محمد حساين - بيليكي

- غَدي نتفكرك ونتشهّاك ألكتكوتة... ميرسي، رديتيني ليّام الرْضى والصغر. الله يرضي عليك، آري نقيّد النّمره....
...صِفر ستّه.....تلاته وستين......والسميه.... غيضوان طولوري.
قال لتلك الرصيفية بعدما هبطت من السيارة ونزل هو منها ليودِّعها وكانا قد قضيا معا ليلة حب وحنان وحرام وحمل أثقالٍ وحاءات حميمية أخرى.
نقرت على صدره بسبابتها وحركت طرف لسانها خارج شفتيها ما تحت الحمراء وتعمدت البحة في صوتها:
- سمّيني اللي بغيتي، دْجاجه، فليليسه... اللي عجبك، حتى قحينيشه ولكن متڭوليش يّام الصغر، بحال ايلا بديتي تشرف، الخيل فالموطور، عندك، باقي تيركل أشّباب.
سألها معيدا سمارتفونه لجيبه :
- ما عرفت شحال نعطيك ألفريريجه ؟ والله ماعْرفت .
أجابته كأنما تداعبه:
- بشحال زعما؟ لخلاص؟ التّمان؟ أنا دابا طاكسي الغرام أمومّو؟. نڭول ليك باللغه العربيه؟ وراني بنت لافاك... نڭول ليك يا رَجُلَ الأعمالِ والأفعال؟ "جسدي لا ثمن له"، هادي واخداها من لوستاده أسماء النتيوي "جسد المرأة لا ثمن له"...
- معندو تمان ألافاك؟ !!!.
- معندو تمان والله العظيم كيما تتڭول لوستاده – جسد المرأة معندوووووش ألْحاج..
- صبري واحد الدقيقه...
عاد إلى سيارته بسرعة كأنه نسي شيئا ونظر إليها وهي على الرصيف تلوك بعينها علكتها وتُزامِن حركة ردفها مع نقر سريع خفيف بكعبها. فَـتَح، ركِب، استوى، أدار ثم انطلق وكانت كل الأضواء خضراء...
تمتمت منهارة متنهدة مندهشة : "ويلي... الحلّوف..." ولم تهضم ما جرى تماما إلا حين توارى.
رفعت يديها إلى السماء مستسلمة:
- يا سيدي يا ربي، يا مولاي، رزقي يا ربي،
كادت تبكي
- يا ربي، يالعالي يا والي اللي ما عندو والي، لڭيها ليه يا ربي، شد لي حقي من هذا الكلب الخانز.
تمنّت لو كانت لديها وسيلة اتصال بزوجته، كانت حكت لها، كانت حدثتها، كي تصدق، عن سرواله الداخلي المزركش الذي يشبه "الطلميطة "، عن كرشه الأكورديون وعن بقعة سوداء تحت خاصرته. كانت قالت لها محرضة " زوجك لو تعلمين… زوجك قال لي عن تكلس يديك وترهل نهديك وتهلهل أنوثتك، زوجك يعافك، زوجك ...زوجك...".
تمنت لو لم تستثنه، منخدعة، من نظام الدفع المسبّق.
تمنت لو كان معها رقم هاتفه، كانت أرسلت له "بغيت ليك الكونصير فين تحشم تورّيه"... كانت أرسلت له رسالة صاعقة: "وحق ستين حزب إيلا فيّا السيدا".
تمنّت هذا وابعدها عن المزيد تَصوّر رده المضاد المخيف الممكن: "مشي مُشكل، أنا السيدا مريض بيه قبل منك...". تنهدت مرة أخرى وتمتمت مرة أخرى:
- ولد لحرام...ليله بيليكي.
توقف أمامها طاكسي صغير ونزل ركابه، فصعدت كأنما فتح الباب لها لا لهم.
- سير نيشان
- نيشان فين؟
أشارت بيدها إشارة فيها بعض من إثارة:
نيشان نيشان نيشان حتى لـْـ
- حتى لين؟
- حتى لمورا نيشان
ضحك السائق الملتحي وجر عباءته وقال "نشاع الله..."
- لاڭار....
قالت "لاڭار" ولم تكن نيّتها الذهاب للمحطة البعيدة، هي كلمة خرجت دون تفكير وربما دون وعي.
ودت لو استجيب دعاؤها ووجدت زبونها في طريقها مهشمة سيارته وجمجمته.
ودّت لو التقته ثانية، ويكون صحبة آله أو صحبه لتجعله فرجة المتفرجين.
هي ليس لديها ما تخسره. هي متعودة على المشاجرة والاهانات وأقسام الشرطة تعودها على نظرات الاشتهاء والاعتبار وحركات اللفظ والاحتقار
زادها غيظا أنه لم يكن من أولئك الرجال المنتهية كفاءتهم المكتفين باليدوي والشفاهي.
تنهدت وكادت أن تعيد جهرا "نخدم بيليكي يا ولد القاف؟"
- دوز على لبحر الطريق مسربيه.
مد الرجل يديه نحو تفّاحة محوّل السرعات، أثبتها قريبا من ركبتها وبدون مقدمة قال لها:
- مللي طلعتي وانا باغي نڭول ليك شي حاجه
- ڭول ، واشبع ڭولان أخويا... الدنيا هانيه
- إيوا عطيني ديك اليد
- ها هي وشوف ڭدامك
- وحق هاد اليد وما كلات وما شربات وما سلمات إيلا انتِ تتشبهي واحد خيتي عزيزه عليا
- الواليده؟
- ڭلت ليك واحد خيتي ! واش غير الواليده اللي عزيزه؟
شد على يدها فلم تمانع، خفض السرعة وفتح خط رحلات لكفه بينها بين المقود وعصا تغيير السرعات .
سألته وهي تنظر إلى أسفل:
- الكونتور عندك جاريين عليه؟
لم يقل لها كما توقعت "نسكتو يمّاه"
- الكونتور ديال مّاليه، غير خلّيها عل الله
- سربي شويه...
- عندك التران؟
- لوكان عندي التــران ولا تسنّاني التران لوكان كنت، حتى أنا، راكبه شي كاطكاط.
في المدينة قسوةا
في المدينة، ضحايا الفاسقين الكبار بعضهم فاسقون صغار.
أحست بكثير من البؤس وهي ترى يد السائق الملتحي ذي عباءة الفقيه وسترة الموطار يعبث بجراح في سروالها الدجين ملتمسا ما تيسّر من فخذها.
طلبت منه التوقف
نزلت، شدت محفظتها، عالجت قميصها، ثم أشارت له مودعة.
- أللا آللّا...، أشريفه، ما خلصتينيش.
لم تسرع استدارت مرة أخرى نحوه والقت عليه نظرة باردة والسيارات تملأ المكان صفيرا احتجاجيا:
- ....،
- وا الشريفه.... واماضمو... !!!
- تبعني، مالك باغي تعبّز بيليكي تّا نتا؟
تحرك وهو يتمتم : الشريفه؟ منين جا ليمّاك الشرف؟"


محمد حساين
قبل 2020



هذا النص

ملف
محمد حساين
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى