نزار حسين راشد - حبيبتي الغجرية

لمحتها فجأة تتواثب من غصن إلى غصن، تلتقط قرون الخرّوب، لمحتُ ساقيها السمراوين، من تحت تنورتها الطويلة، وحين أدارت رأسها نحوي، لمحتُ الحلقة المستديرة المُعلّقة في أنفها، وتذكّرت لوحة: الغجرية الراقصة، جمعت كفّي معاً مباعداً بين راحتي، موحياً لها أنني على أهبة لالتقاط ما يلقى إلي، فألقت إلي قرناً من الخروب، شافعةً حركتها بابتسامة آسرة من شفتيها الرقيقتين، ثم تتابعت القرون لتصيب رأسي وأنفي وكلّ أجزاء جسدي، وهي تتضاحك مسرورة، على حركاتي البهلوانية، وأنا أحاول مجاراة سرعتها لألتقط القرون قبل أن تسقط على الأرض لأضعها في سلّة القصب!
أخيراً شبكتُ أصابعي لأساعدها على النزول، وشعرت بباطن قدميها العاريتين، على بطن راحتي، وسرت رعشة في جسدي كُلّه، ترجّلتْ وأشارت إلي برأسها أن أتبعها، بعد أن أفرغت كومة القرون في كيس أبيض كان معقوداً على خصرها وناولتني السّلة الفارغة
استقبلني الرجال بالتحية، وكانوا يدخنّون الغليون عبر قصبات طويلة، وأشاروا إلي بالجلوس دون أن ينهضوا، وكانت رائحة التبغ وغيومه تملأ المكان، ناشرةً شعوراً بالسلام والطمأنينة.
لم أعرف ماذا أقول، وكل ما كان يدور في رأسي أن أعبّر عن رغبتي في الفتاة، ولكنّي تحسّبت من ردود الفعل، فأنا لا أعرف عن تقاليدهم شيئاً، حين ظهرت في المشهد فجأة، واقفة على مقربة بحيث أشمّ رائحتها، لتسألني إذا كنتُ أحتاج شيئاً لتقدّمه إلي!
انتهزتُ الفرصة وأدرت بصري ناحية الرّجال، وأشرت بسبّابتي إلى صدري، ثم وجهتها نحوها، وهي تراقب حركات يدي بعينين يقظتين تلتمع فيهما خشية ما، جمعتُ سبابتيّ معاً بالتوازي، وألصقتهما معاً في تعبير عن الحميمية وحككتهما بالتبادل، ونطقت بالعبارة الحاسمة: هذه الفتاة.. أريد ان اتزوجها، أريدها لي وصمت!
فركت يديها في جذل واتسعت ابتسامتها، وهي تنتظر إجابة الرجال على طلبي هذا، وكانها تخمّن وقعه عليهم.
استسلم الرجال للصمت، وكأنهم يقلبون الأمر في أذهانهم للردّ على هذا الطلب الغريب، وكانوا يرفعون أعينهم وينظرون نحوها، وكأنهم يستطلعون رأيها، كان في ابتسامتها المتوسّلة وانفعالات جسدها، وراحتيها المضمومتين في رجاء، إجابة كافية!
وأخيراً نطقوا على لسان كبيرهم: إذا أردتها فعليك أن تقيم معنا! نساؤنا لا يغادرن المُخيّم!
وهززت رأسي بالموافقة دون تردد!
كانت طقوساً صاخبة، مزامير وطبول وأعواد ورقصات، وأخيراً دخلت عليها العربة المقطورة، شيّعوني إلى هناك وتركوني عند الباب.
تركتُ حياتي ورائي، وطفتُ معهم أستطلع العالم، وآوي إلى أحضان أميرة فهذا هو اسمها، حين يشدني الشوق، ولم أفكر أبداً بالعودة إلى حياتي السابقة ولا إلى مهنة التدريس، كنت مأخؤذاً بنهمٍ إلى هذا العالم الجديد!
وكان الجميع الذين تركتهم ورائي يتساءلون، أين اختفى فجاة؟!
إلى أن فوجئت بالشرطة تقتحم المضارب ذات يوم، ويتهمونهم باختطافي ، وفي التحقيق رويت لهم القصة، ثم غمزت الشرطي، وانتحيت به جانباً منتهزاً انشغالهم بالجلبة التي أحدثها حضور الشرطة، وهمست في أذنه:
- أرجوك أن تُفهمهم أن علي أن أغادر هذا المكان بحكم القانون، وأن على زوجتي أن ترافقني،أنت تعرف ما أعني!
لم يتمالك الشرطي من أن يظهر دهشته ونظر إلي بعينين موبختين:
- ما الذي ورّطك هذه الورطة؟
وأخيراً رفع مكبّر الصوت وأعلن لهم الأمر.
لم يبدوا أي مقاومة أو اعتراض، ليس خوفاً من الشرطة، ولكن لأنهم اعتبروا أن أميرة أصبحت ملكي، وربما لأني تعاملت معهم ومع ابنتهم باحترام ودماثة!
لم تتردّد أميرة للحظة ، حزمت أمتعتها في صرّة صغيرة مضحكة، وودّعتهم جميعاً بحميمية، وغادرنا معاً في سيارة الشرطة.
أغرقتُ الشُّرطي بعبارات الشكر والامتنان، وهو ينزلنا عند باب البيت، ومرّة أخرى كان يبسط راحتيه ويهزّ رأسه في استغرابٍ بالغ، وكأنّ الأمر كله بدا غير مقنع بالنسبة له!
أميرة ضربت جذورها عندي، وكأنها لم تكن غجرية في يومٍ من الأيام، ونشرت فروعها كشجرة الخرّوب، لتظلني كلّما أهمّتني الحياة، وهي الآن بانتظار طفلها الأول.
نزار حسين راشد
  • Like
التفاعلات: حيدر عاشور

هذا النص

ملف
نزار حسين راشد
المشاهدات
131
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى