثالا , لا نجد حدا يفصل العام عن الخاص , أو الخارجي عن الذاتي , ان الموضوع هنا , لهب داخلي لمناجاتها لنفسها عن حنينها للمطر الذي هو في صورة إنسان وقد خانوا العهد , تسال بحرقة وهل يا نفس تطيقين على هذا الألم نار ؟ والدمع يسكب من حره كالانهار , جزء حميم من غيظ الشاعرة واحتدام الاسى والخذلان , والمشهد , في الابيات السايقة ,ليس وصفا أو تأملا , بل ألم ووجع على فقدان النقاء والطهارة وانقلب إلى تلوث ووجوه مصبوغة.
يمكن القول ان فاطمة وهيدي , شاعرة وانسانة , تشكل حلقة متينة ضرورية تربط بين الشعر وتصدعات الواقع , محملة بمستويات الرمز المشحون بالدلالات والرؤى العميقة , بل كانت تتشظى , عبر قصائدها هوسا حارا ورغبة هائجة تصل حد الحرقة , في تماشي مع حياة حارة وجريئة , لقد حاولت فاطمة ان تقترب في اشعارها من جمرة الشعر , فنثرها يتسم يالصفاء والهويم والانشائية الرومانسية المحببة , فنثرها معني بالتوتر الداخلي , ومنطق التعارضات والتضادات , والكثافة القاسية , وتوخي المفاجئة والدهشة في الصورة أو الجملة الشعرية , فاشعارها تعبر عن شخصيتها المكتظة بالحزن من اطراف خصلاتها الى الى اظافر اقدامها , مسكونة بالوجع والحياة والحب .
"رجاء"
على بعد حزنين
وعدة خيبات
أتيتني متأخرا بعمر
لم يعد في القلب متسع
لمزيد من الأحزان
ترفق
ولا تمنحه الخيبة القاضية
أخر الهمس/
فضلا عندما تغيب
ارجعني إليَّ
وتفتح فاطمة وهيدي في قصائدها ارتفاعا بالقصيدة المصرية والعربية الى مستوى تعبيري ورؤيوي مغاير , فحققت القصيدة عندها تجانسا في نسيجها الفني سجل لها ببراعة , وبذلك احتلت وحدة القصيدة مقدمة التجديد الحداثي
وعبر الكثير من قصائدها قدمت شاعرتنا امثلة باهرة على التعبير القائم على الصورة الشعرية , فاحتشدت قصائد الديوان يالصور حتى ليرى الناظر بعضها وكأنه حشد من غيوم تنهمر على جسد القصيدة , تتلاحق , وتلتحم , لتعطي النص حيوية حسية طاغية
عفوا أيها السعادة راودتك كثيرا
وحاولت ترويض أحزاني
تشبثت بأطرافك طويلا
لكنني تخلفت عن ركبك
وسئمت إنتظارك على محطات الأمل
عفوا أيتها البسمة حاولت رسمك
عبر هذه الرموز بحمولاتها الموجعة , في الزمان والمكان , ودلالاتها المتفجرة ترسخت رؤى فاطمة وهيدي تجاه شعبها وعبرها يأكد انتمائها الوطني الصادق وتأثرها بشعبهاالعربي في سوريا واليمن والسودان ولبنان الذي قذف بهم الساسة نحو المجهول القاتل والمميت فمنهم من نام في العراء او احترق بنار الغربة او غرق لجج البحار وهم يبحثون عن الحياة بعد ان ضاقت بهم الارض الرحية المكتنزة بالخيرات والنعم التي نهبها من نصبوا انفسهم ساسة للدار , تتلمس شاعرتنا باحساسها الصادق عذابات الشباب والشابات وحنينهم الى غد جميل لربيع وطنهم الحروق والمنهوب , فالشاعرة المسكونة بهم الوطن وهم مواطنيه تجنح في اثارة ما تشتمل عليه هذه الصرخات والكلمات من محمول يومي فائر بالحياة المتعبة , وتفصح , في الكثير من قصائدها , عن نبرة حزينة شجية آخاذة , وتحث توهجا لغويا مدهشا , ان دم الفكرة الشعرية الفائر والثائر والمحموم والمحمل بالاسى يتمشى عندها بعنف وحزن وسخط في كل تفاصيل المشهد وحركته داخل النص , وهي لا تتوقف عند الانسان في همومه اليومية او عنائه بل تتعدى الى محنته السياسة والانسانية الشاغلة الارتفاع بها الى افق انساني مقلق , ان شعرها يكتظ بالقلق الانساني المصيري , ويتجاوز برودة الاشياء وصمتها الاملس ليفجر ما تختزنه من رؤى حالمة ومن وجع وحب , وتحادي قصائدها الرواد وتستخدم بعض بلاغاتها الجديدة , وفي شعرها يواجهنا الانسان اليومي وهو يشقى ويحلم ويطارد آلامه وتفاصيل عذاباته اليومية واحلامه الصغيرة والكبيرة
فلغتها بسيطة شديدة الايحاء , يسكنها الوجع الخاص والعام حتى الاقاصي الا انها تنوء تحت عذابات لفظية وعاطفية ولا يشغلها انثيال رومانسي
والقصيدة لديها , تحتال على موضوعها غالبا بتقنية السرد , ان ثمة حدثا أو واقعة تسري في مفاصل النص ومن خلال السرد وانتقالاته البارعة تسطع الشاعرة في معالجة موضوعاتها الشعرية ولا سيما أنها قاصة وأديبة.
يرتفع مستوى القصيدة عند فاطمة على تجربة شعرية متجددة في بناء درامي , يخلقه تعدد الاصوات وصراع الافكار ولغة تزاوج بين النثر والشعر الحر والشعر العامودي المقفى والموزون
فقصائدها , صافية زلالية , شجية , في حقل الحداثة الشعرية وضمن مدياتها المألوفة , ولها قدرة فائقة على البوح والتفق النهري رغم وطأة الحب والحياة , ففي اشعارها قوة روحية وانسانية لا تضاهى , لم تصغي الا لنداء لروحها وانكسارتها المرة , فكانت قصائدها مشرعة بايمان نادر بالانسان واحلامه وكرامته , كما يفعل الشعراء الكبار تفتح لشاعرة مساحات الطراوة الغنائبة , وتخلخل كتلة التدوير فيها كنسمة مرفرفة , وتحول دون وقوعها في التكرار والنمطية ويتجلى ذلك في رسالتها الاخيرة التي تختم فيها ديوانها الشعري
نص لم/لن يكتمل
أول النص
يتساءلون لماذا لا تخلو سطورك من علامات التعجب والاستفهام؟
أجيب
مازالت لا أصدق أنه حقيقة
مازالت أحاول اختراع أبجدية بكر لأهديها إليك.
أتلعثم حين أتهجى حروف شوقي إليك.
‏أبحث قبل الألف وبعد الياء عن حرف يليق بك.
‏ومازالت أ خشى السكون
‏ترعبني الكسرة
‏تخجلني الضمة
‏الفواصل تسعدني
‏ونقطة أخر السطر تصدمني
‏مازالت أروض الأفعال لتبدأ باسمك
‏أراود الأسماء لتهبني فعلا يأسرك
‏أحرض ياء الملكية
‏لتلازمك في حديثك عني.
وفي نص "قبل الغروب"
مذ أقام حرفي شعائر الحب
في محراب قلبك
لم يسجد سجدة سهو قط
انتهت
دراسة نقدية تحليلية
بقلم / حسن غريب أحمد
ناقد شاعر روائي
عضو اتحاد الكتاب المصري
عضو نادي القصة بالقاهرة
عضو أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب
عضو جمعية دار الأدباء بالقاهرة
عضو نادي القلم الدولي
رئيس مجلس إدارة نادي أدب العريش من 2004 حتى 2011م
رئيس تحرير جريدة نبض سيناء الإخبارية.

هذا النص

ملف
حسن غريب
المشاهدات
55
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى