د. عبدالقادر وساط - رائحة السجائر

قال الهاشمي، بائع الثياب القديمة، لزوجته زهرة:
-سأخرج لشراء علبة شاي وأعود.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا.
حاولت الزوجة أن تثنيه عن ذلك، قالت له إن مصابيح الشارع مطفأة والدنيا ظلام، واللصوص يتربصون بالناس في كل مكان، والمطر قد يشتد في أية لحظة، والأزقة مليئة بالحُفَر، لكن الزوج كان مُصرًّا على الخروج، لأنه لا يستطيع الاستغناء عن الشاي.
وعندما خرج وأغلق الباب خلفه، انقبض صدر زهرة.
تذكرَتْ ما يحكيه الناس عن الحاج أحمد-والد الهاشمي-الذي خرج هو أيضا في ليلة ممطرة، ولم يعد إلى بيته قط. حدث ذلك قبل عشرين سنة. بحثَت عنه العائلة وبحثت عنه الشرطة في كل مكان، لكن دون جدوى. اختفى كأن الأرض ابتلعته، وبقيت زوجته-أم الهاشمي-تردد بحسرة:"لو كان له قبر نزوره كنّا صَبَرْنا على المصاب!" أما الهاشمي فلم يتحدث يوما مع زهرة في ذلك الموضوع، رغم مرور عشر سنوات على زواجهما. كان إذا ذُكِرَ والدُه عرَضاً، خلال الحديث، يكتفي بالترحم عليه، ثم يربدُّ وجهُه قليلا، لكنه لا يشير إطلاقا إلى حكاية الاختفاء.
كل معلومات زهرة عن ذلك الاختفاء الغريب كانت مستمدة من الآخرين ومن نساء عائلتها هي، على الخصوص.
بعد خروج الهاشمي لشراء علبة الشاي، مضت الزوجة لتطمئنَّ على الطفلين النائمين في فراشهما، وأحكمت عليهما الأغطية، ثم توجهت إلى المطبخ وفتحت النافذة المطلة على الشارع، لكنها لم تستطع رؤية شيء بسبب الظلام. وقفَت طويلا هناك، ترهف السمع لعلها تسمع خطى زوجها العائد، فلم تسمع شيئا. استبدت بها حيرة شديدة حين تذكرَت ما قالته لها خالتها الحاجّة قبل شهور:
-ليس والد الهاشمي وحده الذي اختفى بهذه الكيفية، فالناس يحكون أن جدَّه لأبيه قد غادر البيت هو أيضا في عز الليل ولم يره أحد بعد ذلك.
والحق أن تلك الخالة لم تكن تبخل عليها بالتفاصيل. فقد حكت لها، مثلا، كيف أصبح والدُ الهاشمي غريبَ الأطوار قبل أن يختفي. قالت إنه صار يصحو من النوم قبل الآخرين ويخفي جميع السكاكين الموجودة في البيت، حتى لا يطعنه بها أحد. وكان أيضا يخفي المرايا، دون سبب واضح. وحتى الجد الأكبر، حسب ما ترويه الخالة، تغيرت أحواله كثيرا قبل أن يغادر بيته ويختفي نهائيا، ذات ليلة ممطرة.
كانت زهرة لا تزال تطل من النافذة وهي تفكر في كلام الخالة العجوز. وعندئذ، خطرت ببالها فكرة مزعجة حقا. ذلك أن الهاشمي أصبح هو أيضا غريب الأطوار، خلال الأشهر الماضية. لقد صار يشم، مثلا، رائحة السجائر في كل مكان. وحتى حين يكون في البيت، حيث لا أحد يدخن، تزعجه رائحة السجائر الكريهة، المنبعثة من مكان مجهول، بل إنها تمنعه حتى من التنفس في بعض الأحيان. وكثيرا ماغادرَ السريرَ، في عز الليل، وشرع يبحث عن مصدر رائحة السجائر، في المطبخ وفي كل مكان، غير عابئ بزوجته التي تؤكد له أنه لا توجد رائحة سجائر في البيت. بعد ذلك بأسابيع، تمَلَّكه نوع غريب من الخوف. صار يقول لزوجته كلما أرادت الخروج: إياك أن تمري أمام شرطي في الشارع! من يدري؟ قد يُخرج مسدسَه بشكل مباغت ويطلق عليك النار!
نعم، لقد صار الهاشمي غريب الأطوار، إلى حد ما، في الفترة الأخيرة، لكن زهرة لم تأخذ تلك الغرابة مأخذ الجد. خصوصا أن سلوكه اليومي كان طبيعيا بشكل عام، وأنه كان يعمل طول اليوم لكسب قوت الأسرة، كما أنه كان شديد الحنو على طفليه.
وها هي الساعة الآن قد تجاوزت الثالثة صباحا، والهاشمي لم يَعُدْ بعد، فهل كانت غرابة الأطوار تلك نذيرا بقرب الاختفاء؟ في تلك اللحظة بالذات، سمعت زهرة خطى في سلالم البناية. أرهفت السمع. تحول جسدها كله إلى أذن شديدة الضخامة، وانتظرَتْ أن تسمع طرقا على الباب، لكن الخطى واصلت الصعود إلى أعلى. وعندئذ، توجهت زهرة وهي شبه منهارة إلى الغرفة التي ينام فيها الطفلان، وألقت عليهما نظرة حزينة، ثم مضت إلى غرفة النوم، وشرعت تنظر إلى الصورتين المعلقتين على الجدار : صورة الهاشمي وصورة والده الحاج أحمد. كانت كلتا الصورتين بالأبيض والأسود، وقد تآكلَ إطاراهما واختفى لونهما الذهبي القديم.




هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط (أبو سلمى)
المشاهدات
62
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى