أشرف الصاوي - اصطفاني الله ولست مصاباً بالبارانويا

أنا هنا يا حبيبتي
انظري هنا
في قلبِ السماء
وفي خطوطِ يديكِ
والمِسي وريدَك
هل ما يزال ينبض؟
وقلبي في ضلوعِك
هل ما يزالُ حيًا؟
مَرِّري أصابعَكِ وأنفاسَك
على جسدي
وتَحسَّسي أعضائي وكل ذَرةٍ
لِتَسري الكهرباءُ والصباحاتُ فيّْ
وأقِف شامخًا
بنوري وناري
فوق المَجرّةِ
ولتعرفي يا حبيبتي
مِن أين بدأتُ عِشقَك
ومِن أين تَفجرتْ في الروحِ
ينابيعُ الصبابةِ
كبصمةِ الأصابع
أنا مِثل الأرضِ والسماء
بديعٌ وفريد
ليس كمِثلي شيء
ولا أُشبِه أحدًا في شيء
خَلَقني اللهُ هكَذا
أنا العدمَ الذي يَستنشِقُ أنفاسَك
فيصير الأرضَ والسماء
وأنا الجوهرةُ المكنونةُ التي وَهبت عينيكِ
وروحَكِ البريقَ والصفاء
أخِرُّ علي أعتابِك
مروجًا وماء
اصطَفاني اللهُ في زمنٍ قديمٍ
واختارَ مملكتي على نهر
وفي غاري
قال لي اقرأ
وأجلَسَني على عرشِ الكتابةِ
وقال لي هذه آيتُكَ
خُذهَا ولا تَخَف
فلسوف تَخرج في قلوب الناسِ يومًا
مِن تقاسيم الربابة
فأخذتُها وخَرجتُ أرتجِفُ
وكان قلبي ساقِطًا
ولكِن في سماواتِ المَهابةِ
وناديتُ في الأكوانِ وكائناتِ الله
أنْ دَثّريني
فجاءت تطوفُ حولي
ولكن...لم يُدثِّرني أحد
فطُفتُ في أفق الرحابةِ
وكنت وحدي أرعي الماعزَ والأغنام،
أُطعِمُها على كفّي
ونشربُ وحدَنا من نهرٍ علي حجر
وصارت بيننا لغةٌ وعِشق
وتَفجّرتْ حولَنا ينابيعُ المَجاز
ورَفرفَتْ في العيون
أقمارُ النجابة
وكنا ننشدُ في الربوعِ
تراتيلَ السلام
ولم يكن هناك ذئبٌ
يَفترِسُ نهدَ السحابة
ولا وحوشٌ أو جوارح
تَخطفُ الأحلامَ
وتُثمِر الأشجار في كل نفسٍ وثَغر
ولم تحلّق في الصدور يومًا
خفافيشُ الكآبة
وحولَ مَن أهوَى لم تكن الكلابُ
ولا زَنازنُ أو حِجَابة
وكان اللهُ - منتشِيًا - علينا يُطِلُّ
مِن خللِ الغَمام
ويهمي فوقَنا
وبين الملائكِ حولَه
أنوارُ إعجابِه
لستُ مصابًا بالبارانويا
ولا تحومُ في صدري الأحقادُ ولا الضغائن
ومُواطِنٌ صالِحٌ
معي بطاقةٌ شخصية صالحة
لِقَبل 1440 (ألف وأربعمائة وأربعين) سَنةً مَضت
خارجةٌ مِن سِجل مدني الوقف
في نفس اليوم الذي ملأت فيه الاستماراتِ
وذلك بعد أن عصرتُ مِن قوت أبنائي
عدد 2 كجم من الليمون
ليحتِسيَه الموظفُ المسكين
خوفًا مِن أن يُغمَى عليهِ
وهو يحمِل القلمَ أو يعبرُ الطريق.
مواطِنٌ صالحٌ وشريف
لا يجرؤ ضابطُ الكَمينِ
أن يَلسعَني على قَفَاي
ولا أن يصادِرَ مِني حُلمًاً واحدًا مِن أحلامي
في الخروج من إحليلِ المَضيق
لا أريد أن أكونَ أحدً غيري
حتى لو كنتِ أنتِ
ولا أريدُكِ أن تكونيني
وإلا أين سيذهبُ
كل هذا الذي أسْقَطَه اللهُ
في ذاتي لك
ذلك الذي هو فوقَ قدرتي
ولا وجودَ لي بدونِه
وأشْهَد أني لا أستطيعُ حملَه وحدي
إنما هي أنفاسُكِ حين تَدخلُني
وِبسرِّها أتجلّى في السماء
وفي نقوش الكتابة
أموتُ في كل يومٍ آلافَ المرات
ومِن السهل جدًا
أن تُحيِيني وتُسعِديني
فقط
أسْلِمي أنفاسَكِ في رئتي
لتأخذَ مسارَها نحو المَجرة
ودَعِيها تقوم بأعمالِها اليوميةِ الصحيحة
أنفاسُكِ
تلك التي في غيابِك تمتدُّ
وتلتَفُّ عليّ كثعبانٍ أسطوري
يَبلعُني
وأنصهِرُ في جوفِه
حتى تأتين
فيلفظني بين يديك
جوهرةً قدسيةً
تَسلمك البريق
وتنتظر عملَك اليومي
في إعادةِ التخليق
فأنا لا أريد أن أكونَ أحدًا غيري
ولا أطلبُ ما في جوفِ المستحيل
أو يمرق في عينيه الغرابة
رأسي مرفوعةٌ ترفرِفُ عند الشمس
فقط احتياجات الأطفال في البيت
ونظراتُ الخضار والفاكهة لي بسخريةٍ
كلما مررت بجوارها
هي المَطرقةُ التي تدق على رأسي
فتهوي إلى سابعِ أرض
هل يَجرح أحدًا من الحكومة
أن تَخرجَ الحروفُ مِن صدري
وتعيدَ نَصْبَ رأسي في مكانِها الصحيح؟
هل يَجرح أحدًا أن تصير الحروف بين يدي
خبزًا ودواءً
وخضارًا وفاكهةً
ولحومًا وحقولا من ليمون
وأحلامًا أوزّعُها على البيوتِ والرمال
هل يَجرح العدمُ أحدًا
أن يَستنشِقَ أنفاسَكِ الصالحةَ
ويسكرَ بها فوق حجرٍ على نهرٍ كي يستفيق؟
فأبصِرني وأبصِرُكِ
في قلوبِ الفقراء
فتُحيِين المَوتى الصحابة.
فلماذا يحاول أن يأخذَها مِني ضابطُ الكَمين؟
ولا ينظر إلي تواريخَ تهربُ أمامَ عينيه
وممنوعاتٍ بعد أن تُبصَق على وجهِه
وتَلعنَه وتلعنَ سلسفيل آبائِه
وتَقْلِب على رأسِه الطريق
هو وجميع أترابِه
مسكينةٌ زوجتي
تصومُ يومًا .. وتفطرُ يومًا
تقربًا لله
وانقضاء الشهر
بدون أن يَغرس خنجرَه في وجهِها السؤال
استيقظتُ مبكرًا هذا الصباح
لأصِلَ إلي العمل في موعدي المحدد
قبْلَ إغلاق دفتر الحضورِ والغياب
ولم أئتمِن أحدًا غيري أن يوقِّع مكاني
فَيُسْرَقَ مِني الصباح
أحضرتْ لي زوجتي ملابسي
التي أحِب رائحةَ يديها فيها
لذلك تَغسِلُها علي يديها
حتى أشعر برائحةِ كفوفِها
وهي تَسري في جِلدي
مثل كهرباء
فتبدأ أعضائي في أعمالِها اليوميةِ
قبْلَ أن أَخرجَ
طَيَّبتني بزجاجةِ مِسكٍ
أحضرَها لها والِدُها
منذ عاميْنِ من المدينةِ المنوّرة
ربما يومًا سأزورُها
بعدَ أن ينظر اللهُ في قلبي
فيحزن عليّ
رِكبتُ السيارةَ الأجرة
التي أوْقَفها الكَمين
ولم يتحركْ لي ساكِنٌ
فأنا والحمدُ للهِ
مواطِنٌ صالحٌ وشريف
ولم يحوّم برأسِي وجسدي
أي نوعٍ من الممنوعات
وأقومُ بحبٍ وصِدقٍ بعمل واجباتي
تجاهَ الناسِ وتجاهَ البلاد
ولم أوقِظْ أحدًا نامَ على كتفِي في السيارةِ
ولم أمنعْ أحدًا مِن أن ينفثَ دخَانَ سجائرِه وغضبه
في عيني ورئتي
لذلك
كنتُ مطمئِنًا.
أخَذ الضابطُ
يقلّب في الوجوه وفي البطاقات
ونظرَ إليّ
فأعطيتُه البطاقةَ
أخَذ يقهِقُه
وجاءتني ضحكتُه سوداءَ
تَقطرُ منها مياهُ المجاري
وخارجةً مِن قعر بئرٍ أسودَ
مثل خنزيرٍ فَرّ من الحظيرة
وأخذتْ تَنهشُ في طبلة أذُني
وتَلعقُ صفاءَ روحي
"إنزل يلا"
بطاقة ... ومنتهية
من 1440 (ألف وأربعمائة وأربعين) سنة
"يا جبروتك يا ابن الـ....
معاك ممنوعات؟"
أخذَ يقلّب في جسدي
ويعصرُ أعضائي
كقطعةِ إسفنج
وأنا تنزُّ مِني اللعناتُ والسخط
وحمدتُ اللهَ أن يديه
لن تطولَ ما في صدري
فلربما تكون الحروفُ ممنوعةً من الصرف
في هذه الأيام
كنت ماشيًا بقوةِ دفعِه
وأنا أتخبّطُ في جبالٍ من الضباب
وقدماي تغوصانِ فيه
ودَفعني
في قلبِ الزنزانةِ
اصطدمتُ بالعَتمةِ وبأحدِهم
بعد لحظاتٍ
رأيتُ الزنزانةَ مكتظةً بالأشخاص
كامرأةٍ حُبلى بتوائمَ سياميةٍ
وفي شهرها الأخير
أكُلُّهم انتهت صلاحيةُ بطاقاتِهم؟
وتَخرج مِن صدورِهم خيوطٌ مِن دمٍ
ونورٍ وأحبالٍ سِريةٍ
بعضُهم أعرفُه
والآخَرُ كنت أراه مثل نجومٍ
تحوم وتحلّق في السماء
لكنهم جميعًا كانوا يَنزِفون
ومُقَطَّعي الأطراف
أوَ لستم متُّمْ؟
لقد أقامت الحكومةُ لكم أمسياتٍ
وحفلاتِ تأبين
هل أنتم فعلاً أحياءٌ؟
أم أني غارقٌ في حُلمٍ ومَكيدة؟
قال كبيرُهم وكان مفقوءَ العينين
ومضروبًا بطلقتيْن فيهما وينزفُ:
"إنها الحرب
....
لكننا لم نتوخَّ الهرب"*۱
نظرتُ إلي الثاني
وكان مدفونًا في دمِه
ومحترقَ الأطراف
وقال أنا جلستُ بجوارِها
لأسقيها حليبًا من قلبي
بعدما "جمعت وقودًا للفرن" *٢
طوّحوني وقودًا في النار
واحترقَ القلبُ
والآنَ عرَفت:
"قد يُصلِحُ شاعرٌ ما أفسَدَه الرب"*٢
قال الثالث
وكان ظهْرُه مقسومًا نصفيْن
أنا انحنيتُ لها خضارًا ومحبةً فسألتُها
"مين اللي محنّيلك خضار"*۳
فجاء مَن شَقّ بجبروته ظهْري
فانقسَم الظهرُ إلي نِصفيْن
قال الرابع
وهو يُلملِمُ شرايينَه الممزقةَ
ويُدخِلها في أماكنِها:
أنا حاولتُ غسْلَ الرمال
وكنت "قربانًا بديلا" *٤
لكنهم فَعلوا ما تَرى!
نظرَ إليّ الخامس مِن خلف نظارتِه المعظّمةِ
وقال أنا فتحتُ قلبي لها صيفًا وشتاءً
وحدثّتُها مِن قلبي
"عن الذي لا يموت"*٥
وعن أوجاعِ البحرِ
وعن الأساطير التي تبتلعُ الضياءَ وعقولَنا
فيصارع فِكرنا الحتمَ المُجابَا
فاتهمَوني بالكفرِ والإلحاد
وممارسةِ الرزيلةِ مع عشيقاتي
في الأمسياتِ وبين أحضانِ البيوت
وفوق قارعةِ الطريق
واتهمَوني باللعبِ في صدرِ البلاد
وإشعالِ أرواحِ الصحابة
لذلك نحن هنا
لكننا .... لن نموت
قال كبيرهم: إنها الحرب
ولو تثقل القلب ...لكننا....
لن نتوخّى الهرب
ووَقَفوا جميعًا واصطفوا كنجومٍ تعيد توحّدَها
وأخرَجوا من صدورهم حروفًا
صارت أبوابًا وبنادِقَ
ومَقامِعَ أسطوريةً بين أيديهم
وخَرجوا
أين تذهبون؟
أين ..؟
وكان صوتٌ خلفَهم يعلو شيئًا فشيئًا
مِن تقاسيم الربابة:
"ناسي فقرا
فقرا
فقرا
يرضعوا ف الليل بز القمرا
يصحوا شُعَرا
شُعَرا
شُعرَا"*٦
يا ربّي ...
أغارِقٌ في الحُلمِ أنا؟
أم ساقِطٌ في قلب؟
وإلي أين هُم يذهبون؟
وأيُّ حرب؟
وحيدًا جلستُ في الزنزانةِ
فَعَلَتْ برأسي أصواتُ الكلابِ والخنازير
ففتحت صدري
وأخرجت الحروفَ
فكانت لي بابًا واحدًا
وأمامَه سُلّمٌ
فعرَفتُ أن اللهَ قد اصطفاني
فصعدتُ إليك
لكن في الآخِرةِ
وكانت آيتي فوق الدروبِ مشرِقةً
وتَفتح الأبوابَ
ومِن خلل الغمامِ منتشيًا
أحلّقُ فوق الأحبةِ والصحابة
أتجلّى ... وأتجلّى
أينما ذَهبوا
وفي أي حرب
انظري يا حبيبتي
هل تُبصِرين؟
نحن هنا
كي نسترِدَّ إليكِ البريق
وكي نعيد للهِ مَباهِجَه
فيغمر المُلْكَ والمَلكوتَ إعجابه!


إشارة :
۱- الشاعر أمل دنقل
٢- الشاعر سيد عبد العاطي
۳- الشاعر حجاج الباي
٤- الشاعر فتحي عبد السميع
٥- الشاعر أشرف البولاقي
٦- الشاعر حمدي منصور



هذا النص

ملف
أشرف الصاوي
المشاهدات
64
آخر تحديث

نصوص في : شعر

أعلى