أمل الكردفاني- وصية لمن يستحق-مسرحية من منظر واحد

المنظر:
شارع واسع، لا توجد حوله بنايات، فقط كشك صغير، يقف على نافذته صاحبه وهو في نهاية الأربعين..وخارج الكشك على الجانب الأيسر منه امرأة تشرب زجاجة مياه غازية.


صاحب الكشك: إن عيالك -لو كان لك عيال- هم أيضاً لا يستحقون..(صمت) البارحة جئت بورقة وقلم لأكتب وصيتي، وبالتالي فكرت في توزيع ممتلكاتي، الكشك لكذا، الهاتف المحمول، علب السجائر، ومركوبي الجلدي، وثلاثة عشر ألف جنيه وأشياء أخرى أخف. لقد قمت بعمل جدول، ووضعت كل نوع في سطر لوحده، وحاولت توزيع ثروتي هذي، لكنني فوجئت بأنه لا أحد يستحقها.. أليس هذا مدهشاً. لا أحد يستحق أن يرث مني قشة كبريت..لقد عشت مع نفسي طوال حياتي، لم أجد من أحدٍ فائدة تذكر..كائنات تافهة ووضيعة في نفس الوقت، ولا حتى الفقراء يستحقون شيئاً من تركتي..نعم فهم كائنات جحودة خؤونة..لا يطمر فيها لا عيش ولا ملح..وبالرغم من أن الكلاب هي الأكثر استحقاقاً للميراث، لكن الكلاب لا تعرف معنى الهاتف الجوال، ولا تدخن السجائر، وحتى لو منحتها كومة ذهب فستفتش داخلها عن جيفة وتترك الذهب..وغالبا لو ورَّثت ثروتي لكلبي الوحيد فسيخدعه البشر بعظمة ويأخذون الثروة..وتتعمق المشكلة، لأنني لا أعرف متى سأموت لأستعد فأدمر ممتلكاتي قبل أن الفظ أنفاسي الأخيرة. بل وتتعقد المشكلة أكثر لو دمرت أموالي ثم لم أمت وكان الموت مجرد إحتضار كاذب.. فحينها من أين سأجد ثمن الطعام والشراب والسكن..لا أعرف ولكن يبدو أن الأثرياء يعانون معاناة شديدة وهم يعلمون أن جهد سنوات عمرهم سيذهب للآخرين بلا بذل أي مجهود من قبلهم، بل ولا حتى بذل عاطفة زائفة، من أشخاص لا تربطهم بهم أي علاقة عميقة عمقاً كافياً للموالاة. لذلك قررت أن أنتحر، نعم، سأدمر كل ممتلكاتي، ثم أشنق نفسي، لا، بل سأطلق عليها الرصاص، ليكون موتاً مؤكداً بلا أي احتمالات للنجاة. أخلع ملابسي وأقف عارياً فوق قمة الجبل ثم أطلق رصاصة على جمجمتي فيختفي العالم،..وهكذا أكون قد خرجت من الدنيا كما دخلت إليها. صفراً كبيراً أو لا شئ ولا حتى صفر.
(تجرع السيدة زجاجة المياه الغازية بصوت مسموع ثم تتجشأ)
المرأة: هناك تفاهة ما مختبأةٌ داخل حياتنا، لكن هذا لا يستدعي الإنتحار، فلنفترض أن أحد أقاربك ورث علبة السجائر، فما الفرق الذي ستحدثه له في حياته..؟ لا شيء..
صاحب الكشك: فرق كبير، عندما يحمل علبة السجائر المجانية، سيفرح، سيفرح وهو لم يحزن على موت صاحب العلبة، أليس فرحه هذا طعناً في نباهتي، عندما أمنحه بموتي ما يسعده.. لست إلى هذه الدرجة من البلاهة لأكون مثالياً..إن المثالية تفاهة الضعفاء حقاً...لكن فلنفترض أنك -وانت امرأة جميلة بلا أدنى شك- وافقت على النوم معي، ثم أثناء ذلك توقف قلبي من شدة الحب، وحصلتِ أنتِ على ممتلكاتي، ألن يكون هذا مكافئاَ لمنحك لي لحظة من السعادة.. منحتني لها في حياتك وسامنحك لها بعد موتي..وهكذا تستحقين بالفعل أن تكوني وريثتي؟
المرأة: (تنظر للبعيد) أنام معك؟ كأرملة لا أمانع من حيث المبدأ، ولكنني لا أجد علب سجائرك كافية كمقابل لذلك..
صاحب الكشك: ألن تشعري بالسعادة عندما تحصلي على قرابة مائة وعشرين علبة سجائر مجانية، وهاتف محمول، عليه رصيد بقرابة ألف جنيه، وكرتونة شيكولاتة وأشياء أخرى؟
المرأة: بالتاكيد سأشعر بالسعادة.
صاحب الكشك: والسعادة يا سيدتي هي السعادة..سعادتي بجسدك كسعادتك بثروتي، إنها لحظة صغيرة إيجابية في محيط من الإنكسارات.. لذلك فسعادتانا متماثلتان..
المرأة: ها.. حسنٌ..إذاً فلنعقد الصفقة.. سأمنحك جسدي بالفعل ولكن مقابل عقد مكتوب بيننا بأن تنتحر فور نهاية الأمر وأن تترك لي كل ممتلكاتك..
صاحب الطبلية: (يمد يده) موافق..
المرأة: (تخرج منديلاً وتغطي به يدها، وتصافحه)..
صاحب الطبلية: ما قصة هذا المنديل؟
المرأة: إنني أقرف من مصافحة الرجال.
صاحب الطبلية: ولكنك ستنامين معي؟
المرأة: هذا شيء وذاك شيء آخر.. فهناك طقوس تطهرية تسبق العلاقات الحميمة..أليس كذلك؟
صاحب الكشك: طقوس تطهرية؟!!! لا بأس، رغم أنني لا أعرف شيئاً عن هذه الطقوس..لكن لا بأس..
المرأة: ستعرف..إن كل علاقة جديدة تكسبك ربحاً ما..
صاحب الكشك: لا أعرف..ولكنني أخسر..إنني أخسر دائماً..
هكذا.. لاحظت أنني أخسر.. أخسر باستمرار..وأنني يجب أن أحدد موقفي برؤية واقعية تضع كل مجموعة من المعطيات في قوالبها الحقيقية.. لقد فعلت وحينها عرفت أنني لن أستطيع أن أتغير، وتأكدت بأنني سأستمر في الخسارة، وهكذا قبلت أن أترك كل شيء وبآخر ما أملك أنشأت هذا الكشك الصغير.. إن هذا الكشك هو قصيدة الموت الأخيرة بالنسبة لي..
المرأة: ربما تقودك الخسارة إلى الفوز؟
صاحب الكشك: هكذا ظللت أحاول إقناع نفسي..لكنني شاهدت الخاسرين من أمثالي يُدفنون ويُهال عليهم التراب دون أن يحدث ذلك..إن قانون الحياة لا يسمح بالأوهام ولكننا نصر عليها..
المرأة: أيها اليائس..لا تطلق طاقتك السلبية على مزاجي المغتبط هذا الصباح..
صاحب الكشك: لك كل الحق..إن هذه الطاقة تزحف تحت جلدي كدم أسود..
المرأة: إنني لست شغوفة بالجنس.. ولكنني أحاول أن أنجز شيئاً ما في حياتي الخاوية..لقد توفى زوجي وترك لي طفلة في السابعة، ثم قضت نحبها بدورها بعد حُمى غير مفهومة للأطباء.. لذلك أزلت صورتيهما من الجدران وصورة زفافنا، وأحرقت كل مقتنياتهما لأبدأ من جديد..لكنني فشلت..لقد كانت علاقة كابوسية دمرتني تماماً..ربما لو لم ألتقِ به أبداً لكنت الآن متزوجة منك وأعيش بسعادة.. أنام معك ليلاً وأبيع في الكشك نهاراً ولدينا كومة من الزرازير الصغار.
صاحب الكشك: أعرف أنك لن تستطيعي فعل ذلك الآن..أليس كذلك؟
المرأة: لا...لقد جثم الخوف داخلي بما يكفي..(تسلمه الزجاجة) لا زلتَ تبيع المياه الغازية في القوارير الزجاجية؟
صاحب الكشك: أرخص من البلاستيك بما يناسب الفقراء..إلى حد ما.. فثمن هذه الزجاجة يكفل لأسرة فقيرة عشر أرغفة طازجة من فرنها..لكنهم كالطبقة المتوسطة، يتحلون كل أسبوع بزجاجة أو زجاجتين كسراً لروتين الفقر..
المرأة: لقد ترك لي المرحوم ثروة طائلة تتزايد كل سنة..ولكنني لا أعرف بأي شيء ستفيدني وأنا مهشمة هكذا..لستٌ محتاجة لها..هل تأخذها؟
صاحب الكشك: لو كان هذا العرض قبل عشرين عاماً لقبلت على الفور..أما اليوم فقد تغير كل شيء..
المرأة: هل تريد فعلاً النوم معي؟
صاحب الكشك: لا..
المرأة: حسنٌ..ولا اناْ..ولكن..ماذا سنفعل لتمضية السنوات القادمة؟ تبدو الرتابة مرهقة...
صاحب الكشك: لا أعرف حقيقة..لكننا نستطيع أن نرتكب جريمة..جريمة قتل مثلاً..
المرأة: (تضحك) مجنون..
صاحب الكشك: لا أعرف.. لكن.. هل ترين تلك الطفلة البريئة التي تلعب مع القطة في آخر الزقاق؟
المرأة: (تنظر).. لقد أصابني السكر بضعف الرؤية..لكنني أرى لحماً أصفراً يتحرك وقطعة قطن تتقافز..
صاحب الكشك: ماذا لو ذبحناها؟
المرأة: (بخوف) هل إنت جاد فيما تقول؟
صاحب الكشك: لو قتلتٍها فستنتقمين لموت ابنتك..إن الأشقياء إما أن يعيشوا تعساء أو يتحولوا لمجرمين..للجريمة إحساس كابوسي بالإمتلاء..إمتلاء بالسخط..بالحقد والكره.. بالثورة .. بالكفر..بالإنتقام من النظام المتعالي برمته..هل جربتِ ارتكاب جريمة من قبل؟
المرأة: (تنظر إليه بخوف) لا..
صاحب الكشك: إستدرجيها إذاً..
المرأة: (بجزع) لا.. لا.. لا أستطيع...
صاحب الكشك: إهزمي خوفك الذي جعلك مليونيرة تافهة لا تستطيع حتى ممارسة الحب مع تافه مثلي..
المرأة: (تهز رأسها) أنت مجنون.. لا.. لا..
صاحب الكشك: خاطري.. إكتشفي متعة تنامي القوة داخلك..هيا.. هيا...
المرأة: (تبتلع ريقها وتلتفت تجاه الزقاق الذي لا يظهر في المشهد، ثم تتجه بتردد نحوه وتخرج من المسرح، ثم تعود وهي تقود طفلة صغيرة تحمل دمية عروس على يدها، تتحدث إلى الطفلة وهي تنظر إلى صاحب الكشك بذعر) أي نوع من الشيكولاتات تحبين يا زهرتي؟
(تشير الطفلة إلى إحدى علب السجائر، فيشير صاحب الكشك إلى الباب الخلفي للكشك، تدور المرأة بالطفلة إلى الباب الخلفي ويدخلان الكشك..يُشاهد صاحب الكشك وهو يخنق الطفلة من نافذة الكشك دون أن يظهر جسد الطفلة...والمرأة تراقبه بفزع، وبعد دقائق، تتراخى يد صاحب الكشك، فتدور المرأة إلى الخلف بسرعة وتتقيأ..)..
صاحب الكشك: سندفنها الآن..
المرأة: أين؟
صاحب الكشك: هنا تحت أرض الكشك مباشرة...
المرأة: (تبكي) يا ألهي..ماذا فعلنا؟
صاحب الكشك: (يكفهر وجهه ويبكي) لقد أنجزنا شيئا ما سيلازمنا طيلة حياتنا.. ولو انكشف.. لو انكشف فسنُعلق في حبل المشنقة...
المرأة: كيف سأمر فوق قبرها..كيف سأنظر إلى هذا الكشك وأنا أعرف أنها قُتلت بلا ذنب وأن جثتها تحته..
صاحب الكشك: لا أحد مذنب فينا.. نحن ننفذ قانون الأرض فقط..ولو تم شنقنا فسنموت ونحن راضيين عن موتنا..هكذا لن يكون موتنا مجانياً...أليس كذلك..هل كان موت زوجك مجانياً؟ ها؟ أجيبيني؟
المرأة: (تغمغم اثناء بكائها) نعم..
صاحب الكشك: هل كان موت ابنتك مجانياً؟ ها؟ أجيبي؟ (يهزها من كتفيها بعنف)..
المرأة: (أثناء بكائها ورأسها مرمي إلى الخلف) نعم نعم...
صاحب الكشك: هل سيكون موتك أو موتي مجانياً لو شنقنا؟ ها؟ أجيبي .. أجيبي عليك اللعنة؟ (يهزها بعنف وهي تزداد بكاءً)
المرأة: لا لا لا..
صاحب الكشك: إذهبي لمنزلك..سأغلق الكشك بعد دفن الفتاة..
(ظلام)..
(يضيء المسرح عن الكشك وقد توسع قليلاً بحيث شمل حديقة عليها طاولات ومقاعد على اليسار وهناك بعض العشاق يجلسون ويتناولون المياة الغازية والكعك، كما أن هناك كهلاً يبدو مثقفاً يطالع الصحيفة ويقلب صفحاتها، وكلما قلب صفحاتها لوى شفتيه ونظر إلى المانشتات من فوق عدسات نظارته. داخل الكشك، المرأة وصاحب الكشك يعدان وجبات سريعة، وهما يرتديان مريلة العمل.
صاحب الكشك: لم تتحدثي منذ أن بدأنا العمل هذا الصباح؟
المرأة: (تقطع الخبز بالسكين) لست في مزاج يسمح بالكلام..
صاحب الكشك: (يحمل صينية عليها كوبي شاي والكوبان من الورق المقوى وتنزل من بوقيهما خيوط كيس الشاي، ثم يخرج ليضع الشاي أمام طالبين مراهقين، قبل أن يعود ويقطع الخبز)
المرأة: أشعر بخواء..
صاحب الكشك: أفضل من الشعور بالخوف قبل أربع سنوات من الآن..
المرأة: أفضل بكثير..ولكن..ولكنني أحتاج لتكرار تلك التجربة..
صاحب الكشك: تكفينا تجربة واحدة..إنني لا أكاد أنام بسببها (يبكي)..
المرأة: (تلتفت إليه بغضب) لا.. بل أحتاج لتجربة أخرى وسأنفذها بنفسي هذه المرة..
صاحب الكشك: (مستسلماً) حسنٌ.. سيغادر العشاق والمراهقَيْن ويبقى هذا الكهل كالمعتاد... سنجهز عليه...
(يضع العشاق والمراهقَين النقود على الطاولات في وقت واحد ويغادروا المكان ليبقى الكهل وحده)
المرأة: (تمد رأسها من نافذة الكشك) يا سيدي..أرجوك ساعدني..لقد أغمى على زوجي..أرجوك بسرعة..
الكهل: (يقفز من مقعده ويتجه داخلاً إلى الكشك، ثم ينحني فاحصاً الرجل الذي لا يظهر جسده من النافذة) ماذا حدث له .. هل هو مصاب بمرض السكر..
المرأة: (تقف خلف الكهل، وترفع سكينتها وتبدأ بتسديد طعنات قاتلة على ظهره وهي تئن عند كل طعنة.. وبعد لحظة تتكئ على نافذة الكشك وهي تلهث.. فينهض صاحب الكشك وقد تطايرت بقع الدم في وجهه وملابسه)
صاحب الكشك: كانت جريمتنا الأولى نظيفة..ستقودنا هذه حتماً إلى حبل المشنقة..
المرأة: علينا أن نحرك الكشك إلى الأمام قليلاً لكي نتمكن من دفنه قرب رفاة الفتاة..
صاحب الكشك: يا إلهي.. لقد أصبحتِ قاسية جداً..
المرأة: لم أعد أتحمل ضعفك..لقد أصبحت عبئاً ثقيلاً فوق ظهري..
صاحب الكشك: لن نستطيع الافتراق..لقد أصبح مصيرنا واحداً..سأجر الجثة (إنحنى لحمل جثة الكهل، فوقفت المرأة خلف ظهره ثم سددت له طعنات سريعة متتابعة..بعدها أخرجت ذراعيها من نافذة الكشك وهي تلهث وتبتسم بتلذذ)..
المرأة: تافه.. ضعيف..سأحرق الكشك وأغادر إلى دولة أخرى.. هناك.. هناك سأشتري منزلاً صغيراً به حديقة خضراء مزينة بالأزهار الملونة.. وسأتبنى كلباً من النوع غالي الثمن وسأجلب له مدرباً محترفاً.. ولكن فليكن المنزل داخل مزرعة في الريف.. مزرعة من آلاف الهكتارات... مع إصطبل للخيول وحظائر للأبقار والخراف والدجاج.. سأشتري خادمة.. خادمة مثلية لنستمتع معاً.. خادمة مازوخية.. أعذبها أثناء الحب.. سأكتب إعلانا بذلك في الأنترنت..وسأجد الخادمة المثالية..العبدة المثالية.. وفي هذه المزرعة سأحفر نفقاً.. نفقاً طويلاً طويلاً لأضع فيه جثث الأطفال الذين سأذبحهم..الأطفال والرجال والنساء...لن أتحمل الحياة بلا رائحة الدم...(تدور بلسانها على شفتيها كمصاصة دماء) كم هو لذيذ ذلك الدم النافر من الرقاب الناعمة.. كم هو عذب..(تخرج أثناء حديثها من الكشك، وبعد مترين، يُشاهد صاحب الكشك وهو يزحف بصعوبة والدماء تسيل من ظهره، ثم يليه الكهل، والطفلة..يزحفون تجاه المرأة التي لا تراهم.. ثم ينقض صاحب الكشك على المرأة فيطعنها في ظهرها بالسكين فتصرخ وتسقط على الأرض، ثم يطعنها الكهل وهما كلاهما على الأرض، ثم تطعن الطفلة الرجل، ثم يبقون على الأرض جاثمين)...
(ينهض الأربعة بصعوبة، ويبدأون في الرقص بدون موسيقى وهم يضحكون ضحكات هستيرية)..
(يظلم المسرح)
(ستار)

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
51
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى