مجدي حشمت سعيد - الكلاب.. قصة قصيرة

حانت لحظة الرَّحيل فاتجهنا حاملين حقائبنا وحسرتنا نحو الحافلة التي ستخطفنا من حلمنا الجميل لتلقي بنا في زحام مدينتنا الخانقة بعد أن أمضيت مع زوجتي أسبوعًا كاملًا في المنتجع الشاطئي الساحر على البحر رفقة بعض زملائي في العمل وأسرهم. صعد السائق إلى الحافلة ثم فتح باب الرُّكاب الذين همَّوا للصعود فإذ بكلاب المنتجع الستة تسبقنا وتحتل المقاعد الخلفية للحافلة بأجسامها الضخمة في مفاجأة للجميع وكأنها تعارض فراقنا وترفض رحيلنا. تباينت ردود أفعال الرُّكاب والراكبات ما بين ضاحك وصارخة وغير مصدق ومذهولة ولا مبال ودامعة العينين، حاول بعضهم إنزال الكلاب من الحافلة مستخدمين الود واللين في البداية ثم الأصوات العالية المُهَدِّدة انتهاء بطردها بالقوة إلا أنهم فشلوا، ثار مشرف الرحلة ثورة عاتية خشية أن تتأخر لحظة الرحيل ناسيًا كل ما كان بيننا وبين الكلاب من ود طول فترة إقامتنا بالمنتجع فراح يركلها بقوة واحدًا واحدًا بحذائه الضخم في أي جزء تطوله من أجسامها مع سبِّها بأقذع السُّباب وهي تنظر له في دهشة وصمت المصدوم فلا تدافع عن نفسها رغم آلامها المبرحة إلا أنها أصَرَّت على عدم ترك أماكنها، أخرج السائق الغاضب بشدة من خلف ظهر مقعده ساقًا طويلة من الحديد واتجه نحوها في نهاية الحافلة وراح يضربها بعصاه الحديدية بقوة وغيظ وشراسة وهو يبخ من فمه القاذورات من شتائمه القبيحة فصرخت الكلاب التي شاء لها سوء حظها أن تتلقى ضرباته عن قرب وارتفع نباح آلامها عاليًا، أيقنَّا أنها آثرت ألا تهاجمه حفاظًا ووفاءً لعشرة أسبوع بأكمله لكنها ولَّت هاربة مسرعة تنشد سُلَّم الحافلة يتبعها الباقون إلى الخارج وسط تأوهات يغلِّفها وقع الصدمة والحسرة والحزن إلا أن نظراتها الخاطفة لم تخل من عتاب ودٍ جريح، اختلطت في آذاننا أصوات الصياح والنباح والصراخ داخل الحافلة وخارجها ولم نستطع أن نميز أو نُحّدِّد إن كانت بشرية أم كلابية.

غريب أمر هذه الكلاب!! ... منذ أن وطئت أقدامنا أرض المنتجع ودخولنا من البوابة الحديدية الضخمة التي تفتح على الطريق الفاصل بين مباني المنتجع ورمال الشاطئ غزا مكان الاستقبال فجأة ستة كلاب ضخمة مخيفة ومرعبة يبدو عليها أنها من سلالات راقية متباينة، أحاطت بنا بسرعة وراحت تلف وتدور حولنا واختصَّ كل واحد منها بأحد أعضاء الرحلة يشمَّه للحظات ثم يدور حوله وينتقل بعدها إلى شخص آخر تاركًا مكانه لزميل غيره في فرقته الكلابية. ارتفعت صرخات النساء والأطفال وأخذ معظم الرجال حذرهم متأهبين لصراع مجهول العواقب إلا أن المسئولين عن المنتجع قاموا ببث روح السكينة والاطمئنان في نفوس الجميع مؤكدين لهم أنها كلاب خاصة بالمنتجع وهي هادئة ودودة وغير مؤذية للنزلاء وهذه هي طقوسها في التعارف والترحيب بالروَّاد.

اعتدنا على تلك الكلاب واعتادت علينا فتآلفنا معًا ولمسنا بحق كم هي ودودة وحسنة التربية، تعجَّبنا حين أدركنا أنها ترفض دعوة أي شخص من النزلاء على أي طعام يقدمه لها مهما كان نوعه، تقف أمام باب المطعم أو المطبخ لا تتعدى حدودها فلا تفكِّر مطلقًا في الدخول استجابة لنداء رائحة الطعام الشهيَّة التي يجب أن تنهار أمامها شهوة وغريزة الجوع الحيواني البهيم فهي تدرك أكثر مما ندرك نحن أن لها مكانًا وموعدًا خاصًا لتناول طعامها، تعرف جيدًا كيف ومتى تمرح مع النزلاء فهي تلاعب الجميع بمختلف أعمارهم وتخص الأطفال بوقت أطول ونوع خاص من المداعبة الخفيفة، لا نكاد نسمع لها صوتًا طوال النهار إلا أنها في الليل تتحول إلى أسود تزأر أمام بوابة المنتجع ولا تكف عن الدوران حول أسواره كحرَّاس أمناء والويل كل الويل لمن يحاول الاقتراب من المكان حتى لو كان من نفس جنسها. لاحظنا أنها تُصِرُّ في كل صباح على أن ترافقنا في ذهابنا إلى الشاطئ وتلازمنا هناك ولا تعود إلا بصحبتنا في نهاية النهار والعجيب أنها لا تكف طول فترة تواجدها معنا عن اللعب على رمال الشاطئ سواء معنا أو فيما بينها بل والسباحة في البحر جوارنا.

كان للشروق على شاطئ البحر سحره الخلًاب الذي نفتقده في مدينتنا ففكَّرت وزوجتي ألا نكتفي برؤيته من شرفتنا المطلة على البحر وقرَّرنا في أحد الأيام النزول مبكِّرًا والاتجاه نحو الشاطئ بآلة التصوير الدقيقة الخاصة بنا حتى نسجَّل تلك اللحظات ونستمتع بها ونحن نقف على مياه البحر مباشرة، أيقظنا حارس البوَّابة ونحن لا نكاد نُفَرِّق بين الخيط الأبيض والأسود وأخبرناه بوجهتنا فسمح لنا فاتحًا الباب الحديدي الضخم وما أن عبرنا إلى الطريق حتى فوجئنا بالكلاب الستة وقد انشَقَّت الأرض عنها وراحت كعادتها تلف حولنا وتشمُّنا بقوة وهي تصدر أصواتًا غريبة لم نعهدها منها من قبل، حاولنا أن نجعلها تبتعد عنا وتعود أدراجها إلا أننا فشلنا، خافت زوجتي وانتفضت وتأهبت كي تجري من أمامها إلا أنني جذبتُها من يدها ونهرتُها عن الجري حتى لا تجري الكلاب وراءها معتقدة أنها غريبة عن المكان، سرنا بضع خطوات والكلاب تدور حولنا دون أن تكف عن شمّنا إلا أن استمرارها في إصدار الأصوات الغريبة أعاد الرعب إلى قلب زوجتي فطلبت العودة إلى المنتجع ووافقتها حتى تهدأ، دلفنا من الباب إلى داخل المنتجع فإذ بالكلاب تدخل معنا وتحيط بنا.

جلسنا على أقرب منضدة حول حوض السباحة الكبير يداعبنا هواء الفجر برياحه الباردة المنعشة ريثما تلتقط زوجتي أنفاسها فرقدت الكلاب حولنا في صمت نصف نائم، أقنعت زوجتي بالرجوع إلى البحر حتى لا تفوتنا الفرصة فعاودنا الكَرَّة وانسحبنا بهدوء إلا أن الأصدقاء أحسّوا بنا فرافقتنا الصحبة الكلابية كاملة رغم محاولتي إرجاعها، رضختُ أمام إصرارها الصادق خاصة وأنها قد امتنعت عن إصدار الأصوات الغريبة المخيفة مع انقشاع الظلام وتقهقره أمام أشعة النور الواهنة التي بدأت تتسلَّل في خجل فتلون السماء بلون رمادي باهت فراحت بدورها تنثره على الرمال والأجواء حولنا، وصل ركبنا إلى البحر ورحت بهمَّة وفرح ألتقط صورًا متتابعة لمراحل شروق الشمس الخلًّاب من لحظة ما قبل الولادة حتى اكتمال ظهور قرص شمس الصباح الذهبي القوي وهو يهتف: ها أنا ذا يا بشر فأين أنتم؟! التقطنا صورًا عديدة رائعة للشمس ولنا معًا ومعها ومع أصدقائنا الكلاب مستعينين بخلفية البحر الفيروزية الرائعة. لم تكف الكلاب طول فترة الشروق عن المرح حولنا ومعنا ومع بعضها في سعادة وآثر البعض منها استكمال متعته بالاستحمام في مياه الصباح الباردة وراحوا يرسلون بين الفينة والأخرى مندوبًا عنهم يجذبنا من ملابسنا لتشجيعنا على مشاركتهم في النزول إلى البحر فانصعنا لهم في النهاية طائعين لنستمتع معهم بتلك المتعة التي لا تُنسى.

احتلَّ السائق ومشرف الرحلة مكانيهما بعد موقعتهما الكلابية الكبيرة التي سجلها لهما التاريخ وقد تدلى لساناهما وراحا يلهثان وهما يلتقطان أنفاسهما بصعوبة ويبتسمان بزهو فرحًا وسعادة بانتصارهما الكبير. جفَّف السائق المغوار عرقه ثم دسَّ فتحة قارورة المياه المعدنية الكبيرة في فمه وسكب كل ما فيها في جوفه دفعة واحدة ثم ألقاها فارغة من نافذة الحافلة، نفخ صدره للأمام وخبط عليه بقبضتيه فأصدرت معدته صوتًا أثار اشمئزازنا جميعًا، همَّ بالتحرُّك إلا أن صراخ وصياح الرُّكاب المفاجئ أوقفه، نظر خلفه في تساؤل غاضب ثمَّ أمامه، هال الجميع أن رأوا الكلاب السَّتَّة تحيط بالحافلة من كل جوانبها وقد رقدت على الأرض في اعتراض عجيب وأخير على رحيلنا، وقف المشرف قاصدًا النزول للاشتباك معها في حرب جديدة إلا أن السائق الهمام منعه من النزول صارخًا بغرور القوة والبطش: "لا تنزل...لدينا سلاحنا المُصَفَّح" واندفع السفَّاح فجأة بالحافلة وبسرعة للخلف ثمَّ للأمام داهسًا من أوقعه حظه العاثر من الكلاب تحت عجلاتها وانطلق بجنون تاركًا مقود السيارة ليتمكَّن من التصفيق بكفيه فرحًا بنصره الحاسم وسط صراخ اختلط بنباح لا نعرف إن كان من داخل الحافلة أم من خارجها إلا أنه خرس فجأة وانتفض جسمه كمن لبسه الجان ثم أوقف الحافلة مرَّة واحدة فاصطدم الرُّكاب ببعضهم وبالمقاعد، قفز من مقعده إلى الأرض وراح يعدو سريعًا نحو الكلاب الصريعة وهو يبكي ويصرخ بلوثة فما كان من المشرف إلا أن قفز بدوره محتلًا مكانه وقاد الحافلة بأقصى سرعة دون أن ينظر خلفه.



مجدي حشمت سعيد

مصر



مجدي حشمت سعيد

هذا النص

ملف
مجدي حشمت سعيد
المشاهدات
120
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى