مقتطف إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت] -32- (عَنْ الفضيلة الواهبة/ الجزء الثالث) تتمة

[32]
(عَنْ الفضيلة الواهبة/ الجزء الثالث)
تتمّة

# الخطاب الثالث
============
إنّ الدافع الرئيسي لحجّة زرادشت هنا هو أنّ نزوله من الجبل ليكون بين رفاقه ومريديه من البشر هو أيضاً "هبوط" بمعنى التكرار بعد إنجاز مهمّته. ففي تقدّم الحياة يمرّ كل شيء، حتى تلك العناصر الأكثر قوّةً وصحّة والأكثر مساهمةً. يجب أن يكون العَطاء في النهاية تدميراً. وذلك في تناقض صارخ مع يسوع الذي يريد أن يظلّ تلاميذه مخلصين منه، يطالب زرادشت بإيجاب ومحبّة أن يتنكّر تلاميذه له، كما قال بالفعل في القسم السادس لايمكن أن يكون عكّازاً لهم يتّكئون عليه.

يجب عليهم التحقّق ممّا علّمهم إيّاه وإعادة تقييم تعاليمه "فَلَعَلَّه قد خَدَعَهُم". يجب أن يُدرِكوا عملياً (من خلال "التجريب") ما تعلّموه منه ("عليهم أن يَجِدوا أنفسهم"_ وذلك ليس مناشدة للفَردانية بل للتمعّن والتفكير نحو الداخل _أي إعادة تشكيل وصياغة مجموعة دوافع المرء وغرائزه من أجل موائمتها مع الحياة التي يحياها المرء).

أخيراً، يجب عليهم أن يتخلّصوا من تقديسهم له: ((إنّكم تجلّوني، لكن ما الذي سيحدث لو أنّ إجلالكم هذا تَداعى ذات يوم؟ احتَرِسوا من أن يقتُلَكُم صَنَمٌ ماَ! تقولون إنّكم تؤمنون بزرادشت! لكن ما أهمية زرادشت؟ وتقولون أنّكم تؤمنون بي؟ ولكن ما أهمية كل المؤمنين!)). ((حقاً أنصَحُكُم: انصرفوا عني واحترسوا من زرادشت! بل وأكثر من ذلك عليكم أن تشعروا بالخجل بسببه، فلعلّه قد خَدَعَكُم)). وبعد ذلك علهم أن يتجاوزوه ويتجاوزوا أنفسهم ثمّ يتّجهون إلى مرتية الإنسان الأعلى. لنقرأ ما كَتَبَ نيتشه في الشذرة 303 في كمابه "العلم المرح" : ((كائنان سعيدان: في الواقع، إنّ هذا الرجل، رغم شبابه، يتّقن ارتجال الحياة ويُفاجِئ حتى المُراقب المُحَنّك: يبدو في الواقع لايتعثّر، مع أنّه لايكفّ عن لَعِبِ الجُزء الأكثر مُخاطَرَةً. نتذكّر هؤلاء المعلّمين، مُرتَجِلِي فَنّ الأصوات، الذين يعتقدون أنّ المُستَمِعَ نفسه أنّه يجب أن يُضفي عليهم عِصمَة إلهية في اليد، مع أنّهم يلمسون الأوتار خَطَأً هنا وهناك، مثلما يحدث لأيّ إنسان. لكنّهم مُمَرّنون ومُبدِعون بحيث تجدهُم مستعدّين، في كل لحظة، لأن يدمجوا النغمة التي يقودهم إليها، اعتباطاً، مَزَاجُهُم أو نَزوة إصبَعِهِم في التركيبة المضموناتية مباشرةً، وهكذا يبعثون روحاً ودَلالَةً جميلة في الصدفة. إنّنا هنا أمام رجلٍ آخر تماماً، إنّه يَفشَل جُملَةً في كل ما يباشره ومايعتزم فعله. فَمَا كان محبوباً لديه، عند الحاجة، قد قاده من قبل قاب قوسين أو أدنى من الهَلاك: ولِئَن نجا منه فإنّه لم يخرج منه بـــ"عَينٍ مَكدومةٍ" فقط. فَهَل تظنّونه تَعِساً لهذا؟ لقد قَرّرَ منذ مُدّةٍ طويلة أن لايولي اهتماماً كبيراً لرَغباته أو مشاريعه الخاصة. "إن لَمْ أُوَفَّق في الحاجة الفُلانية، يقول لنفسه، فَلَرُبّما سأُوَفَّقُ في الحاجة الأخرى: وعلى العموم، لا أستطيع أن أقول إن لَمْ أكُنْ مَديناً لخَيباتي أكثر منه لأي نجاح. فَهَل خُلِقتُ لكي أكون عنيداً وأحمُلَ قرني ثورٍ؟ إنّ مايشَكّلُ قيمةَ وفائدةَ الحياة، في رأيي، يمكنُ في وضعٍ آخر، أَنَفَتي مثل بؤسي، يَكمُنانِ في موضعٍ آخر. إنّي أعرِفُ الحياة أكثر لكوني كثيراً ما كُنتُ على وَشَكِ فَقدِها، ولهذا السبب بالذات أعطَتني الحياة أكثَرَ مِمّا أعطَت أيّاً منكُم!)). هنا كل النصائح السليمة والصحّيّة التي يجب أن تُشَكّلَ جزءاً من أيِّ علم أصول تدريس مستَنير. فقط عندما "يُنكَروه"... سيَعود إليهم.

يقول نيتشه في كتابه "العلم المرح"، شذرة 286: ((هاتِهِ أماني [أي لأشكال جديدة من الإنسانية:... إني لا أملُكُ سوى أن أذكّرَكُم _لاغير! أتَنتَظِرونَ مِنّي أن أبعَثَ الحَياة في الأحجار وأجعَلَ من الحيوانات أُناساً؟ آهٍ، لَمْ تكونوا غير أحجارٍ وحوانات)). بعبارةٍ أخرى، ما لَمْ يَكُن القارئ قد اختبر بالفعل بعض التوق ورأى نفسه والإنسان في ضوءٍ معيّن، ما لَمْ يَكُن هذا قادراً على التحوّل، فَلَن يَحدُثَ أيُّ فَرقٍ فيما يقوله نيتشه أو يَفعَلَهُ.

هنا في كتاب زرادشت، ما يفعله التلاميذ الآن هو اختبار ذلك. وبذلك ينتهي الكتاب الأوّل بمنظر الظهيرة العُظمى باعتبارها نقطة التحوّل التاريخية العالمية للإنسانية بين مرحلة الحَيوان والإنسان، أي بين المَرحَلَة الوحشية/البربرية، ومَرحَلَة الإنسان الأعلى. الظهيرة أو منتصف النهار هي لحظة تحوّل، نقطة محورية، مُنعَطَف، وذلك لأنّ الشمس تكون قد استقرّت في سَمت السماء، أي في أعلى مستوياتها، وبذلك تكون "الظلال" أقرَب وأقصَر.

"الظلال" هنا لها معنيان، وكلاهما يجب التغلّب عليه وتجاوُزَه (الأقصَر)، كما أنّها تعني صورة المِثال (الأقرَب). في ساعة الظهيرة العُظمى، عندما يُدرِكُ المَرء أنّ جميع الآلهة قد ماتَت (أقصَر الظلال) _ويُدرِك ذلك، ليس فكرياً فقط، بل بكلّ ما له من آثار على مستوى الجسد_ يُمكِن أن تبدأ حقبة الإنسان الأعلى.

إبراهيم قيس جركس 2020

هذا النص

ملف
إبراهيم قيس جركس
المشاهدات
49
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى