مسرحيات عبد الكريم العامري - قيود.. مونودراما

أثاث قديم نشر دون انتظام في كل مكان، يبدو أن هناك من عبث به، صمت مطبق، انارة خافتة. من بين اكوام الاثاث يخرج رجل رأسه، ينظر يميناً وشمالاً، يكرر ذلك بخوف شديد.. عندما يتأكد من أن لا أحد يراقبه في المكان ينهض متعكزاً على كرسي كسرت إحدى أذرعه.
الرجل
: (مع جمهور المسرح) هل رأيتموه أنتم؟ (يصمت قليلاً) لا بد أن أحداً منكم قد رآه. كان هنا، (ينظر الى الأشياء المبعثرة) نعم، كان هنا.. يترك أثراً في كل مكان تطأه قدماه، أنه يحاصرني منذ زمن ليس ببعيد، يحاصرنا جميعاً (يتنفس بعمق) أتشمّون هذه الرائحة؟ أنها رائحته! نعم، هي رائحته، نتنة، ومؤذية. أرجوكم، ابحثوا تحت مقاعدكم. ابحثوا في حقائبكم. في ممرات المسرح، ابحثوا عنه ولا تغمضوا عيناً. أرجوكم. الأمر أخطر مما تتوقعون. لا رجعة لكم فقد دخلتم في دائرته. سيكون معكم. يتبعكم أينما تذهبون، وحيثما تكونون. لا تدعوه يدخل فيكم. تأكدوا أن أنفاسكم سليمة. بلا رائحة. أنا شممت رائحته من قبل، واشمّها الآن. تنفسوا جيداً لكن ضعوا ايديكم على أنوفكم لئلا ينفذ منها الى صدوركم. (ينظر هنا وهنا) أنتم لا تصدقونني. كنت مثلكم، لم اصدق بوجوده، ولم اقتنع حتى باغتني في تلك الليلة الماطرة. استطعت أن أتغلب عليه، هربت منه، وهو الآن يطاردني. أرجوكم، تاكدوا من انه لا يختبئ تحت مقاعدكم. تحسسوها جيداً. ربما يباغتكم في اي لحظة. لا تغمضوا أعينكم. اجعلوها مفتوحة. لا تمنحونه الفرصة كي يستقوي. هو ليس قوياً لكنه ماكر. (يقفز وكأنه احسّ بشيء) يااه! يده الطويلة كادت تقلع رأسي. (يصرخ بصوت أعلى) أنت.. توقف. لن أعطيك نفسي كما تريد. اذهب بعيداً. جرّبتني مرة وعرفت أني لا اذعن لك. (ينظر هنا وهنا) أيها الجبان. لو كنت قوياً اظهر وقف أمامي. ما بك تختبئ هكذا؟ أنت أيها المتخفي. اظهر نفسك وقابلني. (يصمت قليلاً) أرايتم؟ انه يروح ويجيء، اشعر به، رائحته المقرفة تدلّني عليه. (يمسك احد الكراسي ويقذفه بعيداً) تبّاً لك ولمن جاء بك. اغرب عني ايها القبيح. لا اعرف ما أنت، ومن أنت. لو كنت بشراً أظهر. لا تتلاعب بي وأنت مختفٍ. قف امامي. أو قف أمام الناس لنعرف ما تريده منا. (يصمت وهو يتلفت يميناً وشمالاً) هل تشعرون بما اشعر به؟ أسمع وقع اقدامه. من هناك (يشير الى جهة) لا.. لا. اسمعها تأتيني من هناك (يشير الى الجهة الأخرى) لا.. بل من هناك (يشير الى جهة ثالثة) ما هذا؟ هو في كل مكان. (يصرخ) انت أيها المتخفّي. ما الذي تريده مني؟ من الذي دفعك عليّ؟ أنت تتبع الرجل الخطأ. لست انا. لم اكن فظّاً غليظ القلب لتعاقبني هكذا. ولم اكن الا رجلاً لا علاقة لي بأحد. صدّقني. لا علاقة لي بأحد، ولا أعرف أحداً. (يتوقف قليلاً) ها. هل اقتنعت..؟ (يركض الى جانب المسرح صارخاً) بالله عليك اتركني. لا تعبث معي. (يتوقف) ما الذي تريده ايها اللعين؟ لست ندّاً لك ولن اكون. (الى الجمهور) هل رأيتموه؟ أنه يعبث بي. كان هنا، وهناك، وهناك (يشير الى جهات مختلفة) في آن واحد. كيف يمكن ان يحدث هذا؟ أنا لا اصدق ما أنا فيه. ربما لم يكن واحداً. كم عددهم؟ خمسة.. عشرة.. عشرون.. (صارخا) كم عددهم؟ (الى الجمهور) ارجوكم، هو أو هم في كل مكان. تحسسوا مقاعدكم. جيوبكم. تحسسوا كل شيء يمكن ان يختبئ أو يختبئوا فيه. (يصمت قليلا) لا. أنه لا يختبئ. أنا من يختبئ منه. وعليكم أن تختبئوا منه أنتم أيضاً. (يصمت قليلا وكأنه يعد عددهم) ترى. هل هو واحد أم أكثر من واحد؟ لا يعنيني عددهم. واحداً أو مائة. ما يعنيني هذا القلق الذي أنا فيه (يجلس على احدى الأرائك) اتمنى أن أكون مخطئاً، أنتم تظنونني مجنوناً. لست مجنوناً، ولم أكن. كنت مثلكم، مطمئنا أن كل الأمور على ما يرام حتى وقع الفأس بالرأس. أنا أبحث الآن عن الفأس كي يبقى الرأس في مكانه. رأيته يوم جاءني، أعني الفأس، برؤوسه المتعددة، وأيديه المشوّهة الكريهة. فأس غريب، ليس مثل الفؤوس التي رأيتها من قبل. يتحرّك لولبياً، يتبعك أينما ذهبت كأنه يرى (مؤكداً) أظنّه يرى والا كيف راح يتبعني. أنا على يقين أنه هنا. معي. في مكان ما هنا. ابحثوا معي. ابحثوا جيداً. لا يخدعنكم بلونه. هو مثل الحرباء. لا تلمسوا شيئاً قبلما تتأكدون منه. لا تضعوا أقدامكم على الأرض قبلما تعرفون الى أين ستمضون. لا تكونوا واثقين من كل شيء. هو يختبئ في الأشياء التي لا يمكن الشك بها. يختبئ في كل شيء. كبيراً كان أو صغيراً. كل شيء مهما صغر حجمه. كنت قبلما يظهر في حياتي انساناً لا يهمّني شيء. ولا أسعى لشيء. كل همّي كان أن ينقضي يومي مثل اليوم الذي سبقه. هكذا كنت أقضي الأيام، يوما بعد آخر. لا أهتم لهذا أوذاك. لا أطلب أكثر مما احتاجه. أشبع معدتي بما يرزقني الله به. لم أكن حسوداً، أو مغتاضاً وأنا أرى من لا يستحق وقد أثرى على حساب الآخرين. لا أهتم لهذا فلماذا يتبعني؟ (ينهض من مكانه) هل رأيتم؟ ما زال يدور حولي. أعترف أني قد أخطأت يوم كنت طيّباً حدّ السذاجة! أعترف أني قد أخطأت وأنا أصدّق بكل ما يقال. لأني لا أعرف طريقاً للكذب. أنا ضحيّة سذاجتي. ضحيّة طيبتي. لم أضع خططاً تحدد مستقبلي. لكنهم أثخنوا حاضري ومستقبلي بأغبرة الشؤم والتعاسة. (يصمت قليلا) لم أكن تعيساً. (مستدركاً) هذا قبل أن يحدث هذا. أعرف أن الانسان يعيش مرة واحدة وان فقدها فهو خاسر كبير. أنتم (يشير الى الجمهور) فكّروا كثيراً قبل أن تقدموا على شيء تخسرون فيه حياتكم. فكّروا بالجزء المضيء من حياتكم. أعرف أنهم لا يريدون لكم هذا لأنهم ولدوا في الظلمات. لم يعرفوا النور أبداً. لهذا أنا احذركم! نعم أحذركم. أحذركم منهم. كل ما يبتغونه هو تعذيبكم. إهانتكم. يعتاشون على ذلك. ساديون! ارجوكم، ابحثوا عنهم. لا تكونوا ساذجين مثلي. لا تنتظروا حتى تقع الفؤوس على رؤوسكم. لا تنخدعوا بتلك العلامات التي تلوّث جباههم. هم مراؤون. مخادعون، كاذبون، دجالون! أعلموا أن أكثر الناس خسّة هو المرائي. الذي يوهمك بتقواه لكنه يخفي شيطاناً في صدره. هم يسبّحون قبل الجريمة، ويحوقلون بعد كل إثم، ويبسملون وهم يأكلون مالاً حراماً. قلتها لكم، ولن أكررها ثانية، ايّاكم أن تنخدعوا بهم. اسألوا مجرباً ولا تسألوا حكيما! (تنزل حبال من أعلى المسرح تقيّد الرجل وهو لا يعرف كيف يتخلص منها..يصرخ) أرأيتم؟ لقد اصطادوني، وسوف يصطادونكم أنتم أيضاً، واحداً تلو الآخر. اخرجوا الآن بكل ما اوتيتم به من قوة الى الشارع. لا تبقوا ساكنين هكذا. اخرجوا، وكونوا جسدا واحداً، يداً واحدة، لا تستمعوا للضعيف فيكم. استمعوا لأنفسكم (الحبال ترفع الرجل الى أعلى) السماء ليست ببعيدة، تمسكوا بأرضكم. لا أحد يكفيكم شرهم الا أنتم. لا تنتظروا طيراً أبابيل تخلّصكم منهم. كونوا حقيقيين ولا تدعوا الزيف يعجنكم. الأرض التي لا تُمهر بالدم لا يمكن أن تتخلص من قيودها(صوت الرجل يخفت رويدا رويدا حتى يتوقف)
اظلام- ستار
البصرة المظلومة في 12/10/2020

هذا النص

ملف
مسرحيات عبد الكريم العامري
المشاهدات
76
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى