عبدالقادر وساط - قد يأتي الملَك في عز الليل

كان الرجل جالسا قبالتي في مقصورة القطار السريع. يبدو في الخمسين من العمر، أو لعله تجاوزَها بقليل. أسمر، شديد السمرة، يتصبب العرق من جبينه ومن صلعته، ويجد صعوبة في التنفس، ربما بسبب بدانته المفرطة.
كانت ركبتاي لصيقتين بركبتيه، بسبب الضيق. ولم يكن بيننا سابق معرفة، لكني لاحظت أنه ينظر إلي بفضول، ثم إذا به يضع يده اليمنى على فخذي، بحركة عفوية، ويسألني:
-كيف حالك، سي العربي؟
لم أعرف كيف أجيبه، فمال جهتي وقال لي:
- أنسيتَني حقا يا رجل؟ أنا الحاج أحمد، رئيس حراس السجن المدني! أنت كنت سجينا في الجناح رقم 2، وأنا ما زلت أتذكرك جيدا.
بقيت أنظر إليه مستغربا. أضاف قائلا:
-لقد مرَّ زمن طويل! وأراك قد هرمتَ ياصديقي. لاشك أنك قد تجاوزت الخمسين مثلي.
غالبتُ رغبتي في الضحك. قلت له:
-أنت مخطئ يا سيدي، أنا اسمي مصطفى وليس العربي، ثم إني لم أدخل السجنَ قط.
خفتت الحماسة في نظراته، عند سماع ذلك. بدا كأنه غاضب مني، ولاذ بصمت غريب. لاحظت أنه يتنهد بين حين وآخر، كأنما يعبر بذلك عن حنقه وعن خيبة ظنه.
وعندما توقف القطار، نهض وغادر المقصورة دون أن يكلمني أو ينظر جهتي.
حكيت ذلك لزوجتي في المساء، بعد عودتي إلى البيت. قلت لها ضاحكا:
-هل هناك شيء في ملامحي يدل على أني من أصحاب السوابق؟
لكنها اكتفت بشبه ابتسامة، ثم شرعت تنظر كعادتها إلى السقف ولم تجب عن سؤالي. وعموما، فهي تعاملني هكذا منذ سنتين تقريبا. منذ أخبرها الطبيب أنّ سبب العقم يكمن فيَّ أنا بالذات، وأنه ليس باستطاعتي أن أنجب أطفالا.
على أية حال، فقد نسيتُ شيئا فشيئا حكايةَ السجان الأصلع، ولم أعد أشغل بها ذهني. لقد أخطأ الرجل وحسبَني شخصا آخرَ، وهذا يحدث لآلاف الناس كل يوم.
بعد أسبوعين تقريبا، توجهتُ إلى إدارة عمومية، للحصول على بعض الوثائق. كانت تلك أول مرة أضع فيها قدميّ في تلك البناية. أرشدني رجل الأمن الخاص إلى مكتب المسؤولة، وما إنْ دخلتُ مكتبها حتى بدأَتْ تحدق فيّ بعينين جاحظتين من الغضب، ثم وقفَتْ وصرخَتْ في وجهي:
-لديك الجرأة كي تعود إلى مكتبي، يا قليل الأدب!
وسمعتها تنادي الحارس وتقول له بحدة، وهي تشير إليّ:
-لماذا تركتَه يدخل؟ أنسيتَ ما فعله بالأمس؟ ألم ينعتني بالعاهرة؟
ثم قصدَتْني، تريد أن تنقضَّ علي لولا أن الحارس حال بيننا، ودفعني بشيء من الغلظة. وحين بلغنا باب البناية، قال لي بنبرة حازمة:
-من الأفضل أن تبدل الساعة بأخرى، هيا انصرف حالا!
خرجتُ وبقيتُ أمشي في الشارع على غير هدى. كنت أرتجف من فرط الانفعال، متسائلا عن حقيقة ما يحدث لي. فهذه المرأة الشرسة لم أرها من قبل، والبناية حيث تشتغل لم تطأها قدماي في السابق. وراودتني فكرة الجلوس في المقهى ريثما يزايلني الضيق، لكني خفت أن يتهمني النادل، أو شخص غيره، بشيء لم أرتكبه، فعدلت عن فكرتي تلك وتوجهت مباشرة إلى البيت.
لم أحك لزوجتي خبر المرأة العدوانية. قلت لنفسي فلأتسلح بالعزم، فما وقعَ لحد الآن لا يكتسي أهمية كبرى. والمهم هو ألا تحسبني زوجتي شخصا آخر، وكذلك زملائي في العمل.
بيد أنه لم يمض أسبوع على حادث الإدارة، حتى وقعَ ما أثار حيرتي من جديد. كنت أركب سيارة أجرة، ولاحظت أن السائق يطيل النظر إليّ في المرآة، وأنا جالس في المقعد الخلفي، ثم سمعته يخاطبني قائلا:
-لقد رأيتك البارحة في التلفزيون، في برنامج "ذكريات رياضية." الحق أنك رمز من رموز المرحلة الذهبية، في تاريخ كرة القدم المغربية!
قررتُ ألا أصحح له الخطأ. قلت وأنا أتصنع الجدية:
-جيلنا نحن لم يكن يهتم بالمال. كنا نعشق كرة القدم ونتفانى في اللعب، دون أن نلقي بالا للأمور المادية. هل تصدق أن لاعبين كثيرين من جيلي يعانون اليوم من فقر مدقع؟ أنا نفسي، لا أملك حتى منزلا يسترني في هذه المرحلة من العمر، إذ أكتري شقة متواضعة في ضاحية المدينة!
كنت خائفا أن يسألني عن بعض التفاصيل، فلا أعرف كيف أجيب، لكنه لم يفعل. بقي يردد:"نحن نحبك في الله يا رجل." وعندما أردت أداء ثمن الرحلة، أقسم ألا يأخذ مني سنتيما! الأمر الذي جعلني أشعر بوخز الضمير، بعد أن نزلت وابتعد هو بسيارته.
ثم توالت بشكل متسارع أمورٌ من هذا القبيل. مرة، جاءت نحوي فتاة في مقتبل العمر وأنا واقف أنتظر الترام. عانقتني وشرعت تسألني عن الأحوال. كانت تحسب أني زوج خالتها الذي لم تره منذ سنوات عديدة. ومرة، في السوبر ماركت، اندهشت الفتاة الجالسة خلف صندوق الأداء حين رأتني، وشرعت تقول لمن حولها وهي تشير إلي:
-هذا أفضل طبيب ولادة في المدينة، لقد أنقذ أختي الحامل بأعجوبة، بعد أن كانت مشرفة على الموت.
ومرة، كاد أحدُ الشبان أن يصدمني بسيارته، في شارع مزدحم، لولا أنه توقف في الوقت المناسب. ولما نزل مسرعا من السيارة، بدا عليه أنه عرفني فأخذ يردد بانفعال واضح:
-الحاج عامر؟ جارنا القديم؟ يا إلهي! كنت سأصدمك لولا لطف الله.
قلت له:
-لا عليك، أنا المخطئ. لقد كان عليَّ أنْ أعبر من الممر الخاص بالراجلين.
وبعد أن اطمأنّ عليّ، سألني عن عنواني الجديد، فأعطيته عنوانا زائفا، واقترح علي أن يوصلني بسيارته، لكني رفضت ذلك بأدب. وكالعادة، حين عدت إلى البيت، لم أحك لزوجتي عما حدث. بقينا أنا وهي صامتَيْن أمام التلفزيون إلى أن حان موعد النوم. وقبل أن أغمض عينَيّ، اتخذت قرارا حاسما بأن أبحث عن تفسير مقنع لمشكلتي، ابتداء من صباح الغد. ثم انتابتني، رغم كل شيء، رغبة في الضحك وتساءلت مع نفسي: من يدري؟ قد يأتي ملَك الموت في عز الليل، ويحسب أني شخص آخر، فيقبض روحي بالخطأ!

هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط (أبو سلمى)
المشاهدات
38
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى