مريم بولبصل - جدلية الدين والاخلاق والمجتمع

عرفت المجتمعات السابقة توجهات عميقة من حيث نمط العيش ، والتعايش اثناء السلم والحرب ، فكانت تعتمد في تناسقها وتعايشها علي مجموعة من الروابط ، سواء البيولوجية المتمثلة في النسب، والعشيرة، والارحام، والتقارب الجغرافي والثقافي ، والمثمثل في الدين والعادات والتقاليد ، غير ان الشعوب عرفت ، بالتناقض في الافكار ، والثقافات ، والعلوم والمعرفة ، فهناك من يقدس الاخلاق ويجعلها سنام العيش والتعايش ، وهناك من يبغضها ، ويجعلها من ثانويات العيش والتعايش ، وأنها لا تخدم الفرد والمجتمع، بل تزيد من التفرقة والتنافر وهذا ما جعل الناس تعتمد علي الدساتير والقوانين ، ضمن المصطلح الحديد وهو العلمانية.
إن الدين وهو المحدد الوحيد لنسق التعايش عند بعض المجتمعات القديمة والحديثة وحتي المعاصرة، مثل إيران، السعودية ، اسرائيل، وحتي الولايات المتحدة الأمريكية فالمفكر صامويل هنيتغتون والذين نظر لبرا دايم صدام الحضارات ، قد قسم العالم الي سبع حضارات معيار الفصل بينها هو الدين ، ويري صامويل هنيتغتون ان الدين والثقافة هي النسق الافضل ، ومعيار التقسيم في العالم الحديث ، عالم غلبت عليه الطبعة الرديكالية والليبرالية ، اكثر من اي وقت مضي، فالدين عند صامويل هنغتونغ هو معيار تراتبي للمجتمعات ، حيث يري في اطروحته سالفة الذكر ان الحضارة الاسلامية هي العدو المستقبلي الحضارة الغربية ، ويقسم العالم الي محور خير ومحور شر ، متناسيا ، ما كتبه المفكر مانجو متري رايت في كتابه المعنون فضل الحضارة العربية علي الغرب ، وهو كتاب يبرهن علي تعايش الحضارات والديانات في وسط عوامي قابل الاراء والاديان ،كذلك كلمة الرئيس الخامئني في الجمعية العامة سنة 1997، ومصطلحه الجديد حول خوار الحضارات ، وتقاربها ،وهناك ايضا منظمات دولية ذهبت الي مصطلحات اخري تحت طائلة توافق الحضارات ، وادرجتها ضمن عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة ، غير ان الدين مازال يعاني من عقدة التطرف بين المجتمعات ، في فترة محاربة الارهاب سنة 2001، وبالضبط بعد أحداث 11سبتمبر، ان التطرف الذي انبثق من تصادم الأديان ما هو الا خطأ في عنف الديمقراطية ، والليبرالية ، والرأسمالية الطاغية ، فظهور التطرف لا يكون بمعايير الدين ، ظهور التطرف يكون في السياسة ، والديمقراطية ، والاقتصاد، فإذا اختل عنصر من هؤلاء يظهر مصطلح التطرف بلباس الدين ، فهل يعقل ان المراة التي ترتدي الحجاب وتري فيه حريتها انها متطرفة ؟، علي اي أساس بني التطرف في المجتمعات ، بل كيف نري ان المراة الفرنسية التي نحارب الحجاب متحورة ، والمرأة المسلمة التي ترتدي الحجاب متطرفة ، ما هو سبب هذا الحكم ، السبب يعود الي القانون الذي وضع في فرنسا سنة 2005, والتي تم بمقتضاه منع ارتداء الحجاب في التجمعات ، والاماكن العامرة ، فهل نظرت الجهة المخولة لوضع هذا القانون أن هناك من يري ان حريتها في الحجاب ، وأن الحجاب يعطيها الامن و الامان ، إن مصطلح العلمانية والذي ذكرناه سلفا ، قد تظهر عدة عثرات في المجتمات الغربية والعربية ، بل إن هناك من يفهمه بشكل خاطئ، كما فهمت الديمقراطية بشكل خاطئ، فالديمقراطية الغير مباشرة التي نمارسها الان في مجتمعاتنا ، تخضع لمعيار الكم ، وليس معيار الكيف ، حيث ان مخرجات الاغلبية هي من تحكم اي ان الاغلبية هي التي تحكم ،وأن هذه الديمقراطية تخضع لآليات ، وميكانزمات ، أولها الاقتراع والاستفتاء ، غير ان بعض المجتمعات مازالت تري في الديمقراطية انها حرية الرأي والتعبير ، يعني ان نسب الاخر ، دون وجه حق ، ونشتم من يخالفنا ، وننتقده ، دون تقديم الحلول والمبررات ، وهذا ماوقعت فيه العلمانية بشقها العصري، فهناك من يريد علمنة المجتمع وهذا امر صعب ، بل ومستحيل ، فمن غير المعقول ان مجتمعا مسلما يشجع علي الزنا، والشرب ، والمجون ، وهذا طبعا فهمنا للعلمانية، بل من غير المعقول ان يتعايش المسلم من المشرك في مجتمع واحد ورقعة جغرافية واحدة ، الا بواسطة آليات ، وقوانيين تنظم حياتهم داخل هذه الرقعة ، فعلمنة المجتمع امر مستحيل ، ولكن علمنة المؤسسات امر سهل ، ويخضع لتقننين وهيكلة ، وهنت تصبح العلمانية مطابقة لما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام ، في مايعرف بدستور المدينة ، وهو المعيار الحقيقي لتعايش الدين والاديان في مجتمع وأما اذا ذهبنا الي الاخلاق والتمسنا لها عذر التنمية والنمو ، فنري ان مجموعة من الفلسفة والمفكرين سواء القداما او المتأخرين قد إختلفوا في التكلم عن الاخلاق ، فمنهم من يري ان الاخلاق هي الجنس والغريزة ، ومنهم من يري ان الاخلاق هي الافكار والمبادئ والثقافة ، فإذا ذهبنا إلي هوبز الذي يري أن الانسان شرير ، وانه ذئب لاخيه الانسان ، فنرى ان الاخلاق هنا تحثنا علي الرذيلة وفعل الشر والتعصب والتجبر ، فكتاب هوبز الموصوف فاليفتاين ، أو ما يعرف بالتنين والوحش ، قد برهن فيه ان الانسان شرير بطبعه ، قدم مجموعة من الافتراضات من بينها حرب الجميع علي الجميع ، وحتي في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم يري هوبز ان علي المواطنين او المجتمع التنازل علي جميع الحقوق مقابل الامن ، فيما بري لوك، وكانط ، وهم من فلاسفة الانوار عكس ذلك ، حيث يري كانط ان الانسان خير بذاته ومخب الخير مبغض للشر، وذهب كانط اكثر من ذلك فقد ذهب الى ما يعرف بالحكومة العالمية حيث يحلم بها كل الناس ، تكون حكومة يسودها الدين والاخلاق ، بعيدة عن الشر والطمع ، فيما يري لوك أن العقد الاجتماعي بين المحكومين والحاكم يتمثل عكس ما أخبرنا به هوبز ، حيث يتنازل المواطنون عن جزء من حريتهم مقابل الامن والامان ، أما القديس أوغيستين ، فقد ذهب اكثر من ذلك فقد نادي بوجود دولة يقودها الدين والاخلاق ، ومعيار العيش فيها هو التعايش وفرض الدساتير كما وضحها أفلاطون في المدينة الفاضلة ، ومونتيسكيو في كتابه روح القوانين . اما ما يخص المجتمع ، فعادة المجتمع هو الحيز القابل والمنغلق علي التجمعات البشرية ، فالمجتمع هو رقعة جغرافية ، ومواطنون، وثقافة ، دين ، واخلاق ولكي يكون المجتمع متناسقا ومتعايشا ، وجب وضع القوانين القصرية ، والتي تضمن بقائه وعدم اندثاره.

هذا النص

ملف
مريم بولبصل
المشاهدات
36
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى