نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

مختار الخلفاوي - العين المضطهدة.. الخروج من ثقافة غضّ البصر

  1. ما كان في حُسبان العربيّ أنْ يصطنع لنفسه صورة، ولم يكن يخطر بباله أنْ تكون له صورة تعكس هويّته. ورغم أنّ أدب الأخبار قد احتفظ لنا عبر الأجيال المتعاقبة ببورتريهات غنيّة بالتفاصيل عن الأعلام فإنّنا لا نكاد نعثر لأسلافنا عن وجوه ذات ملامح محدّدة. لم يكن لأسلافنا وجه. لقد امتنعوا عن التمثيل بالتصاوير، فكان من نتيجة ذلك، غياب الصورة عن حياة كانت تضجّ بالحركة والأصوات. ولكنّه غياب اُستبدِل، إلى حدّ كبير، باهتمام شديد بالكلمات والنصوص. على هذا النحو، يمكن أنْ نفهم ظواهر كلاميّة كالأمثال والخطابة والشعر والوحي أو أسلوبيّة كالسجع والتجنيس وسائر البديع والبيان أو تشكيليّة كالتفنّن في ضروب الخطوط. اليومَ، صار لكلّ منّا وجهٌ أيْ صورة تُوجِده. بل صار هذا الوجود خارج الذات عنوانا للوجود الرسميّ والقانونيّ.
    الرحمان على العرش استوى. سنحتاج إلى قرون لتجريد هذه الآية الملتبسة عن طابعها التشبيهيّ الذي يذكّر بآلهة العرب ما قبل الإسلام: صورة الإله على العرش. هكذا، وبعدانقطاع دام ثلاثة عشر قرنا عادت الصورة إلى الحياة العربيّة الإسلاميّة دون أنْ نتمكّن حقّا من حلّ عقدتها. على أنّ هذه العودة التي كانت مع أواسط القرن التاسع عشر تمّت دون معارضة فقهيّة كبيرة، بل وبمباركة من أحد أكبر الفقهاء المصلحين المجدّدين أعني الشيخ محمّد عبده، ولكنّها عودة على استحياء ذلك أنّ قرونا من التحريم لا يمكن أنْ تمرّ دون أنْ تؤثّر في لاوعينا الجمعيّ ودون أنْ يطرح هذا الانقطاع وهذه العودة إشكاليّة حضاريّة أو ثقافيّة أو دينيّة.

    في البدء كانت الصورة. هكذا يمكن أنْ نقول حين نلاحظ سلوك طفلِ السادسة وأوّلُ عهده بالقلم وما يسطرون تلك الخربشات الطفوليّة. بل يمكن أنْ يتأكّد سبق الصورة عن الكتابة من منظور تاريخيّ إذْ لم تكن الكتابة في البداية إلاّ رسمًا بيانيّا وهو ما تشهد عليه الحضارة الصينية.

    كانت جلّ الحضارات القديمة تجلّ الصورة والتصاوير فاحتفل الفراعنة والسومريّون والكلدانيّون والبابليّون بالتماثيل.

    وكان التشبيه Anthropomorphisme أحد ركائز الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ لأنّ المسيحيّة قامت في لاهوتها على الثالوث المقدّس، الأب والابن والروح القدس. فيسوع كان إنسانا وهو في نفس الوقت الروح القدس. ولذلك فقد سمحت بالتماثيل وحضّت عليها، وبقيت آثار من تصاوير المسيحييّن في مكّة حتّى فتحها، وكانت الكعبة تحتوي صورا للمسيح ولمريم العذراء. روى الأزرقيّ في " أخبار مكّة" أنّ الرسول لمّا دخل الكعبة بعد فتح مكّة قال لشيبة بن عثمان: يا شيبة امحُ كلّ صورة فيه إلاّ ما تحت يدي. ثمّ رفع يده عن صورة عيسى بن مريم وأمّه. ويقال إنّ تمثال العذراء والمسيح هلكا على عهد ابن الزبير في الحريق.

    ولئن حمل الهاجسُ التوحيديّ موسى على تحريم نحت التماثيل ورسم صور البشر والحيوان لئلاّ يعبد إله غير الربّ ولا يعود بنو إسرائيل إلى العجل الذهبيّ كما بيّنته إحدى الوصايا العشر فإنّ الإسلام وإنْ جاء بمحاربة الوثنيّة والأصنام لم ينصّ في القرآن صراحة على تحريم التصوير والرسم والنحت.
    فمن أين وجد التحريم؟ لقد جاء من الفقه أي من الإسلام التاريخيّ لا من الإسلام القرآنيّ. الفقه الشيعيّ لا يفتي بتحريم الصورة ولذلك نرى إلى اليوم صور الإمام الحسين في أكثر البيوت الشيعيّة. أمّا فقهاء السنّة والخوارج فأفتوا بحرمة التصوير مستندين إلى الآية 90 من سورة المائدة، وهي آية تشير من بعيد إلى حرمة الأنصاب ( وليست الأنصاب تماثيل بالضرورة ): "يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون" كما استندوا إلى عدد قليل من الأحاديث يذكر منها مالك في الموطّإ ما يلي:

    * عن أبي سعيد الخضريّ أنّ رسول اللّه أخبرنا أنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو تصاوير.

    * عن عائشة أنّ رسول اللّه قال: إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة (هم) المصوّرون. قال لها ذلك لمّا وجد في مخدعها وسادة محلاّة بصورة أو نمرقة فيها تصاوير اشترتها له ليقعد عليها ويتوسّدها.

    كان مفعول التحريم، على قلّة أحاديث التحريم، عظيما. إنّ التوحيد ورفض التشبيه أو ما يسمّى في علم الكلام بـ" التنزيه" وهو من أصول العقيدة في الإسلام كان وراء هذا الرفض التاريخيّ الذي عمل الفقهاء على تطويره حتّى صار رقابة ذاتيّة وكبتا تلقائيّا.

    على أنّ رجلا صحابيّا كابن عبّاس وهو المعروف بحَبر الإسلام قد أفتى بتصوير ما ليس فيه روح حين جاءه فارسيّ وقال إنّي رجلٌ أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها. قال: ادْنُ منّي. فدنا منه حتّى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول اللّه. سمعت رسول اللّه يقول: كلّ مصوّر في النار. يجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسًا تعذّبه في جهنّم. فإنْ كنت فاعلاً فاجعل الشجرَ وما لا نفس له. وفي مرحلة تالية يتمّ التحايل على هذا التحريم التاريخيّ حين يأمر ابن عبّاس بقطع رؤوس تصاوير على ثوب أهدي إليه حتّى لا تبدو حيّةً. وفي مرحلة لاحقة صار يُكتفى بجزّ أعناق الشخصيّات الإنسانيّة والحيوانيّة بوضع خطّ من الحبر على الأعناق لفصل الرأس عن سائر الجسد. وهذا ما نجده في بعض منمنمات الواسطيّ على أحد مخطوطات مقامات الحريريّ. إنّ وجود نسخ من مخطوطات كليلة ودمنة ومقامات الحريريّ محلاّة بالصور البشريّة والحيوانيّة لهو دليل على أنّ هذا التحريم أو الكبت التلقائيّ لم يكن على درجة عالية من النفاذ والالتزام. بل إنّ رصيدا من الرسوم الشعبيّة كان يتضخّم شيئا فشيئا على هامش الثقافة الرسميّة وبموازاتها غير مكترث بكراهة الصورة أو تحريمها: صُوَرُ أبي الأنبياء آدم ينظر إلى حوّاء التي تصغي ناظرة إلى الحيّة في أسفل الشجرة، صورة نوح في السفينة، وصورة إبراهيم بلحيته الغريبة التي تدلّت إلى ركبتيه يوشك أن يذبح ابنه إسماعيل المعصوب العينين لكنّ الملاك بشعره الطويل وثدييْه البارزيْن وملامحه الأنثويّة كان قد حضر يجرّ كبش الفداء، وصور النبيّ الخضر وسليمان ويوسف وزليخة، وصورة البراق دابّة النبيّ تفرد جناحيْها، وصورة علي ابن أبي طالب على فرسه يحارب رأس الغول ويشطره بسيفه البتّار نصفيْن من الرأس حتّى أسفل البطن، وصور آل بيته: الحسن والحسين..

    هكذا كانت الثقافة غير العالمة تحضّ على طريقتها على التقوى منتهكةً، في أثناء ذلك، حرمة التمثيل بالصورة التي كرّسها الإسلام التاريخيّ. ولقد تبلورت الصورة والتصوير وتطورا في الهوامش والمنفتحات التي تركها الإسلام، في حين انكفأت الثقافة العالمة على تطوير الصورة الشعرية والبلاغية والذهنية.

    مع القرن 19 عادت الصورة إلى الحياة العربيّة دون معارضة فقهيّة كبيرة. هذا محمّد عبده يقول معلّقا على ما ينسب إلى الرسول من حديث: إنّ الحديث عن حرمة التصوير ينصرف إلى ذكر ذلك التصوير الذي شاع في الوثنيّة والذي كان القصد منه تأليه بعض الشخصيّات. أمّا ما عدا ذلك من تصاوير قصد فيها المتعة والجمال فلا يحمل قول الرسول عليه. ورغم ذلك مازال بيننا إلى اليوم من يحرّم الصورة. ما تزال الحرب معلنة على الصورة. هي حرب تعلنُ بأشكال متعدّدة منها الحرق كحرق الصور وحرق الأفلام وحرق اللوحات الفنّية ومنها المنع كمنع التلفزيون ألخ.. ما زالت العين مضطهدة. وما زالت العين في الإسلام لا ترى.

    الحقّ أنّ فتوى الشيخ محمّد عبده بدت متصالحة مع ذهنيّة العصر وقابليّتها لدخول الصورة دوائر وسائطها غير أنّها لا يمكن بحال أنْ تحجب "وجاهة" الاعتراض الفقهيّ. إنّ خطر الصورة الحقيقيّ يكمن بالأساس في تحويل المرئيّ وغير المرئيّ إلى كيان محسوس يمْثُلُ الآن وهنا. ولعلّ هذه القدرة على الخلق أو مضاهاة الخلق كانت جوهر المشكلات الكبرى التي أثارتها الأديان التوحيديّة في وجه الصورة. إنّنا، بالصورة، نغامر ضدّ محدوديّة المنزلة البشريّة، ونتحدّى بها فعل خلقنا باعتبارنا كائنات محدودة في التاريخ والجغرافيا مرتهنةً في وجودها بالولادة والموت. أليست الصورة، من هذه الزاوية، محاكاة للكائن وبعثا له من بعد الغياب؟ أفليست الصورة تبيح استمراريّة الزمان في الجسد ذلك المحكوم أصلا بالفناء؟ أوليس "كفر" الصورة، أصلا، في كونها تمنح الوجودَ للخدعة والاصطناع عبر ترويجها الوهمَ المضاعف: وهم الجسد ووهم الخلود.

    بدأ الفرنسيّ رجيس دوبريه كتابه " حياة الصورة وموتها" (Régis Debray: Vie et mort de l’image, une histoire du regard en occident, Gallimard 1993 ) بقصّة غريبة عن أحد أباطرة الصين يطلب من رسّام بلاطه أنْ يزيل صورة الشلاّل الذي رسمه على جدار قصره لا لأنّ منظر الشلاّل مخيف ولكنّ لأنّ صوت الماء يمنعه من النوم. ما يعنينا من هذه القصّة هو قوّة الصورة تخلق حولها حياةً ويتمّ إدراكها بجميع الحواسّ: بالسمع والشمّ وباللّمس أيضا. لقد أعاد الفرنسيّ رجيس دوبريه النظر كلّية في المفاهيم الغربيّة المتداولة حول الفنّ وقرأ التاريخ انطلاقا من تحوّلات العين وتحوّلات الخطابات الملازمة لها، فقسّم تاريخ النظر إلى ثلاث دوائر:

    [​IMG] الدائرة الأولى: دائرة المنطوق، اللوغوس، أو المجال الكلاميّ وهي دائرة أنتجت خطابا لاهوتيا ( التعبّد والكتابة )

    [​IMG] الدائرة الثانية: دائرة الكتابة أو المجال الخطّيّ وهي دائرة أنتجت خطابا ميتافيزيقيا يغطّي عصر الفنّ من المطبعة إلى التلفاز.

    [​IMG] الدائرة الثالثة: دائرة الفيديو أو مجال الفيديو أو العصر البصريّ وهي دائرة أنتجت خطابا اقتصاديّا.

    وموازاة مع ذلك كان منتج الخطاب والصورة في العهد الأوّل عبدا خاضعا ورعا، يتلقى الإلهام من قوة إلهيّة قاهرة. أمّا في العهد الثاني فقد كان فردا متمرّدا يتلقى الإلهام من دواخله. وفي العهد الثالث سوف يصبح فاعلا يغيّر ويسيّر ويحاول أن يوجه ذوقه عبر الإشهار. في الدائرة الأولى تتماهى الصورة مع الشيء. وفي الدائرة الثانية تتحوّل الصورة إلى رمز يحمل معنى التماهي مثل الأيقونة التي تشير إلى الشيء دون أن تتماهى به وإنْ كانت هذه الرمزيّة تنزلق أحيانا إلى نوع من الاتّحاد بين الصورة والشيء. أمّا في دائرة الفيديو فتحلّ الصورة محلّ الواقع والشّيء وتصبح غاية في ذاتها. وترتبط هذه الدوائر الثلاثُ بمثلها من العلامات وهي الإشارة والأيقونة والرمز. تتطابق الإشارة مع منظور الصورة الدينيّة كأنْ تكون جزءا من الشيء أو كناية عنه. أمّا الأيقونة فهي شبيه الشيء وليست جزءا منه، وهي من ثمّة عمل من أعمال الفنّ. أمّا الرمز فهو نوع من العلامة تشير إلى علاقة غير متطابقة مع الشيء أو هو مجرّد علامة اتّفاقيّة اعتباطيّة بالنسبة إلى ما يرمز إليه. الصورة الإشارة قوّة سحريّة. والصورة الأيقونة قيمة فنّية. أمّا الصورة الرمز فهي قوّة سوسيولوجيّة.


    كيف يأتي المعنى إلى الصورة؟

    إنّ الأسس النظريّة المكوّنة لنماذج الصورة تتمثّل في الصورة الذهنيّة والصورة المادّية:

    الصورة الذهنيّة هي التي تترعرع خارج العالم المحسوس. يمكن أنْ نعرّفها بكونها تمثّلاً للأشياء في الوعي. فالصورة، إذن، مجرّد علاقة. هي بناء شديد التخطيط لأنّ هدفه إيصال فكرة أو رأي أو معنى. وتقوم الوسائط الجمعيّة اليوم بصناعة الصور الذهنيّة عند الأفراد والشعوب من خلال المادّة الإعلاميّة (صورة العربيّ، صورة المسلم..التخلّف والإرهاب..)

    أمّا الصورة المادّية ففيها يتعلّق الأمر بإعادة إنتاج طبق الأصل أو تمثّلٍ مشابه لكائن أو لشيء. فهي الصور المادّية لكلّ الأشياء والموجودات التي تحيط بالإنسان، وهذه تعتمد الحواسّ في توليد المعنى وتتجسّد من خلال لغة رمزيّة تخضع هي الأخرى إلى قواعد وقوانين.

    إنّ الصورة بنية بصريّة دالّة اتّخذها الإنسان أداة تعبيريّة لتجسيد المعاني والأفكار والأحاسيس. ولقد ارتبطت وظيفتها سواء كانت إخباريّة أو رمزيّة أو وثائقيّة أو ترفيهيّة بكلّ أشكال الاتّصال والتواصل، ولذلك، فهي، في النتيجة، نسيج حيّ يلتقي فيه الإدراك والوعي والثقافة والجمال والسلطة والتاريخ.
    إنّ الصورة قبل أن تكون رسالة أيديولوجيّة هي صورة مادّية تتغذّى من لغة تقنيّة تستعين بها لتشكيل مبناها ومعناها. فقراءة الصورة تستوجب بعض المهارات منها ما هو تقنيّ ومنها ما هو بلاغيّ ومنها ما هو تاريخيّ لاستنطاقها واستخراج خفاياها الدلاليّة. إنّ قراءة أيّ صورة تعني محاولة الدخول في علاقة مّا مع العمل الفنّي نفسه واستخلاص العلاقات والأنساق التعبيريّة التي تنتظمه. من هنا يمكن للقارئ أن يفككّ، بالمعنى السيميائيّ، بناء الصورة بغية استجلاء ما يخفيه المعنى. فالصورة ليست حُبَيبات ضوئيّة ولونيّة فقط، وإنّما هي حاملة للمعنى، وعليه فإنّ تحليلنا للصورة لا يحيلنا إلى الفيزياء والكيمياء ولكن إلى الإحساس بالمعنى.

    خَلُصت السميولوجيا الأيقونيّة التي وفّرت، مع بارط وإيكو خاصّة، إمكانيّة دراسة الصورة في ذاتها بالاعتماد على مناهج تحليل مستعارة من اللّسانيات إلى أنّ الصورة نسق يحمل الدلالة والتواصل في الوقت نفسه. وعليه فإنّها تعالج الصورة نسقًا يمكن أن نتحكّم علميّا في قوانين اشتغاله.

    هكذا يمكن أن نعتبر الصورة كالإشارة، أي أداة تكمن وظيفتها في نقل الرسائل، وهو ما يفترض وجود سَنَن تنتج بمقتضاه تلك الرسائل. كما أنّ فكّ رموز الرسائل يحتّم امتلاك ذلك السَّنَن وبدونه لن نتقدّم بخطى حثيثة في قراءة الصورة.

    هناك مرحلتان في قراءة الصورة، فمن جهة هناك التأمّل الذي يحيل على المظهر البصريّ للصورة، وهناك من جهة أخرى الفعل الذي يرتكز على فهم وتشخيص وفكّ رموز الرسالة، وهو الأمر الذي يحيل على المضمون.

    يتعلق الأمر في الحالة الأولى بالقراءة الإيستتيقية لما هو ظاهر باد. أمّا في الحالة الثانية فإنّنا نتحدّث عن قراءة دلاليّة. نعثر على هذين المستوين من القراءة ضمن كل أشكال التواصل بالصور، سواء تعلق الأمر بالرسم الصباغيّ أو بالتصوير الشمسيّ أو بالإعلان الإشهارىّ أو بالقصص المصوّرة أو بالتلفزة. إنّ لغات الصورة كيفما كانت، لها جميعها نقطة انطلاق مشتركة : الارتكاز على الإدراك البصري.

    بيد أنّنا لا نكتفي أبدا، أمام صورة أو فيلم، باستعمال الإدراك البصريّ وحده، إذ أنّ هذا النشاط يكون دائما مقرونا باستثمار خياليّ يعمل على استكمال النظرة المحض أيْ من خلال التفاعل بين النظرة وبين معطيات التجربة الواقعيّة لتوليد الإيحاءات الشخصيّة. وعلى هذا الأساس تستوي الصورة بنيةً مضاعفةً، بنية تنهض بها عينُ المصوّر وأداته أوّلا من خلال اختيار عناصر الصورة وتنظيمها بحسب الأشكال والأحجام والألوان وتحديد زاوية الالتقاط، وبنية ينهض بها المتلقّي ثانيا فيقرأ فيها ذاته وتاريخه ومخياله ممّا يدعم أثر الحسّ المشترك والذاكرة واللاوعي والمتخيّل وأنساق القيم التي بلورتها المجتمعات في تحصيل تلك الإيحاءات الشخصيّة.

    على أنّ إرفاق الخطاب الأيقونيّ بخطاب لغويّ مكتوب أو شفويّ من أجل التعليق على الصورة أو توجيه القراءة أو تضليلها قد يقلّص من تعدّد إمكانات التأويل ويضعف، من ثمّة، إمكانات التلقّي ويوجّه الدلالة الوجهة التي قصد إليها المرسل.

    أشار رولان بارط في كتابه" بلاغة الصورة " (R. Barthes: Rhétorique de l’image. In. Communications n4, p. 44 ) إلى أنّ النصّ اللّغويّ الذي يصاحب الصورة ينهض بوظيفتيْن أساسيّتيْن:

    [​IMG] وظيفة الترسيخ أو التسييج، إذ أنّ سمة الصورة هي التعدّد الدلاليّ، ويقوم المشاهد بانتخاب بعض المدلولات وبإسقاط البعض الآخر من خلال التوجيه الذي يقوده النصّ اللّغويّ الموصول بالصورة. من هذه الزاوية، يمارس النصّ اللّغويّ سلطانه على الصورة، فيكبح جماحها الدلاليّ ويسيّج أفق قراءتها ويتحكّم، بذلك، في مراسم تقبّلها.

    [​IMG] وظيفة التدعيم أو التقوية وهي وظيفة تتعلّق بالنصّ اللغويّ الذي يقترح دلالات جديدة تلتحم مع الدلالات "الأصليّة" وتنصهر معها في إطار واحد.
    وعبر هاتين الوظيفتين اللّتيْن ينهض بهما النصّ اللّغويّ المرافق للصورة يرى بارط أنّه يتمّ إخضاع المشاهدين باتّجاه استحصال طائفة من ردود الأفعال المتشابهة بين عدد هائل من المشاهدين، وتمحى، تبعا لذلك وإلى حد بعيد، اختلافاتُنا في اتّجاه " التوحّد " مع هذه الصورة أو ضدّها.


    الخروج من ثقافة غضّ البصر:

    إنّ ما هفت إليه هذه السطور هو ضبط مقدّمات أولى لوضع الصورة في المجال العربيّ الإسلاميّ في مرحلة أولى، ثمّ تصوّر خطاطة منهجيّة لقراءتها عزلاءَ ومُصحوبةً في مرحلة تالية. ولقد استقرّت هذه المقدّمات عند نقطة مركزيّة في قراءة الصورة تنهض على ثنائيّة التقرير والإيحاء. على أنّ هذه الثنائيّة مرتبطة بفكرة تأسيسيّة للدليل الأيقونيّ بما هو تمثيل للواقع. وهذه الفكرة صارت اليوم وفي زمن الصورة الرقميّة أو الحقيقة الافتراضيّة، موضع مساءلة.

    لقد أصبح اليوم من العسير التمييز بين ما هو حقيقيّ وما هو افتراضيّ أو وهميّ. فالصور قد تعتمد حيلا رقميّة وخداعا بصريّا متطوّرا عبر الصور المرقّعة أو المعدّلة رقميّا للحصول على نتائج فنّية باهرة. وهو ما يقود إلى تحريف الرسائل الأصليّة لتلك الصور. لم تعد الصور انعكاسا مباشرا للواقع ولحقيقة حواسّنا بلْ إنّنا، اليوم، في عالم يموج بالصور الافتراضيّة الرقميّة التي يخرجها الحاسوب. أفلا ينبغي، وقد تحوّلت الصورة إلى سلاح في يد أبناء عصرنا، أنْ نسعى، ابتداء من المدرسة، في رفع غفوة بصريّة طال أمدها وإعادة الاعتبار للصورة من خلال الخروج من ثقافة غضّ البصر إلى ثقافة تُحِلّ العيْن محلاًّ لائقًا في مناهج التعليم ووسائط الإعلام ومسالك الفنّ عبر الوعي بخطر الصورة وامتلاك قوانينها وشروط صناعتها وأبواب تصريفها؟ بلى.


    * عن الأوان

    [​IMG]
    مختار الخلفاوي

    عن الكاتب

    كاتب من تونس
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..