نبيلة غنيم - حبيبة

يُلقي الفجر حلته البيضاء علي ظلام الليل وتنثر الشمس خيوطها الذهبية في كل اتجاه يتوجه "سالم" إلي جامعته، يمشى مستسلما لأقداره لا يني علي شئ، إذا بهاتفه يخبره بأن مُهاتفاً علي الجانب الآخر.​
يرد بعدم اكتراث، فإذا بصوت سماوي الهمسة يقول له: أهلا محمد.
صمت سالم قليلا ثم رد بتلقائية : أهلا .. أهلا .
قالت: أوحشتني جدا يا محمد، أريد رؤيتك.
صمت ليتذوق طعم همسها الحاني، ويستزيد من عذب صوتها.
فقد شعر وكأن نسمه فجر رقيقة مست قلبه الذي عششت فيه عناكب هجر النبض، فتضامنت ارتعاشة فجره مع ارتعاشة قلبه المشحون بكافة المشاعر المتداخلة وسرت في أوصاله، فزلزلت كيانه .
أعادته بقولها: أين أنت الآن؟
في الجامعة............
أريد رؤيتك، فأنا قريبة منك، سأراك في "بوفيه" الكلية، انتظرنى.
أخذ نفسًا عميقًا وقال لها: ولكنى أنا سالم ولست محمداً!!
قالت : وأنا أعرف يا محمد أنك سالم، واسمح لي بأن أناديك بمحمد.
لم يحرك ساكنا وظل مذهولا ، ولكنه توجه إلي البوفيه لمقابلتها،
فوجدها "حبيبة" التى اختارها صديقه محمد لتكون خطيبته، زادت دهشته وحيرته.
شَكَتْ له حبيبة من سوء معاملة محمد لها وإنها تحبه ولا تستطيع الاستغناء عنه وهو يريد الابتعاد عنها لأنه اكتشف أنها مريضة قلب وأيامها معدودة في الحياة.!!
رق قلب سالم لها ولكنه إلي الآن لا يعرف ما دخله هو في هذه الحكاية!!
ردت حبيبه علي سؤاله قبل أن يسأله وقالت له: أريدك محمدا!!
تبسم سالم وقال : لم أفهم!!
قالت حبيبة: لقد انتهت علاقتي بمحمد اليوم وأنا لا أريد أن أفقد الدعم النفسي الذي كان يقدمه لي يوميا، فقد كان يحادثني تلفونيا كل يوم، كنت أشعر معه بالحياة، وسوف أطلبك يوميا للتحدث معي حديث العشاق الذي افتقدته، والذى كاد أن يفقدني حياتي قبل الأوان!!
كل هذا وسالم يسمعها بأذنٍ مسحورة وقلبِ قفز ليسكن كفيها ، فقد هبت رياح الحب عاصفة بقلبه، هزته كشجرة محملة بالثمار، فجاد عليها ببعض خيرها .
خلع نظارته ليمسح عدساتها بقطعة حريرية خصصها لذلك الغرض، وراح يتأمل وجهها الملائكي عندما جلسا سويا في البوفيه، طلب فنجانين من القهوة، نظر في عينيها وهو يرتشف أول رشفه، هاله السحر المنبعث من عينيها والذي تسلل كشلالات عشق داخل روحه.
قال لها وهو يقاوم ذلك الشلال المتدفق بداخله: لماذا أنا يا حبيبة؟
قالت في دلال والدمعة تتراقص بين هدبيها: لأنك شاعر ، وستكتب قصة عشقي لمحمد كأجمل ما يكون، سأهبك ما وهبته له من حب لتُخلد روحي بقصائدك.
تنهد سالم تنهيدة مدثرة بالحب وعاد لصمته ليستمتع بجمالها. فقطعت صمته بسؤالها: هل ستخلدني قصائدك يا محمد؟
قال لها وقلبه يتلهف عليها: ليتني أكون حرفا في قصيدة روحك.
قامت وهي تنظر في عينيه لتغادر المكان قائلة له: في كل يوم سأتصل بك لتتلو علي قلبي قصيدة عشق جديدة .
واليوم الذي سيصمت هاتفي، ستعلم أنني انتقلت إلي الرفيق الأعلى محملة بمشاعر الحب الصافي فلتصعد معي بروح العشق الأبدي من الآن.
وفي صباح يوم جديد من أيام وصلها الملائكي، يضغط سالم زر هاتفه ليطلبها، يأتيه صوتها من جنة رسمها في مخيلته لها.
واعدته باللقاء ليملأ عالمها بحروفه الساحرة، جلس أمامها مشدوهاً، رأت في عينيه صرخة اشتهاء وهو يبثها شجوه، تحاشت نظراته واستمرت في التعليق علي كلماته الغارقة في عصير روحه المحبة،
تداعت أمواج الحب إلي عقلها الذي بدأ يفقد سيطرته علي مجرى الأمور، انتابت يدها رعشة حاولت إخفائها حتى لا يشم هو رائحة ارتباكها، وهمَّت بالفرار، فقد كانت تنتفض كعصفور أصابه المطر، تعجب سالم من تصرفها، ولكنه استسلم لجنونها وانتظرها..
اتصلت به لتخبره بأنها ستقوم غدا بعملية خطيرة في القلب، ربما يكتب الله لها النجاة.
وفي آخر نهار ذلك الغد الذى أشارت إليه، اتصلت والدتها برقمه قائلة له وصوتها مختلجاً بالدموع : محمد.
ماتت حبيبة وهي تردد اسمك، فلتكن مودعا لها معنا يا بني، فقد أحبتك ابنتي كثيرا، وكانت تردد اسمك بلا توقف.
فاضت دموع سالم أنهاراً، نظر إلي صورتها المخبأة علي هاتفه: سمع صوتها الآسر يهمس له: ستنساني؟
يجيبها وهو غارق في شلالات أدمعه الحارة: كيف أنسى من طاب لي أن اسمع منها اسما غير اسمي ؟!
وفي كل يوم يتذكر سالم كيف انتهت القصة التى لم تشأ أن تبدأ، وكيف رحلت حبيبة بعد أن كتبت نصاً غريباً علي جبين حياته، وكيف أنه لم يحدد هوية النص حتى يومه هذا !!!.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى