عائد خصباك - حياتي 100% زائد واحد ".. " المزمار السحري "

" المزمار السحري "

دقّت ساعة البلدية تسع دقات ، بينما كنت أتناقش مع حامد الهيتي في موضوع "النفاق " و قد صار خصلة عند الكثير من الناس، كلام برّاق مناف للحقيقة، كله ثناء كاذب و إشادة ما جاءت لوجه الله بل ، إما : طمعا في مكسب أو في كسب ودّ مسؤول أو صاحب شأن ، أو خوفا من غضبه .
كنا جالسين على المسنّاية " السياج الذي يحدّ مجرى النهر " لا قمر فوقنا ، لكن الضوء الساقط من ساعة بناية البلدية ترك أثره على المكان.
ما جاء النقاش من فراغ، فقد حضر حامد الهيتي اليوم مراسيم افتتاح "المعرض الفني المدرسي السنوي " لأنه جزء من عمله في النشاط المدرسي التابع لمديرية تربية بابل .
حضر مدير التربية و معه معلّم متقدم في صفوف حزب البعث، قام هذا المعلم بقص الشريط و مدير التربية صفق له و قد انجز مهمته ، كان الوقت آنذاك عصرا و الهواء رائقا أثناء قص شريط الافتتاح .
ألقى المسؤول الحزبي و القوم حوله خطبة بالمناسبة بيّن فيها رعاية الحزب و الثورة للمواهب الشابة، كان يمكنه أن يختصر الكلام لكنه أطال فسبب ذلك احراجا لمن لا يقدر على كتمان ضحكته أو على الأقل عدم التصديق لما كان يسمعه .
الرجل و هو يلقي خطبته كانت عنده مشكلة في أوتاره الصوتية ، تصوّر أن جملة مثل : " نحن نرعى مواهب الشباب و ننمي قدراتهم و نشجع مواهبهم " جملة قصيرة مثل هذه يتغير فيها صوته مرتين أو ثلاث مرات ، في الكلمة الأولى يخرج الصوت طبيعيا و رزينا أو خشنا ، و في الكلمة الثانية و ربما الثالثة يتغير الصوت فيأتيك ناعما ليّنا أو كصوت زدت من سرعته في الة تسجيل فيوصوص ، بعد ذلك يرجع طبيعيا و بعده بكلمة أو كلمتين يأتيك الصوت ناعما و هكذا.هل كان في حنجرته مزمارا بثقبين، ينقل طرفي اصبعيته فتخرج النغمات و أية نغمات!؟
و أنه ، كما يبدو ، لا يعرف أن صوته يسبب حرجا لسامعيه ، و لو عرف لاختصر كلمته لكنه ما اختصرها ، فمن المؤكد انه اعتبر صوته خصلة فريدة ما منحت لغيره من أعضاء الحزب ولا لأحد من عامة الناس ، منّ الله بها عليه و قد فضله على العالمين جميعا .
تجوّل ومدير التربية يرافقه، في أرجاء المعرض ،أحيانا يتباطأ في سيره عند لوحة فيسأل عن الذي رسمها. في المكان الذي كان حامد الهيتي مشرفا عليه ، سأل المعلم طالبا واقفا عند لوحة بعنوان " بلبل في قفص " سأل : البلبل جميل لكن لماذا لا يغرد ؟ ارتبك الطالب فانبرى أحدهم ، ممن وقف قريبا من المسؤول الحزبي قائلا : " و هل يجرؤ البلبل ان يفعلها بعد أن سمع صوتك و أنت تخطب ! " كانت الدهشة واضحة لمدة ثوان على وجه المسؤول ، بعدها ابتسم و قال : اشكر مشاعرك لكن ليس الى هذه الدرجة .
حدثت حامد بحكاية ذلك "الرئيس " و قد خرج يوما مع مجموعة من المسؤولين و الصحافيين لممارسة هواية صيد البط ، و كان ممن رافقوه وزير الاعلام الذي اسهب في الحديث عن مهارات الرئيس في صيد البط فما أخطأ مرة . و كان كلما أخطأت رصاصة الرئيس هدفها و لم تصب البطة التي سدد اليها طلقته صاح الوزير : يا للعجب ما رأيت في حياتي بطة تطير و قد أصيبت باطلاقة من بندقية صيد !


--------------------------
الصورة : بناية بلدية الحلة نهارا وضوء الساعة التي أعلى المبنى يهبط علينا متكاسلا في الليل، و المسنّاية (الحاجز الذي يحد ماء نهر الحِلّة) تحت



.
L’image contient peut-être : plein air



هذا النص

ملف
عائد خصباك
المشاهدات
7
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى