طه حسين - محاضرة حول الشاعر الفرنسي بول فاليري

أيها السادة
كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.




***
بول فاليري
* طه حسين
كوكب الشرق ١٥ ديسمبر ١٩٣٣
النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.



طه.gif
أعلى