سمير الفيل - قايش وسط.. قصة قصيرة

العسكري صبري الأرناؤطي استلم أفروله الكاكي الجديد ، وفردتي البيادة ، وخرج من الصف الطويل الذي أكلته الشمس ، كأنه في يوم عيد . ولم لا وهو الفلاح القراري الذي ما حط على جسده إلا جلباب الصيف ، وكسوة الشتاء ؟ يجعل خالته فاطمة تحيكها على ماكينة الخياطة كيفما اتفق ، ثم ينقدها جزءاً من أجرها ، والباقي يأتي وقت الفرج ، الذي لا يزور قريتهم أبداً.

هو الآن جندي عادة ، يحفظ رقمه العسكري عن ظهر قلب ، وحين يصرخ فيه الشاويش ” صفا ” يضرب قدمه اليسرى في الأرض ، كأنها بريمة يدقها كي تخرج بترولاً ، والبترول هو الجاز ؛ عرف ذلك بعد أن سأل صاحبه عبد المتجلي وقت الراحة . اليوم سيكون جندياً بحق وحقيق ، وحين ينزل أجازته الشهرية ، سيسير في أزقة القرية بمشية عسكرية تهز أشجار الجوافة والليمون على الجانبين . أحلى ما في الخدمة هو ذلك الزهو الذي لا شك أنه قد شعر به وهو ينطق اسمه مضيفاً إليه الرقم الصعب الذي حفظه بمشقة ، والرقم الكودي للكتيبة . بعد ذلك يكون كل شيء سهلاً ، والتكرار يعلم الشطار ، وهو شاطر ، أروب ، يعرف كيف يبدل الخطوة ، بضرب مقدم القدم اليمنى في كعب اليسرى عند أقل خطأ ، ليعود لمشيته المنتظمة : واحد . . اتنين . . واحد . . اتنين . وقد حاول فترة الاستراحة أن يكررها ، حتى أتقنها ، لكن أفروله العسكري كان قديماً ، أحضره من كشك خشبي أسفل كوبري المشاة الملاصق لمحطة السكة الحديد . اليوم يمكنه أن يرتدي أفرولاً جديداً ، بشوكته ، وهي اللحظة التي عاش ينتظرها ، خاصة وأن الأجازة قد أوشكت على الاقتراب . خرج من الصف مسرعاً ، وفي الخيمة المنصوبة في صحراء المعادي حيث تدريب ” أساس 2 ” ، مرق إلى الداخل، كاد يدق عنقه حين اصطدمت ساقه بالوتد الحديدي اللعين ، زفر في تعب ، وهو يلهث . دخل حيث فرد مشمعه الميري بلونه البني الذي تحول مع نوبات التزحيف إلى لون التراب الأخرص . ارتدى السترة ، راح يزررها بيد مرتجفة ، كان يخب فيها كأنها ابتلعته . سرى عن نفسه أن البنطلون سيعدل الأمور : سيعدلها ، لا شك في ذلك . خلع البيادة بصعوبة بالغة ، كان يربطها ثمانيات وسبعات حسب الأوامر المشددة ، رفع قدمه اليمنى ، أدخل رجل البنطلون ، استند بكفه على عامود الخيمة ، فلسعته سخونته فقد كانت الظهيرة . وشمس المعادي تبخ الصهد ولا ترحم . رفع قدمه اليسرى ، وأدخل الرجل الأخرى . بكل ما أوتي من قوة خطف البنطلون خطفاً لأعلى ، وأدخل السترة ، وجرى إلى المرآة المهتزة بعنف على خلفية مدخل الخيمة . شعر بوسامته . عسكري بجد . ولد مجدع شارب من بز أمه . صاح فيمن حوله : إيه رأيكم ؟ كان كل من استلم مهامه في شغل شاغل عنه ، حتى أن أحداً لم يرد على سؤاله . بالكاد سمع همهمة : تمام . لكن البنطلون انسلت ، وشعر بالخزي والكلسون فيه قطع كبير يكاد يبين لحمه . رفع البنطلون ثانية ، وضم الحجر بما قيمته قبضتين ونصف . لا توجد معه مهمات خياطة ، لا إبرة ولا خيط . هرش رأسه ، وأدخل رأسه في مخلته يبحث عن حبل التيل المبروم ، لقد أدخره ليوم أسود . وها هو اليوم الأسود قد أتى مسرعاً ، وشمس المعادي لا ترحم أبداً ، قاسية مثل قلوب الصولات ، غليظة كأوامر الباشجاويشية ، وهو دائماً ما يدير في عقله العبارة الأبدية التي حُفرت في عقله كأنها موعظة لا تقدر بثمن : ” الجيش بيقولك تصرف ” . أمسك بالحبل فرحاً ، وقد أدرك أنه قد عثر أخيراً على الحل الأمثل . مرر الحبل من اليمين إلى اليسار أعلى “البتلتة” شد بكل ما أوتي من عزم . استقر البنطلون على جسده الهزيل المضروب بالبلهارسيا في إحكام . كان من حوله العساكر المستجدين يجِّربون أفرولاتهم مثله ، لكن أغلبهم ارتدى قميصاً وبنطلوناً من قبل . شعر أنه يطوي تلك الفترة من حياته . وداعاً للجلباب الذي ربطه بالقرية والغيط والساقية . من اليوم هو الجندي المجند صبري الأرناؤطي على سن ورمح ، وليضرب من يعترض رأسه في أقرب حائط . سيختفي من حياته ذلك الظلم الذي عاناه في أيام الفرز الأولى . كان الأومباشى دائماً ما يختار أصحاب الجلاليب لجمع الأوراق المهملة من الساحة الواسعة . الآن هو مثلهم . فقط يختلف اختلافاً طفيفاً لا يكاد يبين بالمسحة الصفراء التي تسري تحت الجلد ولا تظهر إلا لمن يدقق . سمع صفارة طويلة ، أدرك أن وقت الجمع في طوابير الاصطفاف قد بدأ . أدخل قدميه في البيادة بسرعة ، وأعاد ربط سبعات وثمانيات ، التي أتقنها تماماً . وقف أول الصف شامخاً برأسه ، والطاقية الكاكية في وضعها السليم . فقط الحبل مشدود شداً يؤلمه . مر الأومباشى متفقداً الصفوف . حملق في زي صبري عبد العظيم الأرناؤطي ، صرخ فيه أن يتقدم خطوتين : أيه اللي انت عامله يا عسكري ؟ أنت جاموسة رابطينك بسلبة ؟ وهاج أكثر : إجري بسرعة هات قايش الوسط .اختلط الأمر على صبري ، هز رأسه بعدم فهم حقيقي ، خرجت الكلمات بصعوبة : قايش . . أيه ؟رد الأومباشى : قايش الوسط . ولا تكونش فاكر صارفينه لك علشان تتحزم به ، وترقص ؟ ضج الطابور بالضحك ، وهو ما لم يكن مسموحاً به . وقد أمر الأومباشي بإحضار كل عسكري للمخلة ، ورفعها لأعلى والجري بها في عز نقحة الشمس على شرف العسكري صبري الذي لا يعرف قايش الوسط . واستسلم العساكر للأوامر ، وبدأ طابور الذنب والشمس كانت ما تزال تشوي الأجساد ، وتؤكد لصبري أن ربه لم يرض عنه بعد ، ربما لذنب قديم ، فعله ونساه.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى