محمد مزيد - تفاحة.. قصة قصيرة

أكتب مذكراتي، كل يوم ، بعيدا عن أنظار زوجتي، التي أخذت ، تغافلني هذه الايام لتقرأ بعض ما أكتب . حتى وجدتها أمس الأول مكفهرة ، غاضبة ، تضع أواني العشاء على الطاولة بعصبية . أعرف ، منذ ثلاثة عقود، تقلبات وجه زوجتي ، ومن النادر، ونحن على المائدة، أن تظهر غضبا حتى لو كان مكتوما ، كتلك الليلة . أحب تناول البطاطا ( فنكر ) في العشاء ، وهي مائدتي المفضلة على الأطلاق ، وحين وضعت أول شريحة بفمي لاحظت تدفق موجات الغضب على وجهها ، سألتها : " ما الحكاية ، أرى غيوما وبروقا " ردت بصوتها الحزين الذي أحبه " أنت أخبرني ما حكاية التفاحة غير المقضومة ؟ " تركت البطاطا تسرح وتمرح في لعابي ، أردت أبتلاعها فلم أستطع ، شعرت كأن قلبي وقع بين يدي . أكملت زوجتي " أريد أن أعرف من هي " ؟ تذكرت أن هذا التعبير " التفاحة غير المقضومة " كتبته قبل أسبوع في مذكراتي ، وحاولت التعتيم على حكايته ، لمعرفتي إنها تقرأ ما أكتب من دون علمي ، ولكن يبدو ، أن زوجتي ، أستنتجت أن لابد عندي قصة مع أمرأة . وبطريقتي المفضوحة للتمويه ، ضحكتُ ، هززت يدي ، نهضت أعدل بيجامتي التي ظننت إنها خرطت ، ثم قلت : " أنا أكتب أوهاماً من خيالي كما تعلمين ، ليس بالضرورة أن كل ما أكتبه هو الحقيقة ". لم تكترث لإيضاحي ، ولعلها أكتشفت ثمة رجفة في شفتي ، حاصرتني بنظراتها ، حتى صرت بوضع لا أحسد عليه . قالت بغضب " لم يكن ما كتبته وهما ، ولا خيالا ، أعرف من هي هذه التفاحة ، سفرتنا الى الجبل ، أبتعادك عنا ، بزعم إنك تريد التأمل لوحدك لتحل مشاكل الكون ، كل الناس تناولوا الغداء وأنت غير موجود ، ثم جئت بعد ساعتين سعيدا ، لا أعرف في إي واد أنفردت بها ، هل تتوقع إنني لا أراقبك ؟ ثم سكتت ، فسألتها " من هي إذا كنت تعرفينها " ، " أريدك أنت أن تخبرني عنها ؟ " مازلت أبتسم ، " قلت بمودة مبالغ بها : " هذه كلها تمرينات كتابة عزيزتي ، ليس هناك حدث مهم في القصة " .. ثم عندما لم أر أستجابة لأكاذيبي ، وبطريقتي للإفلات من قبضتها ، أفتعلت الزعل والغضب ، تركت العشاء الذي أحبه ، أرتديت ملابسي وخرجت من الشقة . جلست في الحديقة مقابل شقتنا وأنا أتذكر لحظات سعيدة أمضيتها مع فتاة عبارة عن تفاحة غير مقضومة ، تتلوى أمامي تحدثني عن مطربين ومطربات لم أسمع بهم أبدا وصيحات الأزياء وعلامات تاتو على أفخاذ النساء . كنت أراقب شفتيها الورديتين الغليظتين ، أنظر الى فستانها الوردي القصير الذي يصل الى الركبتين ، شفتاها لا تتوقفان عن الحديث والضحك والغناء " أنت أفضل من يصغي ألي ، كم أحب الحديث معك " . فتاة ممتلئة أنوثة وجمالاً وعفوية . كنت أعرف أن الفرق بيننا كبير ولكن ماذا أفعل لهسهسة ما بعد الخمسين من العمر ؟ .
بعد أن شعرت بالجوع ، والبرد في الحديقة ، أتصلت بأبني المراهق وطلبت منه تمزيق آخر ورقة من دفتر أحمر موضوع على رف المكتبة ، قايضني اللعين للقيام بذلك مقابل 10 ليرات تدفع فورا ، فأستجبت له .عدت الى البيت فوجدت الزوجة العزيزة مازالت مكفهرة ، قلت بغضب " عن ماذا كنت تتحدثين ، إية تفاحة تقصدين ؟ فنهضت مسرعة ، لتثأر من كرامتها ، تخطو في الصالة حافية القادمين ، وهي ترتدي ذلك الثوب الذي يسحرني ، ذهبت الى دفتر المذكرات الأحمر فوق رف المكتبة ، فتحته ، بحثت عن العبارة فلم تجدها ، لاحظت على وجهها أمارات التعجب ، ثم قالت " هل كنتُ واهمة ؟ " قلت لها مبتسما " طبعا عزيزتي واهمة .. تعالي الى المطبخ نتعشى " .



هذا النص

ملف
محمد مزيد
المشاهدات
34
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى