وضاح شرارة - «قصيدة» النثر... الولادة من الضغينة على اللغة الأم

لماذا يُقبل قارئ على قراءة «قصيدة» النثر، على ما سميت وتسمى؟ قد لا يفعل السؤال، على هذا النحو، غير قلب السؤال عن داعي كاتب «القصيدة»، المزعومة، أو دواعيه، الى كتابتها. ويضمر التخمين هذا تخميناً آخر، سابقاً أو معاصراً، في تلازم داعي الكتابة وداعي القراءة، وفي ما يشبه تضايفهما أو اشتراط واحدهما الآخر. وقد يجوز التخفف من التخمين المزدوج، والاقتصار على السؤال، على عسر الحؤول بين النظر وبين الحَوَل الى المسألتين الفرعيتين: قلب السؤال وإضمار التخمين الأول تخميناً آخر. والحق أن بعض عناصر السؤال (أو مفرداته)، والاستدراكات عليها، والترجح فيها، تنم بالناحية التي يطلع منها ما يشكل على التناول، ويمتنع من يسره ومواتاته.
فالجمع بين النثر وبين القصيدة (أو القصيد) في إضافة معرّفة يبعث القلق والاضطراب في السمع، على معناه الوظيفي، وعلى معنى الذوق أو الذائقة التي تردد أصداء التهذيب والأدب (أو التأدب). وتوهم العبارة المركبة باستواء الكلمتين على مستوى واحد، لا نتوء فيه ولا نبو. وكأنهما تصدران عن مصدر مشترك أو متواطئ. والحال أن القصيدة، الاسم، لا تنفك، في الأذن (العربية)، من متعلقات ثقيلة لا راد لهجومها على الفهم والتذكر – أي على إمالة الرأس، واختلاج العنق، وفتحة العينين، وإطباق الشفة على الشفة، وانفعالات الجسم من أدناه الى أقصاه. وهذه ليس يسيراً شبكها بمتعلقات النثر، وأو تعريفه من طريق السلب: فهو ما ليس من القصيدة (الشعر) في شيء. وفي كل مرة يهم الواحد بالقول: «في القصيدة الفلانية»، أو «في ديوان فلان»، يتردد ويتلكأ، ثم يغضي ويمضي مسلماً على مضض، ومتأثماً، على قول الفقهاء، وواضعاً الاسم ومتعلقاته تحت قدمه، ومتجاوزاً أصواته الى معنى ينبغي تجديدُ التواضع عليه، في كل مرة، بين الواحد ونفسه.
وما يقال في القصيدة يصدق ما يشبهه في القراءة. فـ «قصيدة» النثر تُقرأ ولا تسمع. وهذا يقدِّم قارئها على صاحبها. فإذا قيل: قرأ فلان بعض شعره على جمهور، سوت القراءة صاحب الشعر بجمهوره، وأنزلت الاثنين منزلة واحدة. وهذه المنزلة سبق القارئ، المتصفح، إليها صاحب الشعر، أي كاتبه (وليس قائله). وهذا، أي قيام الكتابة مقام القول («قال الشعرَ» على معنى «نظمه»)، هو بعض عناصر السؤال، والاستدراك عليها والترجح فيها. فالسؤال، مجرداً من شروحه وحواشيه، قرينة على افتعال التقريب بين «قصيدة» وبين «نثر». وهو افتعال معدني صلب، لم يستسغ بعد، غداة نصف قرن على ابتدائه. فلم يقبله أهل القصيدة و «عاقلتها» (أو من ينيط بهم العرف والشرع الثأر للقتيل ويقر لهم بديته). ولم يطمئن اليه أصحاب النثر وغرضيته.
والإقامة المديدة على مثل هذه الحال أشبه بعمر الضغائن والثارات. ولا يتكتم الكلام السائر والعادي على ما لا يصح القول فيه انه سر مبيت أو مكبوت. فالخروج الى النثر، من باب «القصيدة» المزعومة توريةً، رواه أصحابه الخارجون – وهم «خوارج» من غير (مثال) مبالغة – رووه في صيغة التحرر. فحملوه على كسر القوالب الجامدة وقيودها، وعلى الموروث الفائت والبائت، وهواء السجن الآسن والراكد. وإذا ارتضوا الابقاء على بعض حجارة الأنقاض، المالئة الرحب من عهد عاد، اشترطوا تخليصها أوزاناً جديدة، ثم تفعيلة، أو جزءاً حراً من بنيان مرصوص سابق يُخاف انبعاثه وتجدد تسلطه. وسرعان ما طووا الرضا الموقت هذا، وصرحوا بهدم البنيان من أركانه، وأرادوا تمهيده بالأرض، وصرم ذريته وقطعها، ولو أثراً بعد عين.
وهذا من قبيل القتال والاغتيال في وضح النهار. فالشعر المتحدر من لسان العرب وديوانهم تبدى ثقلاً ساحقاً، وقيداً على الكلام واللغة يسد على النفس («و» الجسد) منافذها الى العالم، ومسالكها فيه. وكَنَت المطاعن على الفصاحة، وأبنية العبارة، والمفردات الدارسة، والقافية المتعسفة، والأوزان المستبدة والضيقة، والمجازات المتعارفة والمكررة - كنت عن وأد النفس الحية والطرية (والمؤنثة) في قبر حجري عميق ومعتم. ولغة الديوان لم ترض الاقتصار على وجه من وجوه القول، أو على مسلك من مسالكه. فمنزعها العميق إنما هو الى غشيان القول كله، وربط طرقاته وطرائقه وأنحائه. ولا تقر هذه اللغة، أو صورتها المنتصبة قاضياً وسيافاً، للغات فرعية، أو لبنيّات لغة (على مثال بنيات الطريق)، بالاستواء مناهج وأعرافاً وسنناً، فيسع المتكلم الاجتهاد، أي الكلام، والبناء على الأصول المتجددة هذه.
وشأن الحسبة اللغوية هذه القضاء والبت في أدق أوردة الكلام والقول. وهي ليست حسبة على الحسن والقبيح، أو على الشريف والوضيع، والسمين والغث، وحسب. وليست، على هذا، خطابة. فهي تبلغ «رأس» المقال، وتبت في نطف القول وعلقاته وأجنته. وتفصل في ما يقال وما لا يقال، وفي ما يجوز أن يتطاول اليه القول ويتناوله، وما لا يجوز. والجواز والامتناع هذان لا يقتصران على الذريعة والوسيلة والآلة. فالقول لا يدلف الى مدلول أو معنى قائم في الطوية والسريرة، منكفئ على نفسه ثاوٍ فيهما، ينتظر افتضاض مكنونه أو نشره علانية (أو سراً) ومقايضته ومبادلته كلاماً مفهوماً؛ فلا يُدرى، والحال هذه، لا كيف نُشر، ولا كيف فهم، ولا متى تواضع أصحابه على الدلالة والعبارة به وبمبانيه. وعلى هذا، فالفصل في الجواز والامتناع إنما هو فصل وقضاء في مادة الإنسية، وفي موارد التأنس وأبنيته ووجوه تصريفه (ولا ينبغي أن يفهم بهذا أن ثمة فاصلاً وقاضياً، أي «صاحب» فصل وفضاء، فما يُنتهى اليه هو الاشتراك والتواطؤ، على المعنى البلاغي).
فكيف يَقرُّ في يقين لاغٍ (لغةً) أنه سجين لغة، وهي حال شعراء «قصيدة» النثر، وهو لا يتكلم إلا «من» داخل اللغة هذه؟ وبأي لسان يقول يقينه؟ فإذا قاله، أي لغا به، بلسان السجن، دل لغوه أنه خرج من سجنه، وكسر قيده. ودل أن جدران السجن لا تمتنع على هرب من يريد الهرب، وشرود من يريد الشرود، وأن ليس ثمة سجن أصلاً، وما الزعم إلا تشبيه ضغائن وثارات وتلبيسها. ولكن أصحاب «قصيدة» النثر لم يقولوا مقالتهم في الشعر العربي، وقصيدته وعموده، «من» داخل العربية، ولم يصدروا «عن» هذا الداخل. (وبعضهم عاد إليه، من بعد، وبحث فيه عن أصوله، وعن مبادئ خروجه، ونسب نفسه الى هذه الأصول فلا يبدو هجيناً أو لقيطاً).
فهم قدموا من لغاتٍ وألسن أخرى، أعجمية غير معربة ولا مستقيمة في الميزان العربي، القومي (من أصل القوم) واللغوي. وتشبهوا بـ «آباء» ولدوهم شعراء (نثر) على صورهم، من فرلين وبودلير ورامبو وإليوت وباوند الى ريلكه وبروتون وبيرس وريتسوس وشحادة و (جويس) منصور، أخيراً وليس آخراً. ومن لم يصطف أباً، ولم يرطن بلسان أعجمي ولم يصرف بعض «شاعريته» الى النقل عن لسان غير لسان العرب، نسب الى «ثورته» على عالم أهل اللسان، وعلى توحش العالم هذا وأهله، خروجَه الشعري (نثراً) أو تمرده.
فكيف يكتب أصحاب الضغينة شعراً أو نثراً (على افتراض جلاء الفرق بينهما) في لغة (وليس بلغة وحسب) يَصْلونها الكراهية أو مودة فاترة في أحسن الأحوال، ولا ينفكون يقارنون بينها وبين لغات وآداب أخرى تلح عليهم إلحاح الصور والنماذج على منسوخاتها ومسوخها؟ والسؤال يفترض ربما أن كاتب الشعر، وليس قائله أو ناظمه، إنما تحدوه الى الكتابة رابطة باللغة (الأم) يختصرها حب اللغة أو عشقها. وهذا الاختصار مجحف، على الأرجح. وقد لا يكون مجحفاً حمل الشعر، على مذاهبه، على منزع أخرق الى الخروج من اللغة ومتعارَفها الى وجوه منها هي غير وجوهها المتعارَفة والمألوفة. فيضمر الخروجُ من اللغة وإليها،على نحو يتهدده الإخفاق والسقوط على الدوام، جوازَ ضم الوجوه الجديدة الى مواردها ومقدراتها. ويضمر، كذلك، احتمال احتساب اللغة الوجوه الجديدة في «ذراريها»، إذا جاز القول. والأرجح أن الضغينة لا تصلح مناط رابطة من هذا الصنف.

الحياة


وضاح شرارة
  • Like
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى