د. سيد شعبان - الثالثة ليلا!..

لا أدري لم غاب النوم عني هذه الليلة؟
تزاحمت الأفكار في رأسي كأنما هي صراع مجهد، يتناوب عامل التذاكر في حافلة النقل العام في ثمانينيات القرن الماضي،فأنا بحق ممن أدركوا قرنين من الزمان، يبدو أن لدي من المشاهد ما يجعلني أتمتع بنكهة السرد،هذه الليلة أدركني بعض القلق على الحديقة، أعمل في النهار معلما ثم بالليل آوي إلى حجرتي المشرفة على حديقتنا القابعة هنا في الصحراء، ليس بعيدا عن الدلتا،أشجار البرتقال تحمل ثمارها الشهية،وحبات اليوسفي تتزين كأنما هي في عرس تتوجه يد صناع ماهر،الديكة تستعد للفجر الآن أسمعها جيدا،توضأت وصليت ركعتين ،تذكرت نعمة الله على أبي ؛ أن نجاه من حادثة قاتلة الله ينجي عباده،هكذا تقول أمي دائما،لها كلمة تأسرني: كله على الله!
الليلة أدفأ قليلا من الليالي الماضية،بدأت الخواطر تتداعى مثل زخات مطر يجهد في الوصول إلى أعلى السطح ،الحياة من بعيد تعاود اليقظة؛ الفجر على الأبواب،وها أنا متدثر بحزمة من الأغطية أفضل في هذا الشتاء أن أمسك بهاتفي،أكتب عليه،أسرد بعضا من نتف ذاكرتي؛ البعد عن العالم الصاخب في حافلة النقل العام ،كم أنا مفتقده الآن،لا أدري كيف يعيش هؤلاء الناس؟
الصمت يطبق على حجرتي،من بعيد أسمع قطرات الماء تتابع في رتابة من صنبور المياه،أطرافي توشك أن تتجمد؟
هل حقا لعامل التذاكر في حافلة النقل العام أحلام بالهدوء؟
ربما نسي هذا الرجل في صخب حياته أن يستريح يوما تحت ظل شجرة.
التمست الجراء الصغيرة لأطعمها خبزا مما أوصتني أمي أن أقدمه إليها،هي تفعل هذا كل ليلة ،وفي الصباح تسألني الخبز تأكله القطط،أستدير مبتسما،يبدو أن أمي تراهن على ذاكرتي ،ما أزال رغم الشعر الأبيض الذي ضرب رأسي طفلها الأعز!
ها هو النوم يطرق أجفاني ويوشك أن يطبق عليها،سأستجيب له ،وحين ذاك سأقص ما حدث لي وأنا على مقربة من الأحلام،النوم سلطان له الغلب!
أطياف ورؤى تتابعت ،وقد استعذبت بعضها،أجد سعادتي في ذلك التداعي المتدثر بأغطية من الرمز ،لم أعتد أن أغفل واحدة منها،يا للمفاجأة حين كان نومي منذ الثالثة ليلا وحتى صحوتي السادسة صباحا،جالت في عقلي حافلة النقل العام،لكنها لم تكن صاخبة ولا أثر للركاب ذوي الشعور الشعثاء،ولا لرائحة العرق التى تزكم الأنف،ولا حتى لوحة الخطوط التى تثبت على واجهة السيارة،جهدت أن أقرأها فعجزت،يا للعجب كم كانت نظيفة وحديثة،حين كانت مجموعتي القصصية الأولى أبوسويلم بيدي أعطيتها لسيدة كانت تقف عند المحطة ،لكن الحافلة أسرعت لم ألحق بها،هندامي لم يكن يجذب السائق ليقف لي،تعلقت بسلمها،وظللت هكذا متشبثا ؛ خشية الموت،عند مطلع أحد الكباري كان يقف شرطي،أبطأ ليركب مجموعة من السياح،لكن محصل التذاكر طلب من كل واحد أن ينقده خمسين جنيها،لم يشر إلي بذلك؛ أدركت كم أنا منتم لهذا الوطن!
كل هذا أعاود سرده من نومي ،ذاكرتي تخففت قليلا من ضغط الامتلاء ،الأغراب كانت معهم تلك الواقفة عند محطة الحافلات،وجدتهم يحفرون جوار النهر،يمسكون بالطين ويعبأونه في أكياس نحاس داخل الحافلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى