مخلص الصغير - عندما يترك الشاعر وصيته فهو لا يموت

شاعر يجمع بين ثقافتين وعالمين

يعتبر الشاعر المغربي الراحل محمد الميموني من رواد الحداثة الشعرية العربية، فهو أحد صناع القصيدة المغربية الحديثة، وأحد مبدعي الشعرية المغربية المعاصرة. هو الذي أيقن دائما بأن علينا أن نستأنف مشروع التحديث في كل يوم، باعتباره بداية لما لا ينتهي على حد قوله في شعره، وإن صدور مجموعة شعرية له بعد رحيله السنة الماضية يمثل حدثا شعريا بارزا.

قبل أن يغادرنا الشاعر المغربي محمد الميموني العام الماضي، ترك ديوانا شعريا يشبه وصية شعرية. ديوان تنبأ فيه الشاعر برحيله، وهو يحرر وصية للشعراء والناس مفادها أن ما هو عميق وجوهري في الكائن الإنساني لا يفنى، لأنه ليس موضوعا للاستهلاك.

لا يهتم الميموني بزخرف القول وزينة اللغة الشعرية. وهو يكتب قصيدة لا تحدها صورة ولا تفرضها ضرورة ولا تضع قافيةٌ حدا لها. إن شعر الميموني هو ضد كل جمالية تقليدية، وضد كل ما هو شكلي وسطحي ومهادن مألوف ورنان ظاهر للعيان. شعر عميق يتعلق بأسئلة الكينونة والمصير والعالم، بالكائن الإنساني، من أين جاء، وإلى أين يصير بعد الفناء؟ إنها القصيدة التي تقيم حوارا بين الفكر والشعر. وتدعونا إلى التشكيك في الفصل التقليدي الذي مازلنا نقيمه ما بين لغة منطقية تواصلية ولغة شعرية، منذ أرسطو وإلى غاية النظرية الشعرية، ومقولات الانزياح واللغة الثانية وغير ذلك. والحال أن الأدب، والشعر خاصة، لا يخلو من فكر، كما لا تخلو الفلسفة من شعر واستعارات وخيال.

قصائد من القاع المجهول
الشعر العميق

كتب الشاعر الراحل محمد الميموني ما يمكن أن نسميه “الشعر العميق”، ذلك الشعر الذي يتطلب منا قدرة على الغوص من أجل استخراج المعنى، عملا بنصيحة بودلير “إن علينا الغوص في قاع المجهول لنعثر على الجديد”. وهي الصورة التي يختم بها قصيدته “إلى القارئ”. وهذا ما يقوم به الشاعر، مثل ماء يعمل على تعميق مجرى النهر. والشاعر مسؤول عن حراسة العمق، وعن التوغل نحو الأسرار الوجودية. وهي “مسؤولية لا تنفك تتعاظم بعد أن استسلم العالم الحديث، كما يقول سيوران، لإغراء الأشياء المنتهية”.

ومحمد الميموني شاعر أصيل، وشاعر أصل ثابت في أراضي الشعر، “والثابت لا نهاية له، وما لا نهاية له لا يتصف بالنقص” كما يقول ابن عربي. على أن مهمة الشاعر هي تأسيس ما يدوم، وما يبقى، يؤسسه الشعراء. يقول الميموني في قصيدته التي لا تنتهي “من عمق بركة الرؤية/ نبأني اندياحُ وجه الماءِ/ وتوالدُ الدوائر/ بلا نهاية امتداد الأكوان والعوالم/ دائرة إِثر أخرى/ إلى ما لا نهاية. / ومن عمق الدوائر/ ينبثق نهاري/ أرى ما لا يسمى/ كظلي الذي يغوص ويطفو/ في البركة/ من دون بلل/ كأن لم يمسسه ماء”.

لقد انشغل الميموني، بعدما سئم تكاليف الحياة، بالبحث عن حياة جديدة في عوالم أخرى ممكنة، أي البحث عن “سر الخلود”، وضمان حياة لانهائية. بينما لا تنفتح القصيدة في هذا الديوان على اللانهائي فقط، ولكنها تعود بنا إلى البحث عن بداية لهذا اللانهائي، وعن مصدره “ولكن اليقين/ بالذي جرى بالأمسِ/ لا يلغي يقينا غالبا/ بعودة النشوءِ كلَّ آن/ من بداية أخرى/ ولا يلغي يقينا تاما/ بدوام اللانهاية”.
التأملات والخلود

اختار الشاعر أن يكتب ديوان التأملات هذا على تفعيلة الرجز القريبة من النثرية، وذلك في ما يشبه منظومة شعرية، تذكرنا بالمنظومات التعليمية التي انكتبت بها مختلف العلوم في ثقافتنا. والميموني ينتمي إلى جيل المغاربة الذين تلقوا مبادئ العلوم من خلال هذه المنظومات، مثلما ينتمي إلى الرعيل الأول من طلبة الدرس الفلسفي في جامعة محمد الخامس بالرباط، منذ مطلع الستينات، إلى جانب رفيق دربه الجامعي الراحل الخمار الكنوني.

وها هو يجمع بين الثقافتين التقليدية والحداثية، ليقدم لنا من خلال هذا الديوان منظومة شعرية فكرية. يقول الميموني “ألستُ ابنَ سلسلة أجداد/ أُولِعوا بنظم كلّ علومهم/ على إيقاع الرجَز الرشيق؟/ لِم، إذن لا أرْجِز تواريخي/ أوجِزها في بضع لمحاتْ/ كما تبدو لي”.

يبدو محمد الميموني أقرب إلى طرح أناكسيماندريس في القرن الخامس قبل الميلادي، الذي خالف رأي أستاذه طاليس في أن أصل الأشياء هو الماء، وقال إن أصل الأشياء هو اللانهاية، أو “الأبيرون”، الذي يترجم بـ”اللانهائي” و”اللامتناهي” و”اللامحدود” و”غير المتعين”… وهذا الأبيرون هو مبدأ أصلي في الأشياء.

الشاعر الراحل كتب ما يمكن أن نسميه "الشعر العميق"، الذي يتطلب منا قدرة على الغوص لاستخراج المعنى

وأناكسيماندريس هو صاحب فكرة “تعدد العوالم. على أساس أن كل عالم عندما يفنى فإنه يسلمنا إلى عالم آخر. ولكي تكون هنالك لا نهاية، ينبغي أن تكون هنالك لا بداية”. والقاعدة عند هذا الفيلسوف الإغريقي هي أن “الأشياء لم تخلق، وإنما تطورت”.

يقول رامبو “الخلود تجسد من جديد/ في عناق الشمس والبحر”. ويتساءل رامبو في قصيدة أخرى، وهو يستحضر الصورة الأولى “الأبدية، ما هي الأبدية؟ إنها البحر إذ يعانق الشمس”. ويقول محمد الميموني “البحر الآن يافعٌ/ مفتون بجماله/ فلا مناص له من مرآة/ كبيرة/ فلا يبدو للعاشقِينَ/ قبل أن يطالع المرآة/ على ضوء الشمس/ التي توقدها الأم السماءُ/ فضة وذهبا وماء”.

يحكى عن الشاعر الإنكليزي روديارد كبلينغ، وهو أصغر المتوجين بجائزة نوبل، أنه كان يطالع صحف اليوم ذات صباح، إلى أن وقعت عيناه على خبر وفاته في إحدى الجرائد. فكتب كبلينغ رسالة إلى مدير الجريدة يقول فيها “سيدي المحترم، لقد نشرت جريدتك اليوم خبر وفاتي… وبما أن الجريدة من الصحف التي لا تنشر الأخبار إلا بعد التحقق من صحتها… فلا شك إذن في أن خبر موتي صحيح. ولهذا أرجو منك شطب اسمي من قائمة المشتركين… لأن جريدتك لن تفيدني بعد اليوم… ما دمت قد انتقلت إلى العالم الآخر”.

هكذا هم الشعراء لا يموتون. ولقد غادرنا الشاعر كيبلينغ سنة 1936، لكنها السنة التي ولد فيها محمد الميموني. عن استمرارية الحياة وأبديتها، يقول الميموني “من قال إننا نحيا لحظتَنا مَرة/ ثم تختفي/ قد تختفي لتنبعث حية/ على خلفية أخرى جديدة./ أنا الشيخ الصبيّ/ أقف الآن في انتظار الطفلة الجميلة/ فقد تُطل بغتة / ويهتز قلبي لها / كما ارتعش قبلُ/ واستقبلها بفرحة خجولة بريئة،/ فلا أملك قولا/ إلا أن أعيد للمرة الألف/ حكاية الأمس المسحور الغابر: الحب لا يشيخْ”. فهل يمكن أن نكتشف دواء للبقاء على قيد الحياة. إنه الشعر، وما يبقى يؤسسه الشعراء. وهو الشعر الذي ترك الشاعر محمد الميموني خالدا بيننا إلى اليوم.

مخلص الصغير

كاتب مغربي




هذا النص

ملف
مخلص الصغير
المشاهدات
101
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى