مجدي محروس - ڨياجرا.. قصة قصيرة

طالعتها العيونُ في شفقةٍ عبرَ زجاجِ حجرتِها الشفَّاف، وهي ترقدُ فوقَ فراشِها داخلَ ذلك المشفى، تحيط بها أسلاك وخراطيم تتصلُ بجسدِها، وقد سكنت ملامحُها وعلاها الجمودُ ولولا ذلك المؤشر الذي يروح ويجيء بجهازٍ يعلو فراشَها لظنُّوها فارقتِ الحياة..
اتسعت عيونُ البعض في ترقبٍ يعتصره قلقٌ حاد عليها حين لمحوا جسدَها ينتفضُ في حركةٍ خافتةٍ مفاجئة، وكأنَّها تُعاني أمراً ما، في حين كذَّب البعضُ الآخرُ عينيه، وأوعز تلك الحركة لوحي خيالهم من فرطِ قلقِهم عليها؛ فهي لم تغادر ذلك الفراش منذُ أن سقط عقلُها فريسةً لتلك الغيبوبة..
يومان كاملان وهي غائبةٌ في تلك المنطقةِ الرمادية ما بين الموتِ والحياة..
انتفض جسدُها بحركةٍ أخرى فاشرأبت الأعناق، وحملقت العيونُ عبرَ النافذة، في اللحظة التي سالت فيها من عينها دمعةٌ وحيدةٌ لمعت فوقَ خدِّها..
وفي تلك المنطقةِ الحائرةِ على أبوابِ اللاوعي راحت تتراقصُ مجموعةٌ من صورِ حياتِها الماضية..
صورةُ الفتاةِ الجميلةِ ذات العشرين ربيعاً التي احمرَّ وجهُها خجلاً، وتلعثم لسانُها حينَ أخبرتها أمها أن الدكتور أحمد يتحدثُ مع أبيها بالخارج في أمرِ خطبتِها..
كانت تعلمُ إعجابَه بها، ومتابعته في صمتٍ لها باستمرار كلما ذهبت إلى الجامعة أو عادت للقرية..
وفي إحدى المرات تجرأتـ وبادلته نظرةً خاطفةً في طريقِ عودتِها فرأت في عينيه لمعةَ عِشقٍ خطفت لُبَّها..
شعرت بسعادةٍ لا مثيلَ لها تجتاحُ أعماقَها..
فُوجئت بكلِّ ذرةٍ في كيانِها ترقص..
ولمَ لا؟
فالدكتور "أحمد" يمثل الحُلم لكلِّ فتياتِ القرية والقرى التي حولها؛ وهو فضلا عن كونه معيداً بكلية الطبِ فهو ثري وسيم، أقام له والده مشفى ضخم بالمدينة ليديره..
بنى لها فيلا ضخمة من طابقين - بعيداً عن دورِ القرية- تحيطها الحدائقُ والمزارع..
أقام لها فرحا أسطوريا ظلَّ حديثَ الجميعِ لشهورٍ طويلة..
انتفض جسدُها في حركةٍ بدت ملحوظةً للعَيان، وعقلُها يجاهدُ لالتقاط ملامح تلك الصورةِ حين دخل عليها زوجُها، وقد زيَّنت جانبي رأسه بعضُ الشعيرات البيضاء، وأخبرها بصوتٍ كسيرٍ كالهمس بأنَّ الطبَّ قد عجز أمامَ حالتِه، وأنَّه لن يحققَ أملَها في إنجاب طفل كما كانت تتمنى..
امتدت أصابعُها تتحسس طابع الحسن أسفل ذقنه، ورفعت رأسه لتلتقي عيناها بعينيه اللتين طالما سرحت في غموض سحرهما، لتهتف:
- أنتَ طفلي وزوجي وحبيبي.
- " لا يمكن أن ندفنه قبل أن تفيق من غيبوبتها، وتُلقي عليه النظرة الأخيرة؛ فكلنا نعلم كم كانت تحبه".
كمطارق من الصُلب دقت العبارة السابقة أذنيها، فسالت دمعة أخرى على خدها، وصورة زوجها تقتحم عقلها وهو يدخل عليها مترنحاً، ورائحةُ الخمرِ تفوحُ من فِيه..
راحت تتأمل فوديه الأشيبين في ألم وحسرة يعتصران قلبها، وقد تكوَّم بجوارها على الفراش دون أن يخلع حذاءه..
تستيقظ من نومها فزعة – كعادتها في الأشهر الأخيرة- على صوته وهو يردد أثناء نومه اسماً جديداً لامرأةٍ يختلف عن أسماء النساء التي رددها بالليالي الماضية..
بدا لها مرقدُها المجاورُ له في تلك اللحظة وكأنه حِيكَ من الشوك، فانتفضت معتدلة لتُواجَه بملامحها عبر المرآة الضخمة التي تُزين صوان الملابس..
بدت للحظات وكأنها تُطالع ملامحَ امرأةٍ أخرى لا تعرفها، وقد غزا الشيبُ شعرَها، وانطفأ بريق عينيها الذي كان يميزهما..
اسم المرأة الأخرى يتردد بين شفتيه ثانيةً، فتترك الفراش تسبقها دموعها مغادرةً الحجرة، لتهبط الدرج حيث بهو الفيلا الذي خلا من الخَدَمِ الذين يتركون الفيلا معَ حلولِ كلِّ مساء..
تتوجه في خطواتٍ بائسةٍ لحجرة المكتب، وتلقي بجسدِها الذي ما زال ينتفضُ فوقَ الأريكةِ الوثيرة التي تواجه المكتبَ الفخم..
- " صباح السعادة يا حبيبتي"
استيقظت من نومها إثر عبارته التي انطلقت من بين شفتيه بصوتٍ هادئ وقور، وهو يقف أمامها صباحاً بملامحه الوسيمة رغمَ الشيبِ الذي خطَّ فوديه، وكأنَّ شيطانَ الأمسِ قد تخلَّى عنه بلا رجعة..
اعتدلت فوقَ أريكتها ترمقُه بنظراتٍ طويلةٍ في شرودٍ صامت، ثم تناولت مجلةً طبيةً من تحتها - كانت رفيقة لها طيلة الليلةِ السابقة- وراحت أصابعُها تعدلُ ما انثنى من أوراقها، قبل أن تضعَها بجوارِها لتنهض مغادرةً الحجرة، تاركةً إياه دون أن تبادلَه حرفاً..
- " أرجوكِ لا تستسلمي حبيبتي؛ قاومي تلك الغيبوبة اللعينة؛ فكلُّنا في حاجةٍ إليكِ"
تسللت عبارةُ أختِها الصغرى لأذنيها في نعومةٍ، وبثّت بعضاً من الطمأنينة داخلَ نفسِها الثائرة، والتي سَرعان ما تلاشت أمامَ العاصفةِ التي قابلته بها في تلك الليلة، وهو عائدٌ يترنحُ كعادته، فما كان منه إلا أن أخمدَها بصفعةٍ على وجهها زلزلت كيانَها، وهو يرددُ بصوتٍ ثقيلٍ متقطع:
- تلك حياتي، فإما أن تقبليها كما هي أو تخرجي منها بلا رجعة.
دموعٌ غزيرةٌ انسابت فوقَ خديها في تلك اللحظة، فامتدت أناملُ أختها تكفكفُ دمعَها، وهي تهتفُ بصوتٍ خافتٍ جاهدت قدرَ استطاعتِها أن يخرجَ من بين شفتيها متماسكاً:
- كلنا نعلمُ كم كنتِ تحبين زوجك رحمه الله، ولكنها مشيئتُه سبحانَه وتعالى، ولابد وأن نرضى بها، أرجوكِ يا حبيبتي، قاومي وتماسكي من أجلي؛ فليس لي سواكِ الآن.
انتفض جسدُها في حركةٍ بدت أكثرَ وضوحاً، وتلك الصورةُ تهاجمُها في ضراوةٍ، وهي تتحركُ في خطواتٍ جامدةٍ، وتفتح أحدَ أدراجِ المطبخِ لتتناول منه قارورةً صغيرةً شفافةً تمتلئ بمسحوقٍ أبيضَ تشوبه بعضُ الزرقة..
نزعت غطاء القارورة في جمود، ووضعت بعضاً من المسحوقِ داخلَ كوب ِالشاي الذي يتصاعد بخارُه، وقلَّبته جيداً، وأعادت القارورة لمكانها بدرجِ المطبخِ في عنايةٍ، قبل أن تتوجَه بنفس خطواتِها الجامدة لتضع الكوبَ أمامَه على المائدة حيثُ يجلس، وقد بدا أصغرَ من عمره بكثير في ملابسه الشبابية التي يرتديها استعدادا للخروج كعادته كلَّ ليلة، بينما كانت عيناها تدوران بتوترٍ مع عقاربِ الساعةِ الضخمةِ بالبهو التي تجاوزت العاشرة مساءً بقليل!
- ما بال تصريح الدفنِ قد تأخَّر هكذا؟! كرامةُ الميتِ دفنُه، ولا يمكننا الانتظارُ أكثرَ من ذلك.
فوجئت وكأنَّ دموعَ عينيها جفَّت، وقد تقلصت ملامحُ وجهِها في شكلٍ غريبٍ مع العبارة الأخيرة، وتوترت شفتاها في حركةٍ بطيئة، وكأنَّها تهمُّ بقولِ عبارةٍ ما، وصورته تقتحمُ عالمَ اللاوعي لديها، وهي تجلسُ على أريكة وثيرةٍ بالبهو كإحدى الأميرات في ثوبٍ واسعٍ طويل، وقد وضعت ساقها فوق الأخرى، لتراه وهو يدخلُ من بابِ الفيلا مترنحاً في صورةٍ سيئةٍ لم تره عليها من قبلُ، وكفتاه تتحسسان موضعَ قلبِه..
مدَّ يديه نحوَها متضرعاً أن ساعديني..
علت شفتيها ابتسامةٌ ساخرةٌ، وهي تنهضُ من مكانِها متوجهةً نحوَ الدرجِ في خطواتٍ جامدةٍ بطيئةٍ غيرَ آبهةٍ به، وقد رفعت بأناملها طرفَ ثوبِها أمامَها، وكأنَّها عروسٌ في ثوبِ زفافها..
راح يفك أزرار قميصه، وقد مالت ملامحُه للزرقة، وهو يصعدُ الدرجَ خلفها ناشداً المساعدة..
استدعى جاهداً كلَّ ذاكرته عمَّا درسَه من الطب فراحت كفتاه تدلكان بوهنٍ موضعَ قلبِه في محاولةٍ مستميتةٍ لإنعاشه..
وقفت مكانَها آخر الدرجِ تتابعه، وهو يواصل صعوده في إنهاكٍ، وبعينها نظرةٌ تحملُ الكثيرَ والكثيرَ من الغضبِ والمقتِ والشماتة..
في أعلى الدرجِ ركع تحتَ قدميها يرجوها أن تساعده، وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه بصعوبة، وقد كسا وجهه عرقٌ غزير..
بكلِّ جمودٍ تدفع كعب حذائها برأسِه فينكفئ على بطنِه تحتَ قدميها..
من بين شفتيها ينطلق صوتٌ كفحيح الأفعى كان غريبَ الوقعِ على أذنيها:
- الآن ستدفع ثمنَ دموعي التي سفحتُها مراراً، ولا يوجد عليها شاهدٌ سوى وسادتي..
سوف تغادرُ الدنيا كجرذٍ حقير..
وكل شيء من الآن سيصير ملكي أنا..
أنا وحدي..
ولن يكتشف أحدٌ جريمتي.
بأصابعَ مرتعشةٍ يرفعُ يديه نحوَها مستغيثاً علَّها تفيقُ قبلَ فواتِ الأوان..
تنتزعُ من صدرِها قارورة المسحوقِ، وتُلوِّح بها أمامَ عينيه، مستطردةً في جنونٍ مضاعفٍ:
- هل تعلم ما هذا؟
إنه مسحوق الحبات الزرقاء التي كنتَ تستعملُها بينَ حينٍ وآخر – رغمَ قلبك الضعيف- مع الساقطات اللاتي كنتَ تسهرُ معهن كلَّ ليلة.
صمتت قليلا، وقد اتسعت عيناها في جنونٍ مُضاعف، قبل أن تستطردَ بنفسِ الفحيح:
- كنتُ أضعُ لكَ بعضاً منه في مشروبك كلِّ ليلةٍ قبلَ خروجِكَ إليهن..
كنتُ أعلمُ أنَّ قلبك الضعيفَ لن يتحمَّلَ، وحتما سيأتي عليه وقتٌ ويتوقف، وها هو يوشك أن يتوقف ها.. ها.. ها و..
قطعَ ضحكاتِها الجنونيةَ نهوضُه بقوةٍ لا تدري من أين أتته صارخاً أن لا، وهو يندفعُ نحوَ الدرجِ بخطواتٍ مترنحةٍ محاولاً النجاةَ بنفسِه..
وفجأةً تخورُ قدماه من تحته، وقد عجزتا عن حمله، فتدحرج جسدُه على درجات السُلم لينتهي به المطاف في بهو الفيلا، وقد اندقَّ عنقه..
ماتت ضحكاتُها فوقَ شفتيها، وهي تهبط درجاتِ السُلم خلفَه في بطءٍ، وعيناها شاخصتان حيث استقرَّ جسدُه !
تمت بحمد الله
  • Like
التفاعلات: أبوبكر العاقب

هذا النص

ملف
مجدي محروس
المشاهدات
27
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى