د. نعيمة عبد الجواد - أشباح وآلام.. قصة قصيرة

استقلت المصعد وهي تتثاءب، وتتذكر جميع تفاصيل أحداث الأمس. ندت على شفتيها شبح ابتسامة وهي تسترجع لحظات تحضير العشاء في المطبخ، وتتفنن في تزيين الطعام في الأطباق بكل حب، أملاً في أن تنال نظرة إعجاب وابتسامة رضا فور تقديمه. لكن لم يعكر صفو ذكرى ليلتها الرائعة بالأمس إلا تأخرها على موعد العمل اليوم؛ بسبب خلودها للنوم في ساعة متأخرة بعد أن قضت ليلة أدخلت كل السرور إلى قلبها.
انفتح باب المصعد في الدور الرابع، فخرجت مسرعة متجهة ناحية اليمين في إتجاه حجرتها. بدلت ملابسها على الفور، وبدأت في تعقيم نفسها، ثم ارتدت الكمامة والقفاز التي تتكبد ثمن شراءهما؛ لأن المستشفى لا توفر معدات الوقاية الشخصية للطبيب، بحجة أن الميزانية لا تسمح، بالرغم من ضعف المرتب التي تتقاضاه من المستشفى. تنهدت عندما تذكرت أن تلك مجرد أيام استثنائية، وتتعشم ألا تدوم أكثر من هذا. فمنذ أن ضربت جائحة الكورونا العالم صارت الأحوال في غير نصابها. وبينما كانت مستغرقة في أفكارها، طرقت الممرضة باب الحجرة، وأخبرتها بأن المستشفى استقبلت اليوم حالة إصابة كورونا جديدة، ومعها ثمانية من المخالطين، ومن المقرر أن تجري الفحوصات حسب أوامر مدير المستشفى. خرجت من غرفتها لتؤدي دورها كطبيبة، وهي تتألم من جراء عدم قدرتها على تذكر عدد الحالات التي مرت عليها. فمع بداية كل صباح تخرج من منزلها إلى المستشفى، فتجري فحوصات لهذا، وتعالج هذا، أو تعطي تعليمات دفن أحد المرضى ممن توفاهم الله من جراء الإصابة. وأحزنها اعتيادها على الأمر، وكأنه روتين يومي. فبعد موت المريض الثالث، لم تعد تشعر بالأسى إزاء فاجعة الموت، أو أمام صدمة تأكيد إصابة أحد المخالطين للمريض بفيروس الكورونا. فهذا عملها، وعليها أن تقوم بواجبها على خير وجه. وبينما كانت تجري الفحوصات للحالات المخالطة، أخذت تسترجع ما تبقى من أحداث الأمس عندما قدمت وجبة العشاء لإبنتها الصغيرة ذات الثمان سنوات، التي هجرها والدها وهي في أشهرها الأولى؛ ليلهو كيفما شاء، بعد أن جعلهما يتجرعان الهوان. فمنذ لحظة الطلاق، لم تشعر بالسعادة ولا الاستقلال إلا عندما أغلقت باب المنزل عليها هي وابنتها، لتستمتع بحياة كلها هناء، بعيداً عن الأهل الذين يدمرونها بحجة رغبتهم في أن تعيش إبنتهم سعيدة في كنف رجل يرعى مصالحها، لكن كان الرجل هو مصدر تعاستها وإهدار سنوات من عمرها هباء.
وبعد إجراء الفحوصات للحالات المخالطة، تبين أن إثنين من المقربين للمريض لديهم عدوى أكيدة. لم تنسى الطبية رسم ابتسامة عريضة زائفة على وجهها وهي تخبر المخالطين بشكل روتيني أن العلاج سيكون هين وسريع، لكن الشفاء يتوقف على مدى الاستجابة، وبالتأكيد ستكون الحالة النفسية والمعنويات المرتفعة أحد أهم أركان الشفاء. صارت مشاهد انهيار المرضى، والصراخ شئ معتاد. أما ما استوقفها اليوم هو أخت المريض التي تأكدت إصابتها بفيروس الكورونا. لم تكن تصرخ وتعول، بل كانت تقف صامدة وكأنما أصيبت بصدمة نفسية. وكانت الدموع تنساب على وجنتيها بغزارة، وهي تتمتم بحرقة، "مين هيراعي إبني، مين هيراعي إبني". كان وقع تلك الكلمات مؤلم على أذن الطبيبة، ولم تعرف ماذا أصابها حينها، ولماذا انقبض قلبها هكذا. حاولت أن تنفض الأفكار السلبية عن رأسها، وتركز فقط على دورها كطبيبة تتعامل مع الحالات بكل حيادية.
ذهبت لحجرتها مرة أخرى لتستريح، ولتحتسي كوباً من الشاي، وبعد عدة رشفات هدأت نفسها. وحين استعادت حالتها الطبيعية، أخرجت الجوال من حقيبتها وهي تعتزم أن تهاتف ابنتها لتطمئن عليها. عندئذ، طرقت الممرضة باب الحجرة مرة أخرى وأخبرتها أن هناك ثلاث من زملائها الأطباء قد أصيبوا بالكورونا، وكذلك تأكدت الإصابة بين بعض من الممرضين. ولهذا، تطلب الإدارة عمل فحوصات لجميع العاملين بالمستشفى، وعلى رأسهم الطاقم الطبي. لم تشعر بنفسها عندما وقفت على قدميها، متوجهة لغرفة الفحص. وطوال الطريق الذي بدا طويلاً، وكأن اجتيازه استغرق ساعات طوال، لم تكن ترى إلا صورة الحالة الصامدة التي تأكدت إصابتها، والدموع تنساب بحرقة في صمت من مقلتي عيناها. وفي لحظة تماهي مع روحها، أخذت الطبيبة تتمتم بينما سالت دمعة حارقة من عينها، "مين هيراعي بنتي! مين هيراعي بنتى!"


  • Like
التفاعلات: محمد فائد البكري

هذا النص

ملف
د. نعيمة عبد الجواد
المشاهدات
53
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى