أمل الكردفاني- مقبرة الأفيال- قصة

مقبرة الأفيال..


✍ *_أمل الكردفاني_*


استيقظ زيرو صباحاً ليجد نفسه راقداً على الرصيف في أحد شوارع نيويورك.. كان ذلك مدهشاً جداً بالنسبة له، ليس أقل إدهاشاً من قصة غريغوري سامسا، فلقد نام البارحة داخل غرفته، وغرفته كانت داخل شقته الصغيرة،وشقته الصغيرة في أحد احياء مدينة نيويورك..كان آخر شيء فعله أنه كتب منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي ثم أدخل هاتفه في جيبه قبل أن يغلق عينيه وينام..
أخرج هاتفه ليعرف الساعة، لكن الساعة لم تعمل، وكذلك لم يكن هناك تاريخ، ضغط عدة مرات لكن رسالة كانت تأتيه مراراً، لا يمكن معرفة مكانك عبر نظام الجي بي اس. حاول الدخول إلى قوقل، غير أنه فشل فقد تلقى رسالة تطلب منه تسجيل دخوله أولاً على موقع قوقل. فحاول الدخول وتسجيل حسابه، لكن كل ما ادخله من معلومات اسمه وكلمة السر كانت خاطئة رغم أنه متأكد من صحتها. حاول انزال تطبيق آخر، لكنه فشل لأن معلومات دخوله على الانترنت كانت غير صحيحة، ويشتبه في أن دخوله ربما يكون قرصنة.. أدخل الجوال في جيبه ونظر حوله فوجد فتاة تعدو؛ سألها:
- في اي شارع نحن..
أجابت:
- شارع بليكر..
ثم واصلت عدوها..
- حسنٌ..
قال ذلك ثم نهض وبدأ في السير محاولاً فهم ما جرى..وليفعل ذلك فقد عاد إلى الخلف قليلاً إلى ليلة البارحة، حيث كتب آخر منشور له على الفيس وتويتر وواتس أب ووسائل تواصل أخرى، لقد كتب نفس المنشور ووزعه على أصدقائه، ثم أغمض عينيه..
وصل إلى شارع صغير، فوجد فتى في السادسة عشر يلعب على الاسكوتر سأله:
- مرحباً يا صاح..
لم يهتم الولد كثيراً بالرد عليه فواصل:
- لم استطع الدخول إلى الانترنت عبر هاتفي..هل تعرف السبب..
اهتم الفتى فجأة وحمل الهاتف وبدأ في العمل عليه ثم قال باستغراب:
- يبدو أن هاتفك محظور بالكامل .. هذا شيء غريب.. إن رقمه السري موضوع في مقابر الفيلة..
فسأله:
- ماذا تقصد بمقابر الفيلة؟
هز الفتى كتفيه وقال وهو يسلمه هاتفه :
- لا أعرف.. هذه هي الرسالة التي تظهر لي..
ثم غادر الفتى فوق الاسكوتر
قبل اسبوع أعلنت وسائل الإعلام العالمية عن ظهور باكتيريا بأقل من حجم الذرة وهي ذات خواص إشعاعية.. تعيش في الماء وتسبب العقم الجماعي، وقد حثت كل وسائل الإعلام شعوب العالم على خلط الماء بنسبة من كحول معين قبل شربه إلى حين إيجاد مصل مضاد لتلك البكتريا... وهو بحكم خبرته يعلم أن ذلك الخبر غير منطقي بتاتاً ولذلك قام بنشر تعليق ينكر فيه وجود هذه البكتريا المشعة. وكتب تمييزاً واضحاً بين البكتريا والفيروسات، ووضح أن البكتريا لا يمكن أن تكون مشعة كاليورانيوم ودعا اصدقائه لشرب الماء باطمئنان.. هذا كل ما حدث بالفعل بالأمس ثم أدخل هاتفه في جيبه ونام كالمعتاد.
وجد امرأتين تتحدثان مع بعضهما عن البكتريا المشعة، وكانت احداهما تؤكد ان هذه البكتريا كائنات فضائية، فتدخل قائلاً:
- اسمحي لي يا سيدتي ولكنك لا تصدقين هذه القصة؟
نظرت نحو المرأتان برعب وقالتا إحداهما بفزع:
- يا إلهي.. وكيف لا اصدقها وكل وسائل الإعلام الرسمية تتحدث عنها..
ثم تركتاه وانصرفتا..فاتجه إلى سوبر ماركت لشراء الطعام..
مد له المحاسب البطاقة وقال:
- هذه البطاقة غير صالحة يا سيدي..
قال:
- مستحيل..
وضع المشتريات وغادر السوبر ماركت..
هناك شيء خاطئ فيما يحدث له، فتوجه بقدميه نحو مكتب البريد..غير أن الموظف قال:
- اسمك غير مدرج عندنا يا سيد زيرو..
أصر هو:
- كيف ذلك وقد استلمت بريدي قبل اسبوعين..
بحث الموظف على الحاسوب مرة أخرى وقال:
- آسف يا سيدي..
غادر وجسده منهك من السير، فجلس قرب متسول عجوز قائلاً له:
- هل لديك هاتف عليه انترنت .. سأدفع لك عشر دولارات هي آخر ما أملك من نقود ورقية لو جعلتني أتصفح فيه قليلاً..
مد له المتسول الهاتف، فحمله وبدأ في تصفحه، كتب اسمه على قوقل لكن صفحاته على وسائل التواصل جميعها لم تظهر، فدخل عليها واحدة بعد أخرى، غير أنها اختفت..لم يكن له اي أثر..ادخل اسمه على المواقع الحكومية فلم تتعرف عليه، وعلى موقع مدرسته السابقة فلم يظهر اسمه، لقد تم محو كل تاريخه من على الانترنت ولن يستطيع التواصل مع العالم بسبب ذلك.
همس:
- ولكن.. من فعل ذلك؟ وما السبب..
قال المتسول:
- انتهى وقتك يا سيدي..
مد للمتسول بهاتفه وظل جالساً قربه:
- إنني في حيرة.. إنني حي ولكنني في نفس الوقت ميت..
قال العجوز:
- منذ عزلنا كأفراد بسبب ذلك الفيروس ونحن أموات رغم اننا أحياء..
قال زيرو:
- الأخطر أن حظري من وسائل التواصل سيفقدني حتى ذلك التواصل الافتراضي.. لا احد سيسمع صوتي.. لا احد سيعرف إن كنت حياً ام ميتاً.. لن أستطيع التعبير عن أفكاري في الوقت الذي انتهى فيه كل العالم الحقيقي المادي ليصبح كله افتراضياً...ولكن من فعل ذلك ولماذا؟
قال المتسول:
- يبدو أنك تثرثر كثيراً..وهناك من لا يحبون تلك الثرثرة يا بني.. أخشى أن يلقوا بك في مقبرة الأفيال..
صاح بدهشة:
- ماذا تقصد بمقبرة الأفيال..لقد تلقيت رسالة بالفعل تخبرني بذلك..
اتسعت عينا العجوز وقال بخوف:
- إذاً لقد انتهى أمرك...مقبرة الأفيال هي المكان الذي يلقى فيه كل من يخالف النظام العالمي.. يتم محوه من السجلات..ويمنع من دخول وسائل التواصل الافتراضي بحيث يتم عزله عن العالم..إنك تختفي من الوجود تماماً..
قال زيرو:
- وأين هو ذلك المكان؟..
قال العجوز:
- هناك تحت الأرض...تعال معي..
ثم قاده إلى أنفاق مظلمة تراص فيه المحذوفون من الوجود والبؤس يغلف محاجر أعينهم تحت الظلام..
قال العجوز:
- رحبوا معي بالعضو الجديد في مقبرتكم....
تقدم المحذوفون نحو زيروا وبدأوا مصافحته والتعريف بأنفسهم..
- انا وليام جاي كار...
-مرحباً..
-أنا المهدي بن بركة..
- مرحباً
- جودي هوسينتروت
- مرحباً
-جيم غراي..
- مرحباً..
- أنا دونالد ترامب..
رفع زيرو عينه نحو الوجه السمين ورأى خصلته الذهبية وقد انحنت على جبهته فقال بدهشة:
- ترامب؟!!!.

.....


يقول المتسول لجماعة مقبرة الأفيال، أن الموجة السادسة من الباكتريا المشعة قد بدأت، وأن البكتريا تتطور داخل امعاء الإنسان لتصبح أرنباً مشعاً..وأن هذا الأرنب يتحجر ليتحول لحصوة ضخمة تحيط بالكلى فيموت الإنسان.
تضحك جودي وتقول:
- لقد تمت السيطرة الكاملة على عقول البشر..
فيضيف جيم غراي:
كنت أول من اخترع السوفت وير، لقد قام النظام بتعيين أبلد الأشخاص ليمتلك شركة ميكروسوفت وهو بيل جيتس، كان طالباً فاشلاً ولكنهم درسوه جيداً فأدركوا أنه الشخص المناسب للدور الذي رسموه له، حصلوا على كل اختراعاتي، ثم خيروني بين الموت ومقبرة الأفيال..ويبدو أنكم تعرفون الباقي..
قال كار:
- كنت أول من كشف هذا النظام العالمي الخطير الذي يتلاعب بعقول البشر وبأرواحهم...لكن الشعوب لا تستمع أبداً إلا لما يمليه عليها إعلام النظام.. تماما كما فعلوا بتسلا..سرقوا كل مخترعاته ونسبوها لغيره..إنهم يكرهون العباقرة والصادقين لأنهم يعرفون كيف يستخدمون حرية التعبير بقوة..
نظر ترامب إليه وقال:
- ولكنني لم أكن عبقرياً..
وجه الجميع بصرهم نحوه فقال بن بركة:
- لقد رفضتَ مجاراتهم في لعبة الفيروس.. كانت هذه غلطتك الوحيدة..
قال زيرو:
- ولكنني لم أكن عظيماً ولا عبقرياً ولا رئيساً..أنا إنسان بسيط..بسيط جداً.. فلماذا فعلوا ذلك بي...
- لأنك تملك لساناً قادراً على الإقناع...لذلك حاربوا شومسكي وإدوارد سعيد..وغيره..ولذلك كانوا يصنعون الأبطال ثم يدمرونهم حينما يبلغون درجة القدرة على إقناع الآخرين بما هو خارج السيستم..إن كل شيء مدروس ومنظم...الحروب وفترات السلام...أبطال الموسيقى والرقص والغناء والملاكمة وكرة القدم والفلسفة والقانون وعلماء الأحياء الدقيقة والمبرمجون وغيرهم وغيرهم...إنهم يصنعون كل شيء..مراكز البحوث والجامعات ووسائل الإعلام من صحف وقنوات فضائية وراديو ومواقع على الانترنت...يرفعون من يريدون رفعه ويدمرون من يريدون تدميره.. إنهم يمارسون دور الإلهة..
قال زيرو:
- ولكن..ألا يمكن مقاومتهم؟
اجابته جودي بحدة:
- مستحيل...لقد أخطأنا عندما حاولنا ذلك..وعلينا أن نعترف بالخطأ..
قال ترامب:
- قلت لرئيس الوزراء البريطاني: أنت ممثل بارع حينما أفزعت شعبك بتلك التصريحات التي تبشرهم بالموت..هل كنتَ سكرانا؟ فأجابني بذعر:
- دونالد ترامب..لا تخرج عن السيناريو لتصبح دونالد داك..
للأسف لم أستمع لكلامه...كان ذلك أكبر خطأ ارتكبته في حياتي..بدأوا بإسقاطي ثم ملاحقات قانونية لسلبي أموالي وبالفعل.. انتهى الامر بي إلى الإفلاس الكامل...وأخيراً قبلت أن أختفي ليزعموا موتي في تحطم طائرة..كان خياراً مراً...
نهض زيرو وقال:
- لا بد من العودة.. لا بد من إيجاد حل..حاول ذلك يا جيم غراي فأنت عبقري..
قال جيم:
- ليس من سبيل سوى أن نفعل شيئاً واحداً.. وهو أن نحقق للسيستم نصراً إعلاميا قوياً..
قال زيرو:
- ماذا تقصد؟..
لمعت عيناه في الظلام وقال:
- أن نثبت أن أكاذيبهم صحيحة...نحتاج فقط لصبغة الفسفور وبضعة أرانب
....

بعد بضعة أيام تم اكتشاف عدة حالات من البكتريا المشعة التي تحولت لأرانب مشعة، فقد وُجد بضعة رجال وامرأة ملقون في أماكن متفرقة وفوق بطونهم تتقافز أرانب بلون فضي غريب...وقد اهتمت وسائل الإعلام بهم وتم علاجاهم في أرقى المستشفيات.. كما منحوا تعويضات مالية ضخمة وأوراق ثبوتية جديدة بأسماء تعكس قوة نضالهم ضد المرض..

(تمت)..

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
55
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى