فهد العتيق - محاولة ترميم.. قصة قصيرة

ذات مساء خصب وهادئ هجمت فيه على رأسي أفكار متداخلة فكتبت سيناريو الفيلم المؤجل، في تلك الليلة التي شعرت فيها بفراغ العيش حاولت ترميم ذاتي بأفكار جديدة، مشاهد لفيلم اختمر كثيرا في الذاكرة، مشاهد روحية تبحث عن رؤيا جديدة ، وحين أحاول إغلاق عيني المتعبتين يهزني صوت من الداخل، أرتجف ثم أصحو لكي أرمم ذاتي من جديد بروح تبحث عن الرؤيا. أبحث عن وقت واسع أعود منه بذاكرة غنية وحكايات أو رؤية جديدة تقع في المنطقة الوسطى ما بين يقظة غير صريحة ونوم غير واضح، أدخل معها في حوار، أضع أمامها تاريخي المرتبك واسئلتي القديمة في جدار ناصع مثل شاشة سينما . الآن تتداخل كل الرؤى والحوارات والمشاهد التي يحملها هذا الواقع الماثل أمامي مثل عمود نار أحيانا ومثل مسرح صغير أحيانا أخرى، تدخل في المشهد كل الأسئلة المبثوثة في الوقت القلق فتبدو مثل قصيدة ضالة أو مثل فيلم متقطع.
يبدأ الفيلم حين هكذا فجأة، أجد نفسي وحيدا داخل خيمة واسعة، صحبة غروب ساحر، يتوسط الخيمة موقد نار كبير، وعلى جدار الخيمة تبين ظلال لرؤوس أدمية كبيرة، أقول لنفسي: ربما يأتي أحد الآن، الخيمة في صحراء، والصحراء في رأسي، ورأسي وسط غيمة وظلال الرؤوس الآدمية تتحرك في جدار الخيمة .
كان جمر الموقد يلمع مع الهواء الخفيف الذي يدخل الخيمة من بابها الصغير، وكنت أرى ظلي الضخم متمدداً في كل المساحات حولي، بينما أرى رأسي معلقاً هناك في سقف الخيمة. فجأة يطل من باب الخيمة رجل طويل أسمر ونحيل وجميل ، له وجه أليف كأني رأيته من قبل..
قلت: أهلا تفضل
قال: أهلا بك
دخل وجلس
قلت له: من أنت
قال لي: أنا هذا الأحد الذي ينتظرك
قلت: أنت تنتظرني أو أنا الذي ينتظرك
قال: أنا حسن الذي تركته منذ عشرين عاما.
قلت وأنا أحاول التذكر متأملا في ملامح وجهه المألوف: تشرفنا يا حسن.. كنت مشغولا والله.
أخبرني: أنا راعي الأغنام وحارس الأراضي والأحواش في هذا المكان.
وأضاف: أنت جئت هنا منذ سنوات ونصبت خيمة صغيرة عدة ليال مع أصحابك .
قلت: تذكرت يا حسن.. وأذكر حين سألتك لماذا تحرس التراب.. وقلت لي أن هذا التراب بالملايين.
قال حسن: انتهت اللعبة والمزاودات وصارت هذه الأراضي بسعر التراب.
قلت: سبحان الله
قال حسن: أنا مللت وأريد أن أذهب الى أم درمان.
قلت له: أم درمان بعيدة يا حسن وسيارتي قديمة.
ضحك حسن وقال: الكفيل قال لي لا تستطيع السفر لبلدك إلا إذا احضرت عاملا مكانك.
قلت له: وأنا يا حسن مللت من الرياض وأريد أن أحرس مكانك.
شرب حسن الشاي معي ثم غادر الى خيمته بعد أن سمع سيارات ضيوف خيمته، وأنا في وحدتي المثيرة والممتعة بدأت أرى وجوهاً غير مرئية تتوافد على المكان، رجال بملابس ثقيلة جلسوا فيما يشبه الحلقة أمامي، وبدأوا يتحدثون عن أشياء كثيرة، يحكون عن الحب والدين والرؤيا والحلم، في مشاهد تصلح لفيلم مشوق، أحفظ صورهم وأحاديثهم في رأسي. نسهر حتى وقت متأخر، وأنا مثل شبح يسبح في صحراء بجسد مرتعش وروح عميقة مليئة بالليل والظلام والوحشة والحنين والأسئلة والحكايات، أرقب حكايات ومشاهد مثيرة، كل حكاية مليئة بنفوس حائرة لا ترى سوى طرقات واسعة وشوارع سفر وحارات غربة وبيوت تنظر للحياة من ثقوب في الباب الخشبي الكبير الموصد.
كانت الظلمة شديدة وكان الفيلم لايزال يعمل ، وكنت أسمع أحاديثهم وجدالاتهم المثيرة واضحة ، وكنت أرى نوراً ضئيلاً يتحرك أحياناً في أماكن مختلفة, لكن المكان بدأ يضئ ، والنفق الذي وجدت نفسي فيه بدأ يضيق أكثر، وأطرافي بدأت تموت بجانبي ، والبيت الذي وصلته متأخرا لم أعد أعرفه ، صار شيئا آخر أحاول تذكر ملامحه القديمة ، وأنا أتشجع بالهدوء والصمت لمحاولة الفهم ، أتأمل دولاب الصالة الخشبي، أتذكر أحلاما وأغنيات قديمة ومشاريع صغيرة غائبة عني منذ وقت طويل، وأراهم بهدوء يخرجون من وقتي واحداً واحداً وهم يبتسمون بمرح ، بدأت أرى أني تحولت الى عين تطل على ساحة غامضة من ثقب صغير في جدار غرفتي ، قبل أن أصحو مليئا بذاكرة أخرى وحكايات منوعة وعطش قديم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى