أمل الكردفاني - التواصل

التواصل
Communication

تبدو الميم المزدوجة (mm) كأنها رابط يعبر عن التواصل بين شيئين مختلفين يشتركان في ذلك الحرف.
لا يفهم الكثير من الناس، أن لعبة النجاح لا تعتمد على الشهادات العلمية، ولا السلطة ولا المال، بل على التواصل، إن فقد مهارة التواصل تفضي إلى عدم فائدة العلم، وإلى فقدان المال والسلطة. وأن النجاح يعتمد على تلكم الميم المزدوجة في اللغة الإنجليزية. مهارة التواصل. إن أسباب إنهيار الدول هو فقدان قدرة شعوبها على اكتشاف ذلك الحرف المشترك، وانهيار الأسر كذلك، ثم انهيار الفرد.
إن مجتمعاتنا ذات ثقافة الفقر تغذي ضعف التواصلية، ولا تنميها. في الوقت الذي يجب أن تعزز تلك المهارة إن كانت ترجوا خروجها من مازقها السياسي والإقتصادي.
والاسرة تدمر قدرة الطفل على تنمية موهبة التواصل، المدرسة تحطم ثقة الطفل في قدراته، وتنمي شعوره بالنقص تجاه البالغين.
إن ممارسة القمع الهابط من اعلى لأسفل، يخلف افراداً ومجتمعات وشعوب عاجزة عن التواصل. الحذر والخوف وعدم الفهم يجعلان من الجُمل البسيطة لها عدة إحتمالات تأويلية. لأن الجُبن يحرم المرء من المواجهة المباشرة، فيعمد إلى الإحتيالات المجازية المَوْجِيَّة. وهكذا يزداد ضعف التواصل، وربما استحالته.
وإذا كان كل تطورنا البشري يعتمد على التواصل، فإن أي معيار آخر سيعتمد على اختلال ميزان العدالة. فالتواصل الضعيف الذي يعتمد على المصالح المتبادلة يفضي للانتهازية والمناورات المستمرة، القوة والسلطة تفضي إلى القهر والتملق أو الموت المجاني والتنازلات تفضي للعبودية والحاجة تفضي لتبادل الاستغلال.
قبل تحويل الدموقراطية لآيدولوجيا، كان يجب تعليم الشعوب مهارة التواصل. قبل النقاش عن الحرية والعدالة والمساواة والإخاء كان يجب تعليمها كيف تجيد التواصل، قبل البحث عن الإستقرار، فيجب دوماً تأكيد مهارة التواصل.
إن العلاقات تنهار عندما تبلغ حداً اقصى من سوء التواصل Miscommunication
، العلاقات بين الزوجين، والأصدقاء والاسرة والجيران والقبائل والشعوب والدول.
إن سوء التواصل قد ينتج من طرف أو من الطرفين، وغالباً ما يكون التعنت والدوغما أو ضعف اهلية التحليل أسباباً لسوء التواصل.
والأصل هو ضعف التواصل عند الإنسان. والإستثناء هو كفاحه من أجل النجاح في تواصله. السياسي مع أنصاره، التاجر مع زبائنه، رجل الدين مع المؤمنين، الفيلسوف مع المثقفين، والأستاذ مع التلاميذ، والحبيب مع حبيبه، والزوج مع زوجه، والعامل مع رب العمل...الخ. ولو كان الأصل هو قوة التواصل لما كان كل كفاح الإنسان من أجل نجاحه متوقفاً على التواصل، ولما كان الإختلاف هو الأوسع انتشاراً من الاتفاق.
إن الحديث النبوي بالتماس سبعين عذر، إنما يصب في خانة تهيأة المناخ للتواصل، والتحكيم بين الزوجين هو بحث عن حرف الميم المزدوج المفقود..وعدم الحكم على المرء بدينه او عرقه او آيدولوجيته هو منح حداً أدنى من استقرار التواصل. إن كل الفلسفات الوضعية والغيبية تحاول اكتشاف رقعة مشتركة لينطلق منها التواصل الصحي. الاتفاقات والمعاهدات كذاك، والقانون يعتمد على تدعيم ذلك التواصل، عندما يفرض قواعد لا يجوز مخالفتها، لتكون اساساً ينطلق منه التواصل. وعلى العكس، فكل من يعمد لإضعاف التواصل فهو مخرِّب ولو قال بغير ذلك. يعزز القانون التواصل، فقانون حرية المعلومات، والقوانين التي تفرض شفافية الحكومية محاولة لتعزيز التواصل. ووسائل التواصل الاجتماعي، كشفت أنها ليست وسائل تواصل، بل هي أيضاً وسائل تشاقق، وذلك الاختلاف والشقاق، يحدد حكم الفرد على علاقة ما، فيقضي باستمرارها أو إنهائها. تعتبر الجريمة ممن آثار ضعف التواصل بين الفرد المجرم والمجتمع.
وفشل الخريج في الحصول على الوظيفة سببه ضعف التواصل. وفشل مندوب المبيعات في بيع سلعه أيضاً بسبب ضعف التواصل. وكذلك الاحتكاكات في مناطق التجمعات، والقرارات السياسية أو الإدارية الخاطئة.
يعتمد عالم ما بعد الحرب الباردة وبداية النصر الرأسمالي، على المهارات العالية في التواصل High communication skills ، بناء التحالفات السياسية والعسكرية والتكتلات الإقتصادية يعتمد على مهارات عالية في التواصل. العمليات النفسية لقهر العدو كذلك هي لعبة تواصلية في المقام الاول. طرح قضايا الشعوب المصيرية مهارة تواصلية. نجاحك في العلاقات العاطفية مهارة تواصلية، حصولك على فرصة عمل أو صفقة رابحة بلا شك يتوقف على مهاراتك التواصلية. باختصار هناك علمان جديدان يتكاملان لتحقيق النجاح في تحقيق اي حلم:
- علم التسويق.
و
- علم التواصل.
فتواصل جيد يعني تسويق جيد.
وإذا كان التواصل عملية جوهرية، فالتسويق سيصبح حجر الزاوية في المستقبل أكثر من البضاعة المُسَوَّقة (تكنولوجيا، معرفة، سياسة...الخ)
يخسر أغلب المحتالين والنصابين بسبب انكشافهم لضعف مهاراتهم التواصلية. ولذلك فالسياسيون الناجحون هم الأكثر قدرة على التواصل. ولكن السياسي يتمتع بميزة إخرى وهي أنه ليس مندوب مبيعات، بل هو انتهازي، لا يعرض سلعة حقيقية ولذلك فهو اقرب للنصاب منه إلى مندوب مبيعات.
تابع كل فشلك وكل نجاحاتك ستجد أنها نتجت عن سوء أو نجاح التواصل، فإن كنت فاشلاً اكثر من ناجحٍ فأنت تفتقر إلى مهارات التواصل والعكس بالعكس.
_________
أمل الكردفاني

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
17
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى