حسن حنفي - نظرية الوجود

وبعد الإجابة عن سؤال: كيف أعلم؟ في نظرية العلم تأتي الإجابة عن سؤال ماذا أعلم؟ في نظرية الوجود. وتشمل النظرية ثلاثة مباحث رئيسية: الأمور الكلية، والأعراض، والجواهر. وقد تطورت النظرية من الأفكار الأولية حول الموجود والمعدوم، والماهية والوجود، والقدم والحدوث حتى شملت المباحث الفلسفية في الوجوب والإمكان، والوحدة الكثرة، والعلة والمعلول. وقد اتسع مبحثاً الأعراض والجواهر حتى أصبحا أكثر من نصف العلم كله، مما يدل على أهمية المعلوم على العلم وإمكانية التحويل "التيولوجيا" إلى "أنطولوجيا"، والأمور الكلية، وهو المبحث الأول، يشمل المبادئ الميتافيزيقية العامة للوجود. تبدأ بتقسيم المعلومات إلى موجود ومعدوم أو إلى موجود ومعدوم حال. فالحال هو توسط بين الوجود والعدم لأنه إنتقال وتغير. أما المعتزلة فقد قسموا المعلوم إلى ثابت ومنفي، والثابت إلى موجود ومعدوم، لأنهم أثبتوا المعدوم شيئاً فالمعدوم ليس بثابت. وقد اتفق الجمهور على نفي الحال باستثناء القاضي أبي بكر الباقلاني والجويني وأبي هاشم. أما الوجود فهو تصور بديهي بسيط مثل تصور الإنسان لوجوده. وهو أيضاً تصور مشترك عند الجمهور خلافاً للشيخ (الأشعري)، وذلك لأنه يطلق على الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ما يطلق على الإنسان العالم والله. فالإنسان موجود، والعالم موجود، والله موجود باشتراك الاسم. ويكون السؤال: أي الموجودات الثلاثة أحق باسم الوجود؟ الإنسان موجود لأنه يشعر بوجوده ثم يعزوا إلى العالم وجوداً بفعل تحركه ونشاطه فيه، ثم يثبت الله وجوداً عن طريق المماثلة والقياس. فالإنسان موجود بالحقيقة والله موجود بالمجاز. فالجمهور يعني الوجود الإنساني والطبيعي حيث يتمايز الوجود عن الماهية، والأشعري والفلاسفة يعنون الوجود الإلهي حيث يتحد فيه الوجود بالماهية، أما الماهية فهي حقيقة الشيء، وهي إما مجردة مطلقة أو مخلوطة. الأولى عقلية لها وجود في الذهن، والثانية حسية لها وجود في الخارج. وبالتالي يخطئ أفلاطون عندما يعزوا إلى المثل وجوداً واقعياً في الخارج. وهي مجرد مثل ذهنية خالصة. وتنقسم الماهية أيضاً إلى بسيطة ومركبة، والبسيطة ما لا أجزاء فيها، والمركبة إما أن تكون خارجية مركبة من أجزاء عقلية مثل المفارقات كالعقل والنفس، أو متخارجة أو متداخلة أو متباينة أو متخالفة، وتكون أيضاً إما وجودية أو إضافية أو ممتزجة البسائط غير مجعولة. أما المركبات فإن قامت بنفسها استقلت أجزاؤها، وإن قامت بغيرها قامت بها جميع أجزائها. وتتعين الماهية وبالتالي فهي لا تأبى الشركة، في حين أن الشخصي يأباها عند الحكماء، وأنكر المتكلمون ذلك، لأن الله ماهية لا تجوز الشركة فيه. ووجود الشخص زائد عليها عند الحكماء، وأنكر المتكلمون ذلك، لأن ماهية الله عين وجوده، وعند الحكماء أن الماهية إن اقتضت التشخص لذاتها، انحصر نوعها في شخصها.
ثم يحلل علماء أصول الدين الوجوب، والإمكان، والقدم، والحدوث كمفاهيم تساعد على بداية الحديث في الله وإثبات وجوده، باعتباره قديماً بمصطلحاتهم أو واجباً بمصطلحات الحكماء. وبما أنها أمور عقلية لا وجود لها في الخارج، وبالتالي فإنها لا تثبت وجود الله بالفعل كحقيقة موجودة في عالم الأعيان، وليس فقط كتصور في عالم الأذهان، فالممكن وما يحتاج في وجوده إلى سبب، هو الذي لا يكون أحد طرفيه أولى بذاته من الطرف الأخر، وهو ما لم يتعين صدوره، وما يحتاج إلى البقاء، أما الواجب فإنه على عكس منه، يوجد بذاته لا بغيره، بسيط غير مركب، ليس بزائد على الذات. والقديم ما لا يتأثر. وقد قال الحكماء بقدم العالم وأثبتوه إلى الصانع، في حين نفى المتكلمون القدم عن كل شيء سوى عن الله. أما الحادث فإنه ما يكون وجوده مسبوقاً بعدم، وما يحتاج في وجوده إلى غيره. فالواجب مثل القديم، والممكن مثل الحادث.
أما الوحدة والكثرة فإنهما أيضاً مفهومان عقليان يدلان على تفكير إلهي عقلي مجرد. فالواحد هو الله، والكثرة هي الموجودات المتعددة في العالم. ويفصل علماء أصول الدين في الواحد. فهو إما بالشخص فيكون وحدة أو ذا وضع أو مفارق أو متصل أو مجتمع، وإما واحد من وجه، وكثير من وجه، مثل الواحد بالنوع أو بالجنس والفعل أو بالعرض موضوعاً أو محمولاً. ويكون الواحد أيضاً إما طبيعياً أو وضعياً أو صناعياً، وإما غير تام. وقد يحصل الواحد بالاتحاد. فيكون الاتحاد حينئذ بالنوع كالمماثلة، أو بالجنس كالمجانسة، أو بالعرض. فإذا كان العرض مادة يكون مساواة، وإذا كان كيفاً يكون مشابهة، وإذا كان مضافاً يكون مناسبة، وإذا كان شكلاً يكون مشاكلة، وإذا كان وضعاً يكون موازاة، وإذا كان طرفاً يكون مطابقة. أما الكثرة فإنها تظهر في التغاير، والغيران إما أن يكونا مشتركين في الماهية فيكونان متماثلين أو مختلفين، أو مشتركين في الموضع فيكونان متلاقيين أو متساويين. وإن كان الغيران غير مشتركين فإنهما يكونان متباينين أو متقابلين، ضدين أو مضافين، حقيقين أو مشهورين. ودلالة ذلك كله أن علماء أصول الدين يريدون أن يفردوا الله بالواحد الحق المتميز عن الواحد الرياضي أو الطبيعي.
وآخر الأمور الكلية هما العلة والمعلول، فالعلية هي أحد البراهين على وجود الله. وبعد التقسيم الرباعي للعلة إلى فاعلة وغائية، وصورية ومادية، يتم إفراد علة لا تكون معلولة لعلة أخرى، لأن الشيء لا يكون قابلاً وفاعلاً معاً، مما يتيح إثبات وجود الله كعلة أولى، هذه الأمور الكلية في الحقيقة ليست مبادئ متيافيزيقيا خالصة، وليست تحليلاً محايداً للوجود، بل هي إلهيات عقلية أو عقليات إلهية تسمح فيما بعد بالحديث عن الله. وقد ساعدت المبادئ العقلية اليونانية، بما تحتوي من ثنائيات بين الصورة والمادة، العقل والحس... الخ على تسهيل إعداد مقدمات الفكر كي تكون ممهدة للإلهيات.
وبعد عرض هذه الأمور الكليّة، يبدأ مبحث الأعراض، وهو أطول البحوث في علم أصول الدين المتأخر في القرنين السابع والثامن. فالأعراض طبقاً للتصور القديم تسعة: الكم والكيف، والزمان والمكان، والوضع، والجهة، وأن يفعل، وأن ينفعل، والإضافة. وتنطبق عليها جميعاً أحكام واحدة مثل امتناع الانتقال عليها، وامتناع قيام العرض بالعرض، وامتناع بقاء الأعراض، وامتناع قيام العرض الواحد بمحلين. وهي كلها أحكام تدل على أن الأعراض لا تقوم بذاتها وتقوم بغيرها، لأن الله جوهر يقوم بذاته ولا يحتاج إلى غيره. فالحديث عن الأعراض حديث عن الله عن طريق السلب.
والكم والكيف أهم عرضين، وما دونهما أعراض نسبية. فالكم إما منفصل مثل العدد، أو متصل مثل الزمان، والمقدار، والخط، والسطح، والحجم. والزمان عند البعض جوهر، وعند البعض الآخر مرتبط بالفلك والحركة، لأنه مقدارها. والكميات كلها عدمية لأنه أعراض.
أما الكيف، وهو أهم الأعراض وأكثرها تحليلاً وتفصيلاً، فإنه يكون أربعة أنواع: محسوسات، أو نفسانيات، أو كميات، أو استعدادات. فإذا كانت المحسوسات راسخة تكون انفعاليات، وإن لم تكن راسخة فإنها تكون المحسوسات الخمس: الملموسات، والمبصرات والمسموعات، والمذوقات، والمشمومات. الملموسات حرارة وبرودة، رطوبة ويبوسة، خفة وثقل، صلابة ولين. والمبصرات ألوان وأضواء. والمسموعات مصمتة ومصوتة، كما هو الحال في الحروف. والمذوقات هي الطعومات، أي اجتماع الحرارة والبرودة والاعتدال مع الكثيف واللطيف والمعتدل وبالتالي تكون لدينا تسع طعومات: المرارة (الحرارة والكثيف)، والحراقة (الحرارة واللطيف)، والملوحة (الحرارة والمعتدل)، والعفوصة ( البرودة والكثيف)، والحموضة (البرودة واللطيف)، والقبض (البرودة والمعتدل)، والحلاوة (الاعتدال والكثيف)، والدسامة (الاعتدال واللطيف)، والتفاهة (الاعتدال والمعتدل)، والمشمومات طيبة أو نتنة. هذا التحليل التفصيلي للمحسوسات يتم في علم أصول الدين لتأصيل العقيدة الإسلامية على غير ما يرى البعض. فتحليل الطبيعة من خلال الحواس جزء من العقيدة الإسلامية. أما النفسانيات فإنها تشمل الحياة، والإدراك، والأفعال مثل القدرة والإرادة والملكة والحال، واللذة والألم، والصحة والمرض. وأهم عنصر في النفسانيات هو الإدراك. فالإدراك يكون ظاهراً، وهي المشاعر الخمسة، أو باطناً وهما التصور والتصديق. والتصديق يكون جازماً بغير موجب وهو التقليد، أو جازماً بموجب. فإن قبل النقيض فهو الاعتقاد، وإن لم يقبل فهو العلم. ويكون التصديق غير جازم. فإذا تساوى الطرفان فهو الشك وإن رجح طرف فهو الظن، ويكون المرجوح هو الوهم. أما الكميات فإنها تكون إما عارضة متصلات أو منفصلات أو مركبة. أما الاستعدادات فإنها تتفاوت فيما بينها قوة وضعفاً. والقوة تكون إما خارجية فهي القسرية، أو شعورية وهي الإرادية أو طبيعية، كما تكون القوة أيضاً سريعة وبطيئة.
أما باقي الأعراض النسبية مثل الأين من حيث التخلخل أو التكاتف، والوضع من حيث الحركة الدورية أو حركة الأفلاك، والإضافة وأنواعها إلى آخر الأعراض التسعة، فإنها أقل أهمية في التحليل. ويغيب الفعل والانفعال نظراً لوجود العلة والمعلول في المبادئ الكلية العامة. ويتضح من هذا التحليل للأعراض أنه يميل إلى الذاتية وإلى نظرية العلم، وكأن المعلوم لا وجود له إلا من خلال العلم.
أما الجواهر، وهي المبحث الأخير في نظرية الوجود، فإنه يشمل مباحث الأجسام المادية أولاً، ثم المفارقات ثانياً. تنقسم الأجسام المادية عند المتكلمين إلى ما يقبل القسمة مثل الجسم، وما لا يقبل القسمة مثل الجوهر الفرد. أما عند الحكماء فإن الجوهر ينقسم إلى هيولى وهو المحل، وصورة وهو الحال، والجسم وهو المركب منهما، والمفارق وهو غير مركب مثل النفس والعقل. يثبت المتكلمون الأجسام المركبة المنقسمة، بينما يثبت الحكماء الأجسام المتصلة، فالصورة لا تنفك عن الهيولى. يثبت المتكلمون الجوهر الفرد وينفيه الحكماء، فالجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ، يساعد المتكلمين على إثبات وجود الله، لأنه في حاجة إلى سبب وجود وهو الله. أما الأجسام البسيطة فهي كرويّة الشكل كالممكنات والعناصر. والممكنات هي الأفلاك والكواكب التسعة بالإضافة إلى فلك الأرض المركب، وهي أجسام شفافة، لا خفيفة ولا ثقيلة، لا حارة ولا باردة، متحركة حادثة على عكس ما يقوله ارسطو بقدمها.
أما المفارقات فهي إما مؤثرة وهي العقول والملأ الأعلى، وإما مدبرة علوية أو سفلية، والسفلية مدبرة للبسائط أو للأشخاص، وإما لا مؤثرة ولا مدبرة مثل الملائكة والشياطين. وقد أثبت الحكماء العقول العشرة ووصفوها بأنها ليست حادثة ولا فاسدة، واعتبروا أن للأفلاك نفوساً، في حين أنكر المتكلمون وأوائل المعتزلة الجواهر المجردة. وقد فصل الحكماء في النفس، فهي إما مدركة أو محركة. وتكون المدركة ظاهرة في المشاعر الخمسة، أو باطنة في مشاعر خمسة أخرى: المتعرفة، والحافظة، والوهم، والخيال، والحس المشترك. وتكون المحركة اختيارية بالقوى الثلاث الشهوية والغضبية والعاقلة، وتكون الطبيعية بالشخص غاذية ونامية، أو بالنوع مولدة ومصورة. والنفس تفعل في البدن. فهي جاذبة وهاضمة وماسكة وواقعة. والهاضمة تظهر في المضغ والمعدة والكبد والأعضاء أما النفس العاقلة فهي إما هيولى قبل التعلم، أو بالملكة بمجرد الاستعداد، أو بالفعل بعد التعلم، أو مستفادة بعد التحقق من العلم. والنفوس الناطقة متجردة أي متميزة عن البدن، حادثة. بالرغم من تعلقها بالبدن، إلا أنها باقية.
يتضح من نظرية الوجود ارتباطها بالثقافات القديمة ومستوى فكر العصر، وغزو الكلام بالفلسفة، وتقابل آراء المتكلمين وآراء الحكماء. ولو استمر علم أصول الدين في تطوره ولم يتوقف، ثم يتحول إلى عقائد، لابتلعت نظرية العلم ونظرية الوجود الإلهيات والسمعيات، وتحولت الثيولوجيا إلى ميتافيزيقيا وأنطولوجيا.


----------------------------------
المصدر : موسوعة الحضارة العربية الإسلامية / العقل والنقل ج2


حسن حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى