عبد الفتاح المطلبي - المستنقع

أحسّ دبيباً يجولُ في رأسهِ مثل دودٍ جائعٍ ينهشُ تلافيفَ دِماغِهِ الهامد المستسلم طوالَ الوقتِ حتى باتَ هذا الدبيبُ مألوفاً، أوهامٌ عتيقةً وعفنةً ركَدَتْ بعيداً في قعر الرأسِ واستقرّتْ دونَ أن يشعرَ لتبيضَ وتفقس كثيراً من ديدانها القديمةِ، بدا مُتبرماً مما آل إليه الحالُ لا يكادُ يطيق حملَ رأسه، زحامُ الأفكارالمتفاقم يدفعهُ إلى البحثِ عن ثقبٍ من ثقوبِ الحياةِ لعلّهُ يكونً مهرباً وحيداً مثلما تفعلُ الحشراتُ المُحاصرة التي لا تعرف الصراخَ، مدّ يدَهُ إلى جيبِ بنطالهِ الرثّ واطمأنّ إلى وجود (إنبوبةِ) السيكوتين ثم واصلَ سيرَه إلى حافةِ المستنقعِ الذي تقبعُ حولَه بيوتُ الصفيحِ صانعةً تجمعاً أميبياً يغيّرُ شكلهُ بين فترةٍ وأخرى تَخرُجُ من بين امتداداتهِ الكثيرةِ مساربُ المياهِ الآجنة لتمدهُ بمزيدِ النتانةِ والقذارات، وجدَ فيه ملاذا يندرُ أن يُغري أحدا على الوقوف عندَ حافاته، جلس هناك غيرَ مبالٍ بالعفونةِ، أخطبوطُ المستنقعِ يتنفسُ حياتهُ من ثقوبٍ في مؤخرات بيوتِ الصفيحِ يمدّ أذرعَه السود إلى أدبارها محاولاً شفط ما بتلك الأجواف وابتلاعه وقد بدا هائلَ الأذرعِ بيدَ أنّها راحتْ تقاومُ على الرغمِ من خسارتها بعضَ صفيحها المُتهرئ لصالحِ ذلك الإخطبوط الأسود، وضعَ إنبوبَ السيكوتين لصقَ منخريه وشمّ نفَساً عميقاً من أبخرتهِ عدداً من المرّات فاستقبلت رئتاهُ شميمَ الأنبوب بنشوةٍ كبيرةٍ، قرفصَ على الحافةِ المتعرجةِ وراحَ يُحدّقُ في السواد، خُيل إليه أنّ ثمةَ ما يتحرك تحت، ألقى نظرةً إلى هناك من مسافةٍ قريبةٍ، صار هاجسُه أن يتفحّصَ تلك االإهتزازات والمويجات التي يصنعها تيارٌ من هواءٍ ضلّ طريقهُ ماراَ من فوق السائل المعتم حتى لكأن مستنقعا آخرَ قد فاض في تلافيفِ مخّهِ وملأ قحفَ رأسه، كل شيءٍ أسود.. أسود، ليلٌ داخل روحه وإن أطلت الشمس من فوقه، أصبحَ أمراً مُلفتاً للمارةِ جلوسُه الطويلُ على تلك الحافةِ يدوّمُ رأسَهُ المسطولَ بينَ نصفِ غائبٍ عن الوعي ومطأطئٍ قليلاً ينظرُ ببلاهة إلى ما حوله وأحياناً يبحلق ثم يفرك عينيه وقد وصل الأمر إلى هذا الحد ولم يعد يبغي غير إبادة الدقائق والساعات ناظراً إلى سطح المستنقعِ الذي يزخرُ بخلقٍ كثيرٍ يتحركُ دون هوادةٍ، دودٌ منشغلٌ بمصيرهِ غيرُعابئٍ به ولا بهمومهِ يمتدّ ظلّهُ المسفوح على وجه السائل الأسود متواشجا مع عالمهِ المعتم، تفكيره ينجرف باضطرادٍ نحو عمقِ الهزيمةِ مُرَجّحاً أنّ ذلك بسبب انحرافاتٍ قديمةٍ طالما قفزت إلى مخيلته مُنتجةً كلَّ هذا الدوار الذي يغزو رأسَه ثم استطردَ محدثا نفسه، يمكن أن تكون هذه العتمة جنةَ الدود الواسعة، يمكن أن تكون الشمس جحيمهُ أيضاً وما بين جنة الدود وجحيمه شمّ بعمق إنبوبة السيكوتين فملأ الضباب رأسه وانفرط الدود بجنته وجحيمه خارج ضباب رأسه باحثا عن خيطٍ ينقذه من سطوة الضباب، تهربُ كل التبريرات أمام تيههِ الممتد،شيئا فششيئا ينقشع الضباب ليرى المستنقع وهو يجد في صنع حياته دون ضجيجٍ غير حافلٍ بالبحث عن مُبررٍ أو ما شابههُ و كأن الدود يشي بأن ليسَ هناك متسع من الوقت فراح يخوض غمارَ حياته على عجل، بعد مرور زمن ليس بالقصير كان هناك بالقرب منه على حافة المستنقع من يسأل أو ربما جاء ليسخرَ منه أو يلهو قليلاً:

- ماذا...ماذا هناك؟ ودون أن يلتفت وبحروفٍ تعتَعَها شمّ إنبوبة الصمغِ وأبخرةَ الثنر أجاب:

- دود...دود كثير...

- همممممم...!!

وأتى آخر بعد ذلك وسأل السائلَ الأولَ الذي امتلك الجواب دون عناء ولم يبخل به لغيره وهذا الأخير لم يبخل به لآخر وهكذا علِمَ الجميع أولئك الذين حركهم الفضول أن دودا أسودَ يواصلُ حياتَهُ في المستنقع...! أليس من الطبيعي أن يكون للمستنقعِ دودهُ،أدرك ذلك البعض فهزّوا أكفهم وغادروا بينما تابع النظر إلى المستنقعِ أولئك الذين ما زالوا مرتابين بالنوايا محاولين تأويل الأمر بأبعد من ذلك ما استطاعوا ،هكذا صار يتحلقُ حول المستنقع كل الهاربين من آلامهم الصغيرة التي تطاردهم مثل بعوضٍ عنيد وقد أدركوا بحسهم المُضطرب أن شيئا يتعلق بذلك السائل الأسود قد خفيَ عليهم ولابد من استكناهه فليس من المعقول أن يتحلق هذا الجمع حول بركةٍ آسنةٍ دون سببٍ وجيه، بعضهم كان موجودا ليس لأنه يريد معرفةَ ما يجري بل لتوقهِ في أن ينتميَ إلى الجمعِ المطلّ على المستنقع فقط، فقط لردم ثلمة من ثلمات أسوارهِ المندكةِ والمستباحةِ، كان السطحُ في البداية رائقا بالرغم من سوادهِ وما أن ارتفعت الشمس حتى صارت الفقاعاتُ تنتفخ فوق سطحه كالدمامل تتابعُ انفجاراتَها المريعةَ مساهمةً بحصتها من النتانة والقبح وكلما نشطت الفقاعات مطلقةً غازاتها أطلقت تلك المخلوقات العنان لحياتها وكأنها في حفل، الجمعُ المتحلقُ حول المستنقع بدا غيرَ مستقرٍ فمنهم من يغادر ومنهم من يلتحق والجميعُ صار يعرف أن دودا كثيرا يُمارس الحياة في المستنقع، تخلل ذلك وصلات من الهمهمةِ حول الفقاقيع وبعض الدكنة واللمعان فيما يتعلق بلون الدود، موحين بأن الأمر يستحق كل ذلك، قال بعضهم أن ما يحصل في المستنقع قد حصل في أمكنة وأزمان متفاوتة وإن كل ما يجري محكومٌ بأسبابه، صاحَ واقفٌ على مقربةٍ من بيت الصفيح بفخر: هذه نتانتنا، ألا ترونها تخرج من بين أفخاذنا بيدَ أنهم لم يلتفتوا لصاحب الصوت وكأنه غيرُ موجودٍ، مرّ زمن ٌ وهم لا يدركون لمَ هم هنا يراقبون وهل أن غيرهم قد فعل ذلك في ما مضى؟ وبذلك ظلوا يداومون على الإدلاء بآرائهم التي لا تعني أحداً وراحوا يلقون نظرةً إلى المستنقع ودودهِ بين جملةٍ وأخرى مرجحين أنه ربما يحصل شيءٌ قد يرغبون برؤيته إلا أنهم جميعا عندما غادروا ابتكروا حكاياتٍ أخرى تكلمواعنها فيما بعد منها أنهم أنقذوا غريقا وجدوه في المستنقع، كان الوحيد من بينهم جميعا بقيَ صامتا حتى اختفاء آخر السائلين والمستريبين والطامحين وخَلا لهُ المكان مرةً أخرى، أطلقَ تنهيدةً ظلتْ حبيسةً طوال احتدام الجدل فوق رأسه، مد يده إلى جيب البنطال وراح يعبئ رئتيه بأبخرة السيكوتين التي تنفذ إلى الصدر باستنشاقٍ مستمر حتى سال لعابه من طرف فمه وثقل رأسه وصار كحجر وانفلتت مثانتهُ مبللةً الأرضَ من تحته، ثم أسلم خده الغائر إلى التراب مادّاً ساقه إلى المستنقع غامسا نصفَ قدمه الحافيةِ بسائله الأسود وغاب عن الوجود وقد ازدحم الدود الأسود في رأسه، رأى في داخل رأسه المُخدر أنه قد استحال إلى واحدةٍ منها، تعجب لاكتشافه ذلك ها هو يبدو ملتويا مثلها متحسسا الرطوبةَ واللزوجة تماما كما يتطلب ذلك وضعه الجديد، صرخ في داخله الملتوي: يالهُ من سيكوتين قوي، دودة...ها ها أنا دودة..، راح يتدحرج مُتقلباً بين دود كثير، دودٌ يتحرك صوب كل الإتجاهات، شعر بألفةٍ ووئامٍ نحو الدود، لم يفهم لمَ كان منصرفا قبل ذلك إلى ازدراء هذه المخلوقات، كان في غيبوبته ينظر إلى الدود ولا يجد اختلافا بينه وبين جموعه، شعر بالدبيب يقترب منه حتى لامسه، سمعه يهمس بوداعة: إحتفل...إحتفل، لا وقتَ للأسئلةِ ألا ترى إلى نفسك وأنت تضيع الوقت، رقص رقصة الدود وقهقه طويلا، غمرتهُ النشوة، فتح شدقيه على اتساعهما بانت أسنانه التالفةِ بفعل التبغ وكأنه يضحك دون صوت، أحس بقدمٍ تركله، فتح جفنيه ببطئ بينما رفعته الأذرع وألقت به في جوف بوكس الشرطة، أكمل غفوته وسيارة الشرطة تسير متمسكا بما تبقى لهُ من نشوة السيكوتين[1].

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى