فهد العتيق - مجرد مؤامرة.. قصة قصيرة

حملوه في المساء بين أيديهم ، نقلوه من المزرعة الى بيتهم القريب على طرف القرية، كانوا يحملونه بغضب مكبوت، وهو كان يبتسم بسخرية وألم مع شعوره بلحظات رعب خفيفة.
يتحدثون معه في الطريق القصير وينصحونه بصوت فيه مجاملة، لكن فيه أيضاً نبرة توبيخ واضحة وصريحة، يتحدثون معه بصوت شبه مرتفع، يحاولون أن يكون خافتاً حتى لا يسمعهم أهل القرية.
أخبروه بأن المزرعة ناشفة بلا ماء، والماكينة معطلة. قالوا له: يا أخي أجلس في بيتك.. عندك تلفزيون وراحة.. والخضراوات والفواكه في السوق بسعر التراب.
دخلوا البيت وأجلسوه على الكنبة أمام التلفزيون. كان لا يزال يبتسم بسخرية وألم مكتوم، وهم بدأ يتضح غضبهم أكثر. لاحظ أنهم صاروا يتجرؤون عليه في الكلام، بعد أن دخلوا البيت وأغلقوا الباب، صارت أصواتهم تميل إلى الصراخ في وجهه وهو ظل يبتسم بسخرية بألم.
كان يفكر وسط هذا الضجيج ومحاولاتهم إقناعه: يريدون بيع المزرعة من دون أن يبوحوا بهواجسهم، وقال أيضاً في نفسه بحزن عميق: وأنا أفكر في قطع الطريق على هواجسهم، ثم ضحك بحزن وسخرية.
سألوه بغضب: لماذا تضحك. قال لهم وهو يبتسم بخوف: الآن كأننا نمثل مشهداً في مسلسل درامي مأسوي، ثم أكمل وهو لا يزال يبتسم، وكأنه يريد تهدئة الأمور: أنا أريد أن أزرع وأتسلى، وأنتم أعطيتم الموضوع أكبر من حجمه.
وأضاف: الزراعة هواية وليست تجارة..
قالوا له: حتى بيتك بالرياض فيه حديقة تستطيع زراعتها..
وهنا شعر بارتفاع ضغط الدم وألم في الرأس، مع لحظات رعب عميقة وثقيلة، بعد أن زادت شكوكه.
سألهم بنبرة فيها تعب وعتاب وسخرية: حديقة؟
قالوا له: نعم حديقة ممتازة.. ماذا تريد
ثم تركوه بغضب وخرجوا واغلقوا الباب خلفهم.
في اللحظة التي خرجوا فيها هجمت عليه الهواجس والوساوس والاسئلة مثل سيل يتدفق بعنف: لماذا تركوني وخرجوا بسرعة.. هل جاءتهم دعوة للعشاء من قريب أو صديق في القرية ولم يخبروني.. لماذا لم يخبروني.. لماذا لا يريدون أن أصحبهم.. لماذا يريدون عزلي.. لماذا حين كانوا يتحدثون مع بعضهم يصمتون فجأة إذا حضرت.
نظر إلى قدميه وسأل نفسه: لماذا حملوني من المزرعة إلى البيت ولم أرجع معهم وأنا امشي.. نظر إلى قدميه مرة أخرى، حرك رجليه، كانت الحركة ثقيلة، وجسده فيه شيء مثل التنميل، ورأسه فيه ما يشبه الدوار.
حين تركوه وخرجوا من بيت والدهم الراحل، سأل أحدهم: لماذا لم يستطع المشي من المزرعة إلى البيت.. لماذا لم نسأله عن نوم قدميه.. لم يجبه أحد، ربما خافوا أن يكون محتاجاً إلى عيادة المستشفى وهم مشغولون، ليس لديهم وقت لرعايته.
في البيت تمدد على الأريكة: أنا مريض لكن لن أعود إلى الرياض. كان مليئاً بهاجس أنهم يفكرون في الاستيلاء على هذا البيت أيضاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى